الاثنين 24 أيلول 2018

أبحاث ودراسات

سيرة استيلاء الحركة الصهيونية على فلسطين في سياقها الأوروبي

سيرة استيلاء الحركة الصهيونية على فلسطين في سياقها الأوروبي

صلاح الداودي

التاريخ ,

يعتبر اللورد "شافتسبيري" أول من استخدم عبارة "شعب بلا أرض لأرض بلا شعب" كما كتب سنة 1853 مستخدماً عبارة أزمة الشرق سنة 1840، داعياً إلى هجرة اليهود إلى فلسطين.  هذه العبارة استعادها الأميركي جون "لاوسن شتودار" سنة 1891 أثناء محاضرة حول القدس داعياً الشعب الذي بلا أرض حسب زعمه إلى العودة إلى أرض إبراهيم التي ليس فيها شعب كما يقول، مردفاً "تستطيع فلسطين أن تتشكل من مليونين ونصف مليون بتهذيب خاص وليس فقط ست مائة ألف".

ثم أتى هرتزل ليقول سنة 1901 بأن "إحياء الأرض سيقود إلى عودة الشعب إلى الحياة" بما أنه بلا أرض والأرض بلا شعب. ومن ثم أعطي بعد ذلك "من لا يملك ما لا يستحق". (مجلة مشرق- مغرب ، عدد 153 لسنة 1993). واستطاع، كما قال عبد الناصر، من لا يملك ومن لا يستحق "أن يسلبا بالقوة صاحب الحق الشرعي حقه".

تمخضت هذه الأفكار في ظلّ صراعات وحروب محمومة متلاحقة وكانت تحت تأثير القوى العالمية الأوروبية أساساً وخاصة عندما تحوّلت الإمبراطورية العثمانية إلى ساحة صراع وطغت على الحرب العالمية الأولى نزعة الحرب الأوروبية. تولّد كل ذلك في ظلّ ضغط صعود القوميات والقوميات المحلية الهوياتية والوصاية الدينية والتنازلات الاقتصادية. وسيطرت مخطّطات الاستعمار والتقسيم على كل ما يحدث.

كانت فلسطين أرض الصراع والتأثير بين فكرة الأرض المقدّسة الموعودة والشعب المختار والموطن اليهودي في فلسطين قبل أن تتحول إلى وطن قومي لليهود ومن ثم "دولة إسرائيل". وكانت الأسئلة الكبرى وظلّت لوقت طويل: هل أن الأمر موضوع دين أم موضوع دولة؟ هل هي قصة شعب وأمّة قومية أم مجرّد أسطورة؟ هل هو صراع حقيقي حول أرض أم صنيعة حركة صهيونية وجيش احتلال؟ أثبت وعد بلفور وتقسيم فلسطين واحتلالها أنه مشروع استعماري صهيوني غربي انقلبت فيه الحركة الصهيونية إلى أداة وظيفية أوروبية أميركية وتظل إلى الآن.

شهدت فلسطين منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر تدفّق مجموعات صغيرة من أوروبا الشرقية من جماعة حركة "أصدقاء صهيون" لخلق جماعة دينية وسياسية ولغوية وثقافية خاصة. (ن. مانديل، العرب وهجرة اليهود إلى فلسطين: 1914-1882، أكسفورد 1965). ثم طوّر هرتزل هذه الصهيونية إلى صهيونية سياسية حديثة وجديدة في سنوات القرن التاسع عشر الأخيرة في غرب أوروبا، بهدف السيطرة على فلسطين عن طريق وثيقة من السلطان ذات صلاحية ومضمونة دولياً وهو ما عرف بـ "برنامج بازل".

 

 


 

التقت وتعدّدت الظروف والعوامل الدولية على مصلحة زرع استيطان صهيوني في فلسطين.

كانت الحركة الصهيونية محدّدة وأوروبا حاسمة لتحقيق الهدف، وكانت في نفس الوقت غزواً غريباً للمشرق العربي تحت قناع الصهيونية.

في سنة 1901 قال زانغول تحت عنوان "العودة إلى فلسطين" المنشور في عدد ديسمبر/ك1 من المجلة الليبرالية الجديدة: "الآن وليس في وقت آخر تكمن فرصة إسرائيل بعد أن حملت قناة السويس العالم إلى أبواب فلسطين". (وهنا نذكر عمل نابوليون من أجل نفس الهدف الصهيوني). كان السلطان العثماني يرفض إضافة "مسألة يهودية" إلى شبكة الأعراق والديانات إلى جانب القوميات الأجنبية، وكلها تحظى بامتيازات. حتى أنه امتنع عن مد اليهود بميثاق وإن بالملايين لبيع فلسطين. وهو ما أثبتته تقارير القنصلية البريطانية في القدس (هيامسن.أ. لندن 1941-1939 ). بل أن الهجرة اليهودية كانت قد منعت منذ 1887 عدا الدخول كحجّاج أو زوّار مقابل خمسين ليرة تركية كتعهّد بالمغادرة خلال 31 يوماً، ثم ثلاثة أشهر مع تسليم جواز السفر.

 

 


 

عندها صعب على الحركة الصهيونية إدراك مبتغاها قبل زوال نظام السلطان عبد الحميد، انصرف هرتزل عن وجهة فلسطين مقابل التطواف في العالم لإيجاد كيان. وانشق عنه عدد كبير من الصهاينة. بعد ذلك شدّدت الأستانة القيود على الهجرة وشراء الأراضي. وقد تغيّر النظام السياسي العثماني وتولّى جماعة "تركيا الفتاة" السلطة سنة 1908، التي هلّلت لها صحيفة الفجر في الأستانة "لسقوط عدو إسرائيل" بعد المؤتمر الصهيوني الأول سنة 1897. ازداد الضغط الأوروبي شرقاً وغرباً وتساهل الحكم الجديد مع الصهاينة بمساهمة فئات من اليهود العثمانيين والدونمة في إحداث انقلاب، إلى جانب حاجة الإمبراطورية إلى الأموال اليهودية رغم ادّعاء اليهود الولاء العثماني. (رسالة لوثر غراي في 1910-5-29 حول السيطرة الاقتصادية على العثمانيين. F .0. 371/1010/20761).

انتزع هاييم وايزمان وعد بلفور من البريطانيين وكانت عدّة فئات من حركة الصهيونية تظن أن دولة إسرائيلية تظل إشكالية وصعبة المنال بل مضرّة ومستبعدة

ازدهر النشاط الدعائي في الفضاء العثماني حيث تولّى جاكوبسن الإشراف على الدعاية الجديدة وتولّى جابوتنسكي الإشراف على الصحافة الصهيونية. حلّت الحرب العالمية الأولى واليهود يسيطرون على أكثر من 40 مستوطنة بما يقدّر ب 400.000 دونم من أحسن الأراضي في فلسطين والجليل ومرج بن عامر وسهل سارونه حسب تقديرات نشرة 1917-1-19 للمكتب العربي المنفذ لسياسات بريطانيا في المشرق، وقد ضم خبراء بريطانيين في شؤون المشرق العربي من رحالة وعلماء آثار ومستشرقين وضباط ورجال استخبارات. نذكر هنا أيضاً الحشد الدولي للأهداف الصهيونية في بريطانيا وفي أميركا بدعم سفير الولايات المتحدة اليهودي هنري مورغنثو لليهود العثمانيين ويهود فلسطين (الكرونكل اليهودي 1913-12-12). وتدخل الحاخام باشي ناحوم لإلغاء منع اليهود من شراء الأراضي.

هنالك إذن تطواف من "موطن لليهود" إلى "مدينة إسرائيل" إلى "وطن قومي لليهود" إلى "دولة إسرائيل". انتزع هاييم وايزمان وعد بلفور من البريطانيين وكانت عدّة فئات من حركة الصهيونية من الروحانيين ومن أقصى اليسار والليبراليين تظن أن دولة إسرائيلية تظل إشكالية وصعبة المنال بل مضرّة ومستبعدة. وكان جماعة "الصهيونية الثقافية" من أمثال جينسبيرغ لا يطالبون بأكثر من مركز ثقافي روحي لا بدولة-أمّة. وكان وايزمان رئيس الحركة الصهيونية العالمية نفسه قد قال سنة 1937 أمام لجنة تحقيق بريطانية انه لا يريد دولة يهودية في فلسطين بل أن تكون فلسطين الحرّة كلها جزءاً من الكومنولث البريطاني. إلا أن حركة الصهاينة في أوروبا ذهبت إلى أقصى الأهداف ودفعت ألمانيا النازية نحو ذلك. في هذا الأمر تفوّق بن غريون على وايزمان الذي أصرّ في محاضرة بيتلمور في نيويورك سنة 1942 على  مشروع "الجمهورية اليهودية" في فلسطين، وربما كان يحلم بكومنولث يهودي. فرض بذلك ما يسمّى الحل الوطني أو القومي على اليهود. وهو ما نظّر إليه منظّر الانعتاق الذاتي ليو بينسكر على أنه بديهي وفرض ذلك على هرتزل "بطل" التحرّر والاستيعاب، خاصة مع ما وقع في روسيا وفيينا ومن بعد باريس في واقعة "درايفوس". كان لبلفور ذاته علاقات متشعّبة في الأوساط الأوروبية حيث كان نائباَ محافظاً منذ 1874 ثم انتقل للعمل كسكرتير خاص في مؤتمر برلين (1978) ثم كسكرتير إيرلندا (1892-1886) ، ثم وزيراً أول سنة 1902. كانت له علاقات وطيدة مع فرنسا وقد تحالف مع إمبريالية الحماية التي مثلّها جوزيف شومبرلن. غادر بعدها قيادة حزب المحافظين وكان جزءاً من حكومة أسكيث كلورد أول (1915) ثم كوزير للخارجية (1919-1916). حيث أدخل الولايات المتحدة الحرب وأرسل إلى اللورد روتشيلد واعداً بإصدار بريطانيا تصريح بإعطاء وطن خاص لليهود لا مجرّد حقوق يمكن الحصول عليها في أي بلد. ثم كان له حضور مؤثّر في ندوة عام 1919 للسلام ووقّع اتفاقية فرساي وكان في وفد ندوة واشنطن 1921. (معجم التاريخ الموسوعي). ثم توالت الكتب البيضاء بعد وعد بلفور. وانتقل تركّز محور الثقل الأوروبي في التأثير لمصلحة الصهاينة إلى فرنسا وروسيا حتى وصل الأمر إلى صراعات فرنسية-بريطانية حول مزيد هجرة اليهود التي تعترض عليها بريطانيا وتدعمها فرنسا ، وكذلك روسيا كمدخل للشرق الأوسط .( مجلة التاريخ عدد 153 مارس 1992 ومجلة نمو عدد قصف ماي/آيار 1998).

 

 


 

خلال سنوات الحرب العالمية الأولى منذ سنة 1914 وخلال أطوار تشكّل أتفاقية سايكس - بيكو من نهاية سنة 1915 إلى منتصف سنة 1916 وحتى ظهور الاتفاقية سنة 1917 وظهور وعد بلفور في نفس السنة، تواصل العمل الصهيوني وتواصل العمل الأوروبي  وتواصلت كذلك المقاومة العربية للصهيونية وتعزّزت وتنظّمت. فمع قرب انتصار الحلفاء وانهيار الإمبراطورية العثمانية، تدّعمت وتوسّعت الحركة الصهيونية ووضعت كل ثقلها وضغطها على حكومة بريطانيا أساساً، واستثمرت كل أوراق بريطانيا ولا سيما الخاصة بالحرب في فلسطين، وغذّت هكذا كل الظروف الاستراتيجية الناتجة عن الحرب ، كما كثّف ذلك كتاب بنتويش: " إنكلترا في فلسطين (لندن 1932). عند ذلك الحد من تطوّر المفاوضات الصهيونية - البريطانية بالسرعة القصوى، أدّت تلك الظروف إلى الأوج، ألا وهو تصريح  1917-11-2 المعروف بوعد بلفور كما يلخّصه كتاب شتاين: "تصريح بلفور" (لندن 1960). هذا ونقلت صحيفة الأهرام تلك المفاوضات في 1917-6-4 وصحيفة المقطّم تلك الأخبار يوم 1917-6-1. لم يشر ذلك التصريح الذي سمّي بالمشؤوم إلى العرب الفلسطينيين إلا على سبيل كونهم "طوائف غير يهودية" بينما لم يكن عدد اليهود أيامها ليتعدّى 4 ــ 5 بالمائة من عموم السكان، وهو ما أشار إليه كتاب جبوتنسكي: (تركيا والحرب" (لندن 1916)، إضافة إلى كل الظروف التي كانت تطبع حياة شعب فلسطين وما حل به من كوارث الحرب الاقتصادية والمعيشية بحسب الأعداد التي صدرت سنة 1916 من مجلة "الشرق الأدنى"، ناهيك وأن أرض فلسطين كانت حينذاك منطلق الهجوم العثماني على جبهة السويس وما تلاها من نتائج وخيمة للهزيمة العثمانية على بلاد الشام، ما لم يلحق اليهود بفضل "قوة تأثير أصدقاء اليهود والصهاينة في الخارج من يهود عثمانيين وأمريكيين وألمان "( "مجلة السياسات"، المجلد 23 لسنة 1961: "تركيا والحركة الصهيونية 1918-1914" لوالتمان). وهو ما شهدت عليه أيضاً مراسلات الخارجية البريطانية حول أوضاع اليهود وقتذاك تحت رقم: F .0. 371/3055.

 

كان المسعى إذن تأسيس دولة يهودية تهجّر الفلسطينيين وتجرّدهم من أرضهم ومن ممتلكاتهم وتحلّ محلهم وتصنع تاريخاً جديداً. هدف هذه الدولة أتى في وثائق المكتب العربي ومذكرة 1917-12-1 ونقرأه في كتاب "الصهيونية ومستقبل اليهود" (لندن 1916). فغصّت الصحافة الفلسطينية وغيرها في المنطقة وقتها أثناء الحرب بتحليل حركة البارونات الصهاينة وحركة أموالهم وثرواتهم. وأرسل مدير الاستخبارات البريطانية تعليماته إلى كلايتون رئيس المكتب العربي في القاهرة يوم 1916-11-21 يطلب منه التدخّل لدى إصدقائه العرب بمن فيهم الشريف حسين لتوجيه تحذير خطير وشخصي بعدم الخوض في موضوع الخطر الصهيوني لأنه "سيثير القوى الحيادية الآن، والتي لو أثيرت كانت كافية لتحطيم الآمال". ومضت سياسة سايكس الخارجية تقود البريطانيين أنصار الصهيونية وعلى رأسهم هو شخصياً وتتظاهر بدعم العرب ضد العثمانيين اعتماداً على "أسطورة بعث وإحياء الشرق الذي سيكون فيه مكان يتّسع للقوميتين العربية واليهودية معا".

 قدم هذا الأخير (مايك سايكس) إلى المشرق العربي في ربيع عام 1917 بحجّة دراسة الوضع القائم ليضمن قبول الزعامة العربية لكل الخطط البريطانية في الشرق ولتهيئة الجو لبناء علاقات عربية - يهودية. وقد بحث سايكس مع لجنة من السوريين في مصر أموراً تتعلق بالأماني العربية وأبلغهم أن أقصى ما يطلبه الصهيونيون هو تنظيم فلسطين على أساس ' نظام الملّة العثماني'،  وأن يعطوا حكماً ذاتياً كسائر الملل. وكان رد الزعماء السوريين 'أن العرب مسلمين ومسيحيين على حد السواء على استعداد لمقاومة بسط السيطرة اليهودية على فلسطين حتى آخر رجل'.". برقية سايكس إلى الخارجية في 1917-4-13 رقم  .F .0.371/3053/88934/84173F). أنظر بحث د. خيرية قاسمية أستاذة التاريخ المعاصر في كلية الآداب- جامعة دمشق. المجلة التاريخية المغربية، السنة العاشرة، العدد 30/29 جويلية/تموز 1983، تونس).

في تلك الأثناء بين 1908 و1911 وما بين 1914 و1917،  نشطت موجة كبيرة معادية للصهيونية فكراً وسياسة من خلال الصحف وعلى الأرض وموجة كبرى من تأسيس الجمعيات والنقابات والأحزاب لمقاومة الصهيونية. ورغم أن فلسطين لم تكن من بين مباحث سايكس مع الحسين في جدة،  إلا أنه حثّ الحكومة البريطانية مباشرة إثر عودته على إصدار تصريح التعاطف معها.  وحين بلغت الصهيونية غاية مساعيها بتصريح بلفور كانت الظروف قد أجبرت العرب أن يلتزموا بتحالف مع نفس الدولة صاحبة التصريح (حوراني، "الحقيقة العربية في العهد الليبرالي، 1939-1798، أوكسفورد). (د. خيربة قاسمية، المصدر السابق).