الجمعة 20 تموز 2018

أبحاث ودراسات

أثر الإسلام في الثقافة الهنديّة

أثر الإسلام في الثقافة الهنديّة

علي مطر

التاريخ ,

يعرض الكاتب كيف دخل الإسلام إلى الهند، معتبراً أن التبادل ما بين الشعوب لا يمكن أن يقتصر على التجارة وحسب لأن التأثير الثقافي في دخول السلع يأخذ حيزاً كبيراً. كما يعرض الثقافة الهندوسية قبل دخول الإسلام إليها، ويقسم التاريخ الهندي، متحدثاً عن العصر الفيدي والعصر البوذي والعصر الهندوسي المبكّر، ثم العصر الهندوسي اللاحق.

تستمد الهند قوامها الثقافية من أفكار النظم المختلفة وتحتضن في مدارها المعتقدات والعادات والشعائر والمؤسسات والفنون والديانات والفلسفات التي تنتمي إلى مختلف طبقات المجتمع الهندي في مراحل تطورها المختلفة، وتعرف بسعيها الدؤوب لإيجاد الوحدة بين عناصرها التكوينية المتنوعة.

أما بالنسبة إلى تعقيدات الحياة في الهند، فيعود أثر الإسلام في الثقافة الهندية إلى أن تاريخها يرجع إلى زمن قديم، ذلك لأن الهند كانت ولا تزال ملتقى حضارات متضاربة منذ فجر التاريخ. فقد تدفقت الجماعات النازحة والجيوش القاهرة المنتصرة عبر حدودها الشمالية الغربية في سلسلة متوالية غير متناهية تسببت في دمار كبير شأن الدمار الذي تسببه فيضانات نهر النيل في مصر، ولكن في الوقت نفسه جاءت برواسب أسهمت في إثراء التربة العريقة، فنشأت منها ثقافات أكثر نشاطاً وترفاً من أي وقت مضى. وقامت هذه الدوافع الخارجية بدور مهم في تاريخ الهند.

ويشير الكاتب إلى أنه يمكن تقسيم التاريخ الهندي إلى ثلاث حقب: الحقبة القديمة، وحقبة العصور الوسطى، والحقبة الحديثة. امتدت الحقبة الأولى من العصور القديمة حتى القرن الثامن الميلادي، وامتدت الحقبة الثانية على مدى ألف سنة بعد القرن الثامن، أما الحقبة الثالثة فبدأت بحلول القرن التاسع عشر وما زالت مستمرة إلى يومنا هذا.

بعد زوال إمبراطورية هرش، انتهى العهد الأخير من التاريخ القديم للهند. وبدأت الحقبة الجديدة التي يمكن أن نعتبرها بداية العصور الوسطى في تاريخ الهند. وكان هناك تغير كبير من العصر القديم إلى العصور الوسطى. ومن الناحية السياسية، وضع هذا العهد حداً للإمبريالية التي قامت على أساس اتحاد متراخٍ لإمارات تحظى بالاستقلال عملياً وتعترف بسيادة قوة سلطوية. وشهدت هذه الفترة بداية ظهور الخصوصيات الإقطاعية لقبائل راجبوت التي شنت حروباً متواصلة بعضها على البعض الآخر، ومهدت الطريق للفتوحات الإسلامية. وقد اختفت الديانة البوذية والجينية اختفاءً تاماً في الأراضي التي ولدت فيها ونشأت الطائفية الهندوسية في جميع أنحاء الهند وتطورت في مقابل القوة المتزايدة للإسلام والمسلمين.

ويمكن تقسيم هذه الحقبة إلى فترتين، تمتد كل واحدة منهما على خمسمئة سنة، الأولى من القرن الثامن إلى القرن الثالث عشر للميلاد، والثانية من القرن الثالث عشر إلى القرن الثامن عشر. ويمكن أن نعتبرهما العهد المبكر والعهد المتأخر، في سياق ترتيب العصور الوسطى. وفي الفترة الأولى بدأ الإسلام يتوغل في جنوب الهند سلمياً، وفي السند والجزء الشمالي الغربي قسرياً وبالقوة. وفي الفترة الثانية تحول الإسلام إلى قوة مهيمنة عملياً في شبه الجزيرة الهندية برمتها.

 


الثقافة الهندوسية

 

يتحدث الكاتب في الفصل الأول عن ديانة الهندوس، فيشير إلى أن الهندوس يتعاملون مع ديانتهم من وجهة نظر التحرر، ويعتمدون على ثلاثة طرق لأجل تحقيق ذلك وهي: طريق العمل (كارما)، وطريق المعرفة (جنانا)، وطريق التفاني (بهاكتي). وهذه الطرق الثلاث لا توجد بينها عداوة، وكانت الأهمية الدينية لطريق العمل أكثر أهمية من أي طريق آخر في الزمن القديم. أما أهمية طريق المعرفة وطريق التفاني، فقد ازدادت في وقت لاحق. وهذه الطرق الثلاث وجدت جنباً إلى جنب. وفي حين تضاءل نفوذ الطريقين الأولين ازداد طريق التفاني (بهاكتي) نفوذاً وتأثيراً.

أما الفيدا فهو الطريق الذي وضع الفيدا أساسه، وتم تطويره وتنظيمه في مناهج براهمانا وكالباسوترا وكارما ميمامسا، وذاع صيته بعد تأليف دهرم شاسترا (علوم الشريعة) ومهابهارتا وبورانا. فما هو الأساس الفلسفي لطريق العمل هذا؟

بصرف النظر عما يحويه الفكر الفيدي من طبقات تاريخية، فهو في شكله الناضج نظام فلسفي ديني شامل، ينطوي على عظيم واحد قائم بذاته كحقيقة ناصعة، ويتصور بأنه الأحد، الشخص الكوني، المطلق، وبراهمانا المتعالي والحاضر، والعليم، والحافظ للقانون، والضابط لنظام الفلك، وهو الأب، والرزاق والداعم للكون، ومحقق لرغبات الناس. وهو "واحد ورب كل ما هو ثابت وما هو متحرك، وهو يمشي، ويطير، وهذا خلقه المتعدد الأشكال".

هذا في الواقع أهم المفاهيم من وجهة نظر طريق العمل، فالكون هو مسرح إرادة الله، وكل شيء، حياً كان أم غير حي، واحد في القانون. إن طريق النعيم الأبدي هو طريق العمل، وهو يعني التضحية التي تؤدى بالإيمان المصحوب بالدعاء.

وهكذا كان ذلك أساساً تفكيرياً لطريقة العمل ولكنه في التطبيق العام يعني، تقريباً، تقديم القرابين للآلهة ومراعاة الطقوس المحلية العادية. لكن الآلهة تحولت في وقت لاحق إلى شخصيات أكثر دقة وتميّزاً. وكانت هذه الآلهة القديمة وأعدادها قد تغيرت قبيل دخول المسلمين الهند، فكان معظمها قد اختفى من المعابد الشعبية، بينما تضاءلت أهمية الآلهة الأخرى وظهرت آلهة جديدة إلى حيز الوجود، ونالت قبولاً واسعاً. وكانت المعابد الفيدية مأهولة بالآلهة التي عاشت في السماوات أو في الجو أو على الأرض.

وفي حكايات فاهين، الرحالة الصيني، نجد أنه عندما جاء إلى الهند لغرض السياحة في القرن الخامس، كانت البوذية (هينايانا) شائعة في الجزء الشمالي الغربي من البلاد، وذلك من كابول وخوتان إلى ماثورا. أما المنطقة الوسطى في البلاد، فكانت البوذية والهندوسية تذوبان فيها بسرعة.

 

 


دخول المسلمين الهند

 

 

يعود تاريخ العلاقات التجارية بين الهند والبلدان العربية في غرب آسيا وفلسطين، ومصر، إلى عصور قديمة جداً. فقد كان الملك سليمان يستورد الذهب من أوفير وكذلك كان يستورد الفضة والعاج والقرود والطواويس. وكان الفينيقيون يزاولون التجارة مع الهند. وأسس البطالمة موانئ على البحر الأحمر لتشجيع التجارة الهندية، وحذا السلوقيون حذوهم فشيدوا الموانئ في الخليج الفارسي.

بطبيعة الحال كان للعرب دور مهم في التجارة بين الشرق والغرب. وكانت هناك مراكز تجارية عدة في أراضيهم. فعلاوة على عدن، كانت هناك أيضاً بلدة شحر التي كانت مركزاً للتجارة، نظراً لموقعها الجغرافي المميز للتجار الذين كانوا يدخلون الخليج الفارسي أو يغادرونه.

ويبيّن المؤرخ تارا تشاند أن ظهور الإسلام وانتشاره في بداية القرن السابع الميلادي وتوحيد قبائل العرب تحت دولة مركزية أعطى زخماً كبيراً للحركة التوسعية التي كانت مستمرة منذ العهد الذي سبق الإسلام. فقامت جيوش المسلمين بغزو بلاد الشام وبلاد فارس بسرعة فائقة، وبدأت تحوم على مشارف الهند وضواحيها. وورث التجار المسلمون على الفور ميراث التجارة البحرية الفارسية، فبدأت الأساطيل البحرية العربية تعبر البحار الهندية، وكذلك تم استكشاف الطريق البري إلى أرض الهند، وجمعت معلومات كثيرة عنها أدت في نهاية المطاف إلى غزو السند في القرن الثامن الميلادي على يد محمد بن القاسم الثقفي.

يقول رولاندسن إن العرب المسلمين هم أول من استقروا على ساحل مالابار في نهاية القرن السابع، ويؤيده في ذلك فرنسيس دي، ويؤكده أستورك. ويقول مارك ويلكس: "في أوائل القرن الثامن الميلادي اضطر بعض الناس من بني هاشم، نتيجة استبداد الحجاج بن يوسف الثقفي حاكم العراق، الذي يمقته حتى المسلمون(يقصد السنّة) لقسوته، إلى مغادرة أوطانهم إلى الأبد. فنزل بعضهم في ذلك الجزء من الساحل الغربي للهند الذي يسمى كوكن، واستوطن البعض الآخر الجانب الشرقي من رأس كماري. فالذين اندحروا أصلاً من هاتين الجماعتين يدعون، على التوالي، النوائط ولابيز".

وفي القرن الثامن هاجمت الأساطيل العربية بهروتش والموانئ على ساحل كاتهياوار حيث استمرت تجارتهم وازدهرت مستوطناتهم. ومنذ عام 166 للهجرة تصاعد نفوذ المسلمين بسرعة فاستقروا في سواحل مالابار لمدة مائة سنة، ورحب بهم سكان المنطقة تجاراً. وقدموا لهم تسهيلات ليستقروا ويحصلوا على الأراضي ويمارسوا شعائرهم الدينية علناً. وما إن استقروا في تلك المنطقة حتى بدأوا بالدعوة ونشر الدين الإسلامي، فالإسلام أصلاً ديانة تبشيرية وكل مسلم داعٍ لدينه. وحظي معظمهم بتقدير السكان المحليين واحترامهم.

وما إن اكتمل القرن التاسع حتى كان المسلمون قد انتشروا في مناطق السواحل الغربية للهند، وأحدثوا حالة من الاضطراب بين جماهير الهندوس، بفعل معتقداتهم وعباداتهم الغريبة، وأيضاً بسبب الحماس الذي استمت به دعوتهم لدينهم.

ووفق ما يستطرد الكاتب فإن جنوب الهند كان في حالة هيجان واضطراب بسبب الصراع بين الديانات، إذ أن الهندوسية المتشددة كانت تكافح لكي تغلب الديانة البوذية والجينية.

ويضيف أنه "قبل نهاية الربع الأول من القرن التاسع، وكان آخر ملوك مالابار، وهو من أسرة شيرامان بيروميل حاكم كودونغالور، وقد اعتنق الدين الجديد. ووفقاً لما زعم الناس فإن دخوله في الإسلام كان نتيجة رؤيا رأى فيها انشقاق القمر. وكان أن التقى صدفة جماعة من المسلمين عائدين من سيلان، ففسّر له زعيم الجماعة تلك الرؤيا وأدخله في الإسلام وأسماه عبد الرحمن السامري. وكان لدخول الملك أثر عميق في نفوس الناس في مالابار. فمن المؤكد أن المسلمين كانوا قد اكتسبوا أهمية خلال ههذه الفترة، وكانوا يعرفون باسم موبلا. وفي ظل رعاية زامورين وتشجيعه للتجار العرب استقروا في أراضيه بأعداد كبيرة، وبفضل تجارتهم لم يزيدوا في ثروته وسلطته فحسب، وإنما دعموه أيضاً في حملاته التوسعية. فقد كان زامورين يقدر المسلمين بشكل كبير، حتى أنه شجع الناس على اعتناق الإسلام ليعملوا في سفن العرب التي كان يعتمد عليها لأجل رفاهيته وتنمية بلاده. ومن الملفت أنه قد أصدر قراراً بأن تتم تربية ولد أو ولدين في كل  أسرة من أسر الصيادين في دولته طبقاً لتربية أبناء المسلمين لأبنائهم".

 


المصلحون الهندوس في جنوب الهند

 

يتبين من تاريخ الديانة الهندوسية الذي تم استعراضه في هذا الكتاب أن هذه الديانة ما برحت تتطور منذ أقدم العصور إلى بداية القرن الثامن الميلادي، وذلك في شمال الهند بصفة خاصة، حيث نشأت جميع الحركات الدينية والفكرية الكبرى، وانتشرت منها إلى جنوب الهند. وظلت مناطق شمال الهند رائدة في مجال الثقافة طوال تلك الفترة حيث ألفت جميع الكتب المقدسة ونشأت البوذية واليانية والمدارس والطوائف الفلسفية الأخرى. ولكن تغير الوضع بعد القرن الثامن عشر حيث انتقلت الزعامة من شمال الهند إلى جنوبها. وكانت منطقة جنوب الهند منذ القرن الثامن وحتى القرن الخامس عشر مسرحاً للإصلاحات الدينية، ففيها قام القديسون من الطائفتين الفيشنوية والشيفاوية بإنشاء مدارس بهاكتي، وقام سنكارا، رامانوج، باسافا، ومادهافا بشرح أنظمتهم الفلسفية. ووصلت دوافع تلك الإصلاحات من الجنوب إلى الشمال عن طريق رامانند، تلميذ رامانوج.

أعطى تأسيس إمبراطورية غويتا، في القرن الخامس، وفق ما يلفت إليه الدكتور تارا تشاند، دفعاً قوياً للغزو الثقافي، فاجتاحت البلاد موجات جديدة من المبشرين بالهندوسية الناهضة، ونفخ المهاجرون البراهمة الذين استقروا في أراضي كيرالا روحاً جديدة في المعتقدات، وأعدوها لخوض صراع حاسم ضد الأنظمة الابتداعية.

يرى الكاتب أن أوجه التشابه بين الديانات الهندية التي طورها سانكارا وخلفاؤها في الجنوب، وبين المدارس الإسلامية الخاصة باللاهوت والتصوف جداً مذهلة. ويبدو لديه أن المذهبين الفكريين قد خضعا لتطور مستمر على خطوط مماثلة. فالعقل الهندي الذي يستوحي كتاب سروتي والعقل الاسلامي الذي يسترشد بالقرآن الكريم يؤيدان دين العمل، وفق ما يشير. ويضيف أنه قد مرّ كلاهما بمرحلة العقلانية، ووصلا إلى مرحلة الدين التعبّدي والعاطفي. وكان سبارا وكوماريل، وهما من أسلاف سانكارا من أسرة ميمانساكا التي حاولت إعادة تأسيس دين العمل والتضحية.

ويقول بعض علماء الاجتماع إن جميع الأديان ربما كانت توحيدية، في بداياتها، بحيث كان لكل قبيلة إله واحد تعبده. وعندما اجتمعت القبائل معاً، إما بسبب الحروب، وإما بسبب الكفاح من أجل وسائل المعيشة، جلبت معها آلهتها إلى مكان واحد.

وفي التبادل الثقافي بين المسلمين والهندوس، يبدو من الصعب إجراء تقييم دقيق لنصيب كل منهما، ويصح القول عند الكاتب بأن المسلمين تلقوا كثيراً من الأفكار من الهند، وقد تكون الهند قد تلقت من الإسلام انعكاسات إسهامها فيه، معتبراً أن الفكر المسيحي وفكر الأفلاطونية المحدثة، قد صبغا الإسلام بلونهما إلى حد كبير. ولذا، اكتشف بعض الكتاب آثار تلك المذاهب الهندوسية. ولكن الهندوسية استوعبت عناصر عدة من خلال اتصالها المباشر بالإسلام.

ويقول الكاتب: "كان المسلمون في عصر رامانوجا يقيمون في موانئ ساحل كارومندل، حيث كان الأولياء مثل ناثاد ولي يدعون الناس إلى الإسلام، ويدخلونهم في دينهم. وكان الملوك الهندوس مثل مون بانديا يمنحونهم الأراضي لبناء المساجد. لقد أقرت فلسفة رامانوجا إلهاً واحداً مع الصفات الحسنة، وغرست في الأذهان عبادته مع الإيمان والإخلاص. وكان رامانوجا راغباً في فتح أبواب الدين على الطبقات التي كانت تلك الأبواب موصدة في وجهها حتى ذلك الوقت".

ويقول كاتب هندوسي من العصر الحديث: "لا شيء في الحياة الهندوسية أكثر غرابة من المكانة التي يحتلها المعلم الروحي والإيمان الراسخ بأنه يتحكم في السراء والضراء"، فلم يكن تصور أشاريابهيمانا – يوغا (توفير المعلم) لدى أرثا بانيكا مذهب رامانوجا مستعاراً من المسيحية بل هو مأخوذ من الإسلام.

 


دخول المسلمين شمال الهند

قصر تاج محل في أكرا في الهند

 

لما سقطت إمبراطورية هرش، تفرقت المنطقة الشمالية في إمارات صغيرة. فخرجت عشائر راجبوت من مواطنها الأصلية في الغرب وبدأت تنتشر في الشمال والشرق حيث أنشأت معاقلها في مناطق سلسلة جبال الهيمالايا، وفي سهولها التي كان يسقيها النهران، الفانج واليمنا، وفي الأراضي الواسعة للمنطقة التي انقطعت عن سلسلاي فنديا وكيمور بين غوجرات وأوريسا. حتى أن الذين لم يكونوا يحملون الألقاب الخاصة براجبوت، وضعوا أساطير خيالية وأدعوا الانتماء إلى السلالات الراجبوتية ذات المكانة الرفيعة في المجتمع، فكانت قبائل الراجبوت تتحكم في شؤون الهند من البنجاب إلى الدكن (جنوب الهند)، ومن بحر العرب إلى البنغال، قبل ظهور المسلمين على المشهد التاريخي في الهند.

ويشير الكاتب إلى أنه حصلت خلافات بين عشائر راجبوت وأعمالهم الفنية الرائعة، حينما نزلت غزوات المسلمين عليهم نزول الصاعقة. غير أن تقدم المسلمين عبر مناطق بلوشستان إلى السند، في القرن الثامن، توقف قليلاً بسبب الجو غير الملائم في بلاد الهند، وصعوبة التواصل المستمر في بغداد، عاصمة الخلافة الاسلامية، ولاسيما عندما كان زعماء القبائل المتمردون يسدون الطرق بين العاصمة ومناطق الحدود النائية. ولم يتمكن المسلمون من استئناف هجماتهم إلا بعد مضي حوالي ثلاثة قرون، ففي هذه المرة انطلقوا من منطقة مختلفة، فقد استمر سبكتكين ومحمود الغزنوي في غزو البلاد سنوياً من جهة شمال الغرب.

ويتابع الكاتب تارا تشاند أن الملوك المسلمين طردوا الحكام الهندوس من إماراتهم المختلفة، واستولوا على دلهي، وقنوج، وجواليار، وأنهلوار، وديوكير، وجور، وبقيت المناطق البعيدة خارج سيطرتهم. ومع ذللك كان الحكام الجدد يتحكمون أيضاً بالأراضي القريبة المجاورة لمخيمات جيوشهم. فقد اضطر كل حكام السلالات التي تبوأت عرش دلهي، منذ عهد قطب الدين أيبك إلى عهد الإمبراطور المغولي الذي استمر زمناً طويلاً، إلى شن هجمات سنوية ضدهم لإبقائهم تحت السيطرة، أو لجمع الايرادات.

ولم يكن ذلك هو التحدي الوحيد الذي واجه السلطة المسلمة، بل إن الظروف فرضت عليها قيوداً أخرى، ومنها توظيف الهندوس في حكمهم، كأمر لا بد منه، فكان في جيش محمود الغزنوي عدد لا بأس به من الجنود الهندوس، أثناء معاركه في آسيا الوسطى، وعندما قرر قطب الدين أيبك البقاء في الهند، لم يكن لديه خيار آخر سوى الإبقاء على الموظفين الهندوس الذين كانوا يملكون خبرة تامة في الإدارة المدنية.

والجدير بالذكر أن المسلمين الذين جاؤوا إلى الهند جعلوها وطناً لهم وتعايشوا مع الهندوس، بما جعل من المستحيل أن يكون بينهم عداء دائم. وهذا الاختلاط أسفر عن جو من التفاهم المتبادل. ولم يختلف الذين غيّروا دينهم عن أقاربهم الذين بقوا على دينهم. وهكذا عندما انتهت الصدمة الأولى للغزو، ظهر استعداد لدى الهندوس والمسلمين لايجاد حل وسط للتفاهم والتعايش كجيران. فأدت الجهود التي بذلوها لتأمين حياة جديدة لهم، إلى تطوير ثقافة جديدة لم تكن هندوسية حصراً ولا مسلمة محضة، بل كانت في الواقع هي الثقافة المسلمة الهندوسية.

 

 


المصلحون في البنغال ومهاراشترا

 

 

يقول المؤرخ تارا تشاند إن المسلمين ظهروا في البنغال في القرن الثاني عشر الميلادي، ثم في مهاراشترا في وقت لاحق، بعد مائة سنة. وقد أثار وجودهم في كلتا المنطقتين اضطرابات اجتماعية وسياسية ودينية. وعندما وصل المسلمون إلى البنغال، كانت الديانة البوذية تخضع لتحول تام، وكانت الهندوسية البورانية أو خليط غريب للعديد من الطوائف، من البوذية، والشيفية، والتانتركية، تحل محل العقيدة القديمة. وكان إحياء الهندوسية في عهد ملوك بالا وسين وما جاء به من ظلم وتعذيب، وقد أدى إلى تفوق البراهمنة، والاختلافات الطبقية وعبادة التماثيل. ولذا عندما جاءت الفتوحات الإسلامية وضعت حداً للسيادة البرهمنية، وشجعت المذاهب القديمة التي تعرضت للقمع إلى حد ما، وحفزت حركة الإصلاح، وشجعت نمو الأدب البنغالي.

ويعترف دينيش تشاندرا سين في كتابه الضخم "في تاريخ اللغة البنغالية وآدابها" بفضل رعاية الحكام المسلمين لهذه اللغة، فهو يقول: "كانت هناك عوامل عدة وراء ارتقاء اللغة البنغالية إلى مستوى أدبي، ومن أهمها الفتح الإسلامي. فلو كان الملوك الهندوس قد استمروا في الاستقلال لما كان للبنغالية أن تحظى بفرصة الوصول إلى البلاط الملكي. فقام العلماء المسلمون بتوظيف العلماء لترجمة الملحمتين المعروفتين، رامايانا ومهابهاراتا، من اللغة السنسكريتية إلى اللغة البنغالية التي كانوا يتحدثون بها ويفهمونها".

ويشير الكاتب إلى أن نتائج اختلاط المسلمين بالسكان الهندوس بدأت تظهر في وقت مبكر في تاريخ الطوائف الهندوسية، في إقليم البنغال، فأصبح ممثلو الديانات القديمة ممتنين كثيراً للمسلمين، لدورهم في قمع الديانة البراهمانية، فقد نشبت معركة بين المسلمين والبراهمة في جايبور.

وقد أسفر هذا التفاعل بين الهندوس والمسلمين عن نشوء طوائف وممارسات توفيقية غريبة. فأصبح الهندوس يقدمون الحلويات عند أضرحة المسلمين، ويأخذون الفال بالقرآن الكريم، ويحتفظون بنسخ منه في بيوتهم لدرء البلايا، ويشاركون المسلمون أعيادهم ويحتلفون بها، وكذلك بادل المسلمون الهندوس بالمعاملة نفسها. وقد تطور هذا التقارب إلى عبادة إله مشترك، وشاعت شيوعاً كبيراً. وقد تداخلت الثقافة بينهما في فن العمارة والهندسة والرسم.