الأربعاء 25 نيسان 2018

أبحاث ودراسات

الكفر وضوابط التكفير

الكفر وضوابط التكفير

المشرف العام – خاص lampress

التاريخ ,

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه إلى يوم الدين، وبعد،،،

لقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة الإسلام وأوضح مفهومه، فمن جاء بأركان الإسلام وقام بها حق القيام فهو المسلم، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله فلا تحقروا الله في ذمته»، وفي رواية: فهو «المسلم له ما للمسلم وعليه ما على المسلم».

ومسألة التكفير من أهم المسائل في زماننا هذا والذي ظهر فيه صنفان من الناس؛ صنف وتحت عنوان تجديد الخطاب الإسلامي تساهل في مسألة التكفير وادعى بأن كل من يؤمن بوجود الإله؛ وبغض النظر عن صفاته ومسمياته وطبيعته، فهو مؤمن عندهم لا يجوز تكفيرهم ... بل واعتبر بعضهم حتى الملحدين مسألة فيها نظر... وصنف آخر وسع دائرة الكفر؛ فكفروا بكل ذنب، واستباحوا الدماء والأموال، وحكموا على المجتمعات بالكفر والانحراف عن الدين ... وكلا الصنفين ضال عن الصراط المستقيم وهدى رب العالمين.

والحق أحق أن يتبع وهو وسط بين الطرفين، فلا تساهل في مسألة التكفير؛ إذ الكفر يكون بالفعل والقول والاعتقاد، ولا تكفير بكل ذنب، ولا تكفير إلا بشروط وضوابط مع انتفاء الموانع، فكان لابد من الوقوف مع هذه المسألة الخطيرة، بشكل موجز نذكر فيه ضوابط وشروط ومنوانع التكفير.

فالكُفْرَ في اللغة نقيض الإِيمان، وهو الجحود والستر. والكافر؛ هو الجاحد لأنعم الله تعالى، المغطى على قلبه. فالكفر؛ ضد الإيمان لأنه تغطية الحق، ويقال كفروا أي عَصَوْا وامتنعوا. ويقال كفران النعمة أي جحودها وسترها. والكَفور: هو المبالغ في كفران النعمة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ﴾. كما يطلق التكفير في اللغة على الذل والخضوع.

وأما الكفر في الاصطلاح الشرعي؛ فهو حكم شرعي يطلق على ما يخالف الإيمان، سواء كان ذلك بستر أو تغطية الحق بالباطل، أو بعدم التصديق بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ووصل إلينا بطريق يقيني قطعي. فهو تغطية ما حقه الإظهار، وستر نعمة المنعم بترك أداء شكرها، وأعظم الكفر؛ جحود وحدانية الله أو شريعة الله أو نبوة أنبيائه.

وقد قسم العلماء الكفر إلى نوعين؛ كفر أكبر، وكفر أصغر.

والكفر الأكبر؛ وهو الموجب للخلود في النار، وهو على خمسة أقسام:

  1. كفر الإنكار: هو أن ينكر بقلبه ولسانه ما يذكر له من التوحيد.
  2. كفر الجحود: وهو أن يعرف بقلبه ولا يقر بلسانه، فهذا كفر جحود ككفر إبليس. وهو على قسمين: كفر مطلق عام، وكفر مقيد خاص. فالمطلق: أن يجحد جملة ما أنزله الله، وإرساله الرسول. والكفر الخاص المقيد: أن يجحد فرضاً من فروض الإسلام أو تحريم محرم من محرماته...
  3. كفر معاندة: وهو أن يعرف بقلبه ويقرّ بلسانه ويأبى أن يقبل الإيمان.
  4. كفر النفاق: وهو أن يقر بلسانه ويكفر بقلبه، ككفر المنافقين الذين كانوا يمكرون بالنبي صلى الله عليه وسلم في المدينة.
  5. كفر الشك: وهو ما لا يجزم بصدق ولا بكذب الرسول صلى الله عليه وسلم بل يشك في أمره، وهذا لا يستمر شكه إلا إذا ألزم نفسه الإعراض عن النظر في آيات صدق الرسول صلى الله عليه وسلم.

وأما الكفر الأصغر؛ فهو الموجب لاستحقاق الوعيد دون الخلود. والأمثلة عليه كثيرة منها قوله صلى الله عليه وسلم: «اثنتان في الناس هما بهم كفر؛ الطعن في النسب والنياحة على الميت»، وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض»، وقوله صلى الله عليه وسلم: «من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل الله على محمد»، فهذا موجب لاستحقاق الوعيد دون الخلود كما هو مذهب أهل السنة والجماعة.

ومن خلال ما سبق يتبيّن أن الكفر بجميع أنواعه التي ذكرت لا يخرج عن ثلاثة أصول:

الأصل الأول: المكفرات الاعتقادية: وهي اعتقاد ما يخالف أي معتقد من المعتقدات الإسلامية القطعيّة، كإنكار وجود الخالق سبحانه، أو صفات الكمال فيه، لقوله تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، فمن ينكر رحمته، أو حكمته، أو عدالته، أو لطفه، أو قدرته، فقد كفر. ومن قال بأن الله ثالث ثلاثة، أو نسب إليه ولداً أو زوجة أو أي صفة نقص فقد كفر. ومن أنكر نبوة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام جميعاً أو نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، أو القرآن ، أو أنكر وجود الملائكة أو الجنّة أو النار ... وغيرها من أصول الإيمان ومن الأمور الثابتة بدليل قطعي والمعلومة من الدين بالضرورة، فقد كفر.

والأصل الثاني: المكفرات القولية: وهي كل قول فيه اعتراف بمعتقد مكفر، أو فيه جحود لمعتقد من عقائد الإسلام المعلومة من الدين بالضرورة، أو فيه استهزاء أو سب أو شتم للدين أو لشيء في عقائده أو أحكامه.

الأصل الثالث: المكفرات العملية: وهي كل عمل يعتبر أمارة ظاهرة على عقيدة مكفرة، كتمزيق المصحف مع قرينة الإهانة، أو إلقائه في القاذورات، أو السجود لصنم، أو تعليق الصليب على الصدر، ... وغير ذلك.

وللتكفير بأصل من الأصول الكفرية السابقة، لا بد من توافر عدة شروط وضوابط:

أولاً: يشترط أن يثبت بأن هذا القول أو الفعل أو الترك كفرٌ بمقتضى دلالة الكتاب والسنة، فإذا لم يثبت أن هذا القول أو الفعل أو الترك كفرٌ فلا يحلّ أن يُحكم بأنه كفر، لأن ذلك من القول على الله بغير علم، وقد قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾.

ثانياً: يشترط ثبوت قيام هذا الكفر؛ من القول أو الفعل أو الترك، بالمكلف، فلا يحل أن يرمى إنسان بالكفر لمجرد الظنّ، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾.

ثالثاً: يشترط بلوغ الحجّة، قال سبحانه: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾، وقال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، وقال عز وجل: ﴿رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾. فليس لأحدٍ أن يكفر أحداً من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجّة وتبين له المحجّة، ومن ثبت إيمانه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة.

رابعاً: يشترط العلم؛ فلا بد أن يكون عالماً مدركاً بمخالفته التي وجب من خلالها أطلاق حكم الكفر عليه، قال سبحانه: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً﴾.

خامساً: يشترط انتفاء موانع التكفير في حقه، وهي الأمور التي تعرف بضوابط التكفير، وهي التالية:

  1. الإكراه؛ وهو أن يقع منه الكفر بغير إرادة منه. فمن يُكرَه على الكفر، فيفعله بداعي الإكراه لا اطمئناناً به، فلا يكفر، لقوله تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.

فقوله: ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ﴾ فهو استثناء ممن كفر بلسانه ووافق المشركين بلفظه مكرهاً لما ناله من ضرب وأذى، وقلبه يأبى ما يقول، وهو مطمئن بالإيمان بالله ورسوله، فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه: أن هذه الآية نزلت في عمَّار بن ياسر، حين عذبه المشركون حتى يكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، فوافقهم على ذلك مُكرَها وجاء معتذرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله هذه الآية.

وقد أجمع أهل العلم على أن من أُكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل أنه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان ولا تبين منه زوجته –أي ولا تطلق من- ولا يحكم عليه بحكم الكفر.

  1. الإغلاق على المرء من شدة الفرح أو الحزن: فقد يبلغ الفرح أو الحزن بالإنسان درجة لا يستطيع أن يميز فيها ما يقول فيصدر منه قول ظاهره الكفر، ويستدل العلماء على هذا بالحديث الصحيح الوارد عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته فبينا هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح».

فلم يؤاخذ بذلك بسبب الفرح الشديد الذي حصل له عند رؤية دابته، فلم يكفر وإن أتى بصريح الكفر لكونه لم يُرده. فاللفظ الذي يجري على لسان العبد خطأ من فرح شديد أو غيظ شديد ونحوه لا يؤاخذ به، ولهذا لم يكن هذا كافراً بقوله أنت عبدي وأنا ربك.

  1. العذر بالجهل: وهذا أصل مجمع عليه، فالجهل يعذر الإنسان به، فإذا صدر منه أمر كفري فلا يحكم بكفره ويعذر بجهله. إذ لا بد من شرح الصدر بالكفر وطمأنينة القلب به وسكون النفس إليه، فلا اعتبار بما يقع من طوارق عقائد الشرك لا سيما مع الجهل بمخالفتها لطريقة الإسلام، ولا اعتبار بصدور فعل كفري لم يرد به فاعله الخروج عن الإسلام إلى ملة الكفر، ولا اعتبار بلفظ تلفظ به المسلم يدل على الكفر وهو لا يعتقد معناه.

ويستدل العلماء على هذا الضابط بكثير من الأدلة، ومن أشهرها ما ورد في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كان رجل يسرف على نفسه فلما حضره الموت قال لبنيه إذ أنا مت فأحرقوني ثم اطحنوني ثم ذروني في الريح فوالله لئن قدر علي ربي ليعذبني عذابا ما عذبه أحد فلما مات فعل به ذلك فأمر الله الأرض فقال اجمعي ما فيك منه ففعلت فإذا هو قائم فقال ما حملك على ما صنعت؟ قال يا رب خشيتك فغفر له». وفي رواية: «مخافتك يا رب». فهذا الرجل ظنّ أن الله لا يقدر عليه إذا تفرق هذا التفرّق، وظن أنه لا يُعيده إذا صار كذلك، وكل واحد من هذه الظنون كإنكار قدرة الله تعالى وإنكار معاد الأبدان وان تفرقت كفرٌ، ولكنه كان مع إيمانه بالله وإيمانه بأمره وخشيته منه جاهلا بذلك وضالاً في هذا الظن مخطئاً فغفر الله له ذلك. والشاهد أنّه عُذِر بجهله وغفر الله عز وجل ذنبه.

ومن الأدلة كذلك ما جاء عن أبي واقد الليثي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى خيبر مر بشجرة للمشركين يقال لها ذات أنواط يعلقون عليها أسلحتهم، فقالوا: يا رسول الله إجعل لنا ذات أنوط كما لهم ذات أنواط، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «سبحان الله هذا كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون، والذي نفسي بيده لتركبن سنّة من كان قبلكم..». فهذا الطلب من الصحابة الكرام يعتبر كفر لكنهم لم يكفروا بطلبهم لأنهم حديثو عهد بكفر وهم يجهلون أن هذا ينافي التوحيد.

ومنها حديث عبد الله بن أبي أوفى قال: لما قدم معاذ من الشام سجد للنبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما هذا يا معاذ؟» قال أتيت الشام فوافقتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم، فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فلا تفعلوا، فإني لو كنت آمرا أحد أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها». ففي هذا الحديث دليل على أن من سجد جاهلاً لغير الله تعالى لم يكفر.

  1. العذر بالخطأ: الخطأ ضد الصواب، وهو من أراد شيئا واتفق منه غيره يقال أخطأ، فيعذر الإنسان إذا صدر منه بالخطأ أمر كفري، وقد روى ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه».

ومن الأدلة على هذا الضابط قصة الرجل من بني إسرائيل الذي أمر أهله عند موته بحرقه وطحنه، وقد سبق الحديث عنه في العذر بالجهل، فالمخطئ حكمه حكم الجاهل والمتأول فلا يحكم عليه بكفر إلا بعد قيام الحجة عليه، قال تعالى: ﴿ولَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾. والخطأ سواء كان بعد الاجتهاد في مسألة معينة، أو من قصد شيئاً فوقع غير ما قصده فهو معذور. ومن الأدلة قصة الرجل الذي قد أيس من راحلته فبينا هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح وقد سبق الحديث عنه.

  1. التأويل: والمراد بالتأْويل نقل ظاهر اللفظ عن وضعه الأَصلي إِلى ما يَحتاج إِلى دليل لولاه ما تُرِك ظاهرُ اللفظ. فإذا كان الرجل لم تبلغه النصوص لمعرفة الحق، أو لم تثبت عنده، أو عجز عن فهمها فهماً صحيحاً، أو عرضت له شبهة فقال متأولاً قولاً كفرياً، أو عمل عملاً يوجب الردة فإنّه يعذر ولا يكفر، إلا بعد قيام الحجة عليه وإظهار خطئه في هذا التأويل، وإعلامه بالحق فإن تمادى فإنه يكون جاحداً ومعانداً فيحكم بكفره. ومن أشهر ما يستدل به أهل العلم على الإعذار بالتأويل قصة حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه؛ عندما أرسل كتاباً إلى مشركي مكة يخبرهم بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا حاطب ما هذا» قال يا رسول الله: لا تعجل عليّ إني كنت أمرأً ملصقا في قريش ولم أكن من أنفسها وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون بها أهليهم وأموالهم فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدا يحمون بها قرابتي وما فعلت كفرا ولا ارتدادا ولا رضا بالكفر بعد الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد صدقكم»، قال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، قال: «إنه قد شهد بدرا وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم».

فالولاء والمودة لغير المسلمين كفر، وقد تحصل للرجل موادتهم لرحم أو حاجة فتكون ذنبا ينقص به إيمانه، ولا يكون به كافرا كما حصل من حاطب رضي الله عنه فقد كان مخطئاً، وصنع ذلك متأولاً ظاناً عدم حصول الضرر، وقد عذر بذلك وأنزل الله فيه قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾، وهو مذهب أهل السنة عدم التكفير بالتأويل، وقد نُقل عن الإمام احمد بن حنبل رحمه الله عدم تكفير الجهميّة ومن نصر مذهبهم من ولاة الأمور بأعيانهم وأنهم متأولون مخطئون...

إذاً فالتكفير حكم شرعي، يثبت بالشرع وليس بأقوال الرجال، والعقل قد يعلم به صواب القول وخطؤه وليس كل ما كان خطأ في العقل يكون كفرا في الشرع. فلهذا كان أهل العلم والسنّة لا يكفرون من خالفهم وإن كان ذلك المخالف يكفّرهم لأن الكفر حكم شرعي فليس للإنسان أن يعاقب بمثله، فالتكفير حق لله فلا يُكفّر إلا من كفّره الله ورسوله.

ولخطورة هذه المسألة فقد أمرنا الله عز وجل بالتثبت فيها قبل إصدار الأحكام على الناس قال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. وهذا الحكم عام فلا يجوز للمسلم رمي الناس بالكفر حتى يتبين من ذلك ويتثبت، فالحكم على المسلم بخروجه من دين الإسلام ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقدم عليه إلا ببرهان أوضح من شمس النهار.

وقد وردت نصوص تنهي عن التكفير وتبيّن عواقبه؛ ومنها ما رواه ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كفر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما»، وفي رواية: «أيما امرئ قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلا رجعت عليه». فالحديث سيق لزجر المسلم عن أن يقول ذلك لأخيه المسلم، وأن ذلك من كبائر الذنوب.

وعن أبي ذر رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يرمي رجل رجلا بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك»، وعن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من لعن مؤمنا فهو كقتله ومن قذف مؤمنا بكفر فهو كقتله»، وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من أصل الإيمان الكف عمن قال لا إله إلا الله ولا نكفره بذنب ولا نخرجه من الإسلام بعمل».

والأدلة المشتملة على الترهيب من تكفير المسلمين ووجوب صيانة أعراضهم كثيرة، يقول العلامة الشوكاني رحمه الله: "والأدلة الدالة على وجوب صيانة عرض المسلم واحترامه يدل بفحوى الخطاب على تجنب القدح في دينه بأي قادح فكيف إخراجه عن الملة الإسلامية إلى الملة الكفرية فإن هذه جناية لا تعدلها جناية وجرأة لا تماثلها جرأة وأين هذا المجترىء على تكفير أخيه من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه»، ومن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر»، ومن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام»، وكم يعد العاد من الأحاديث الصحيحة والآيات القرآنية والهداية بيد الله عز وجل".

ويجب التحرز من تكفير الشخص المعين إلا بعد قيام الحجة المعتبرة عليه؛ فالتكفير المطلق لا يستلزم منه تكفير المعين إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع. فهناك فرق بين الحكم المطلق، والحكم على الفاعل بعينه، فرق بين أن تقول: هذا العمل كفر أو هذا القول الفلاني كفر، وبين أن تقول فلان كافر فقد فعل أو قال كذا من أعمال الكفر. فالحكم المطلق هو بيان للحكم الشرعي، أما المعين فلا بد فيه من الشروط والموانع. والسلف الصالح كانوا يتحرزون من تكفير المعين إلا وفق الضوابط والقواعد التي جرى الكلام عنها سابقاً، فهذا الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله في فتنة خلق القرآن الكريم لم يكفر أحدً من الجهمية بعينه رغم أنهم امتحنوه وحبسوه وجلدوه وفتنوا المؤمنين والمؤمنات الذين لم يوافقوهم على التجهم بالضرب والحبس والقتل والعزل عن الولايات وقطع الأرزاق؛ بل دعا للخليفة وغيره ممن ضربه وحبسه واستغفر لهم وحللهم مما فعلوه به من الظلم والدعاء إلى القول الذي هو كفر ولو كانوا مرتدين عن الإسلام لم يجز الاستغفار لهم فإن الاستغفار للكفار لا يجوز بالكتاب والسنة والإجماع.

قال الإمام الغزالي رحمه الله: "والذي ينبغي الاحتراز عن التكفير ما وجد إليه سبيلا فإن استباحة دماء المصلين المقرين بالتوحيد خطأ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك دم لمسلم واحد".

فالتكفير لا يكون إلا ممن كان من أهل العلم عالماً بالموانع والشروط، فهو حكم شرعي الأصل فيه الرجوع إلى الكتاب والسنة فما دل على كفره الكتاب والسنة فهو كفر، وما دل على أنه ليس بكفر فليس بكفر، فلا يكفر إنسان حتى يقوم دليل الكتاب والسنة على كفره، وليس ذلك إلا لمن كان من أهل العلم العالم بشروط وموانع التكفير، فالأمر جد خطير، وبالله نستجير، وهو المعين، والحمد لله رب العالمين.