الثلاثاء 24 نيسان 2018

متفرقات

صراع السلطة والمثقف.. ابن المقفع نموذجاً

صراع السلطة والمثقف.. ابن المقفع نموذجاً

huffpostarabi

التاريخ ,

يعد اللجوء إلى عالم الحيوان، واستنطاقه، عبر أنْسنَتِه أحد أشكال الالتفاف على الرقابة، بغرض إيصال المثقف لخطابه، أو موقفه إلى متلقيه، من خلال التعامل مع أطراف حساسة في معادلة شديدة الخطورة، تفرض عليه الحنكة، كأولى أدوات المواجهة، ما دام أنه لا يطيق الصمت، ذلك أن المثقف أو الأديب أكثر من يستطيع تلمُّس الوجدان الاجتماعي مِن حوله بحكم حساسيته العالية، من أجل الذَّوْد عن القيم التي يؤمن بها، والدفاع عن إنسانية الإنسان عبر إبداعه، لا يمنعه من ذلك أية أسلاك شائكة، كي تصل الفكرة إلى متلقيها، متوارية خلف الرمز حيناً، ومجاهرة حيناً آخر، وبحسب ما يتطلبه الواقع.

وعبدالله بن المقفع شخصية جدلية وأدبية وتاريخية من الأدباء المخضرمين، مفكراً ومثقفاً وأديباً وحكيماً، مَارَسَ التلميح والتصريح في كتاباته، ذو ثقافة عميقة تجد لقصصه دلالاتٍ رمزيةً عميقةَ المعنى، وحِكماً ونصائح أخلاقية ناقدة لواقع الحياة الاجتماعية والسياسية، رافق الأزمات السياسية في زمن الدولتين الأموية والعباسية، وشهد سقوط الأولى وقيام الثانية، وعمل في الدولتين. وإذا كان قد استطاع أن يحتفظ بحياته زمن الدولة الأموية، فإنه لم يستطع ذلك زمن الدولة العباسية.

يعده كثير من النقاد أول رائد للأدب السياسي الاجتماعي العربي، لما اشتمل عليه أدبه من معالجات لمشكلات مجتمعه، وتفاعل مع ظروف الواقع الذي عايشه، وقوة الصلة الإيجابية بالحركة الإنسانية الاجتماعية المتفاعلة مع وجدان الكاتب وتفكيره، ويعد كتابه "كليلة ودمنة" من روائع التراث الإسلامي، ومن أشهر ما كتب في الحكمة الإنسانية التي صيغت بأسلوب قصصي ترجمه أيام الخليفة العباسي الثاني، أبي جعفر المنصور (136هـ 158هـ)، من اللغة البهلوية (الفارسية القديمة) إلى العربية، ومن هنا نلاحظ أن أهمية ابن المقفع لا ترجع إلى أنه كان كاتباً من كتاب الدواوين الحكومية، وإنما ترجع إلى أنه كان مترجماً عن البهلوية الفارسية وغيرها، فنقل إلى العربية خيرَ ما عرفته اللغة الفارسية، مما كان له أثر كبير في الآداب العربية.

هو روزبه بن داذويه ولد عام (734ـ106هـ) في قرية جور بفارس، وانتقل بعد ذلك إلى البصرة، وتعلَّم العربية، ودرس وتخرج على يد عبدالحميد الكاتب، أعلن إسلامه وسمَّى نفسه عبدالله، كان والده والياً على خراج العراق، فاتُّهم بالسرقة فضربه الحجاج على يديه حتى تقفَّعت، أي تشنَّجت وتيبَّست فسُمي المقفع.

اختلفت الروايات في أسباب قتله ونقمة الخلفاء عليه، وغالب الظن أنه ذهب ضحية آرائه الجريئة في الدين، التي بثَّها في كتبه، والتي دفعت الخليفة المنصور إلى أن يوعز لأمير البصرة سفيان المهلبي بقتله والتمثيل به، وحرق كتبه، ولم يتجاوز من العمر الخامسة والثلاثين عاماً.

وابن المقفع اجتماعي النزعة، إنساني المشاعر، مرح، حلو الدعابة، عذب الحديث، حسن المعشر، نموذج في الخلق المهذب، والأدب الرفيع، والتواضع الجم، إلى جانب الجرأة النادرة والاعتزاز بالرأي، والراجح أنه ذهب ضحية آرائه الإصلاحية، ودفع حياته ثمناً لالتزامه بقضايا مجتمعه، فقد عرف كيف يوجِّه أدبه وجهةً واقعيةً يلحظ فيها مشكلات الإنسان الأساسية، ويستدل مما جاء في كليلة ودمنة أنه كان محباً للعدل، كارهاً للظلم والبطش، جَاهَرَ بآرائه الإصلاحية الناقدة في مجالسه الخاصة، مما أثار السلطات الحاكمة عليه فعملت على التخلص منه ثم تقوم بإسكات الألسن بإطلاق تهمة الزندقة عليه.

كليلة ودمنة:

حكايات قصيرة ذات طابع إرشادي، صيغت على ألسن الإنسان والطيور والحيوانات ذات طابع إرشادي ومغزى سياسي، منقولة من الهندية إلى الفارسية، ثم العربية، نقلها ابن المقفع وتصرف فيها، وحورّها كثيراً حتى تلائم المناخ العقلي الإسلامي، فنجد الروح الإسلامية واضحةً بشدةٍ من خلال ذكر البعث والثواب والعقاب، ووحدانية الله تعالى، والنصائح الأخلاقية، والإرشادات الإسلامية الظاهرة.

الكتاب من الأدب الرمزي الذي لا تدرك مقاصده إلا إذا حللت رموزه، وفككت وأسقطت الأقنعة لينكشف ما وراءها، وتتجلى أولى الدلالات الرمزية مما أورده ابن المقفع في المقدمة، حيث ذكر أن ملك الهند دبشليم أمر الفيلسوف بيدبا أن يعكف لكتابة كتاب يكون ظاهره سياسة العامة مع الملوك، وباطنه أخلاق الملوك وسياستها مع الرعية.

مسؤولية المثقف:

أورد ابن المقفع في مقدمة كليلة ودمنة قصة الملك دبشليم مع الفيلسوف "بيدبا"، فقد كان دبشليم ملكاً على الهند، إلا أنه لم ينهج نهج آبائه وأجداده في العدل بين الرعية، فطغى وبغى وتجبّر وتكبّر، وعبث بالرعية واستصغر شأنهم، فلما رأى بيدبا الملك وما هو عليه من الحال جمع تلاميذه وقال لهم: اعلموا أني قد أطلت الفكر في الملك وما هو عليه من الخروج عن العدل ولزوم الشر ورداءة السيرة وسوء العشرة مع الرعية، ونحن ما نروض أنفسنا لمثل هذه الأمور إذا ظهرت من الملوك إلا لنردّهم إلى فعل الخير، ولزوم العدل، ومتى أغفلنا ذلك وأهملناه لزمنا من وقوع المكروه بنا وبلوغ المحذورات إلينا ألم الجهال، وليس الرأي عندي السفر من الوطن، ولا يسعنا في حكمتنا إبقاء الملك على ما هو عليه، ولا يمكننا مجاهدته إلا بألستنا، وإني قد عزمت على الدخول عليه ونصحه، وليكن ما يكون، فدخل بيدبا على الملك ونصحه وحذّره من عاقبة بغيه وتجبّره وطغيانه، فما كان من الملك إلا أن غضب وأمر بقتله، ثم تراجع وأمر بسجنه.

فسجنه وقام بملاحقة تلاميذه فتفرقوا، ومضت الأيام وبيدبا في سجنه صابراً محتسباً، حتى عرضت للملك مسألة من أمور الدولة، فذكر بيدبا، فأمر بإخراجه وعرض عليه المسألة، فحلها فعفا عنه، وعلم أنه قد أخطأ بحقه فولاه جميع أمور مملكته فرفض، فأصرَّ عليه فتولى بيدبا وجلس في مجلس العدل والإنصاف، يأخذ للدنيء من الشريف، ويساوي بين القوي والضعيف، ويرد المظالم، ويضع سنن العدل، ويكثر من العطاء والبذل. والدلالة هنا تبرز بضرورة اضطلاع العالم والمثقف بدوره في إصلاح الأوضاع ومناصحة الولاة ومراجعة الحكام، وإن كان في ذلك حبسه أو قتله، وألا يرفض هذا العالم والمثقف منصباً سيصلح به أمر الناس، وألا يتركه لغيره ممن لا يأمن فسادهم، ولا يرجى صلاحهم، بل عليه أن يقبل به.

في كتابه "نقد العقل العربي" يعرف الدكتور محمد عابد الجابري "كليلة ودمنة" بأنه كان "منذ عصر التدوين، الذي ترجم فيه، إلى عصر النهضة العربية الحديثة، الذي بلغ أوجه في منتصف القرن العشرين، المرجع الأول في تكوين العقل الأخلاقي العربي، ويقول: ليس هذا فحسب، بل كان هذا الكتاب، طوال هذه المدة، قيمة في ذاته، قيمة على مستوى أدب اللسان وقيمة على مستوى أدب النفس، وهو من هنا كان بالفعل أول كتاب مدرسي في الثقافة العربية الحديثة".

وإذ يقول الجابري هذا يشير إلى ما في فصول الكتاب من تناقض بين نصوص تركّز على "طاعة السلطان"، وأخرى تركز على "خطر صحبته وبميوله إلى الطغيان"، لافتاً إلى أن النصوص الداعية إلى الطاعة فارسية الأصل، والأخرى هندية الجذور...

ولابن المقفع كذلك "رسالة الصحابة"، وللرسالة قيمة كبرى في إصلاح نظام الحكم، وإن كانت ذات طابع واضح في النقد السياسي، حيث يدعو إلى أن التنظيم السياسي في أرجاء المجتمع الإسلامي، جدير بأن يوضع إلى جانب كتاب "السياسة" لأرسطو، و"العقد الاجتماعي" لجان جاك روسو.

تتجلّى النزعات الإنسانيّة في أفكار ابن المقفّع بمناداته بضرورة احترام الإنسان وتقديره، وتحقيق حريته، ونشر المساواة الاجتماعية بين جميع البشر، وإرساء قيم العدالة داخل المجتمع مهما تعددت معتقداته وأجناسه، وتفاوتت فئاته الاجتماعية، نادى باستقلاليّة القضاء وتوحيد القوانين، بسنِّ قانون متفق عليه يسير عليه كل القضاة، وفي مواجهة أمراض الجند وصراعات قادتهم، يقترح ابن المقفع إبعاد القادة والجند عن لين العيش، وعن ولاية الخراج والأمصار، لأن ولايتهما مفسدة للمقاتلين، وأن يعطوا رواتبهم ومكافآتهم في وقت معلوم حتى لا يضعفوا بالفقر والجوع، ويقعوا في شرك الخيانة، والتطلع للحصول على المال من أي طريق، وفي مواجهة أمراض الحياة العامة وعمال الخراج الذين يستولون على أرزاق وأراضي الناس بغير حق.

يقترح أن تحصى الأراضي وتكتب أسماء مالكيها في سجلات رسمية، ليعرف كل مالك ما له، وما عليه على أسس قانونية واضحة، ويرى أنه لا صلاح للشعب، إلا بصلاح الحاكم، وإن لم يتعرض لمناقشة قضية الحكم خوفاً من استبداد الخليفة المتسلح بالحكم المطلق، ولكن يبقى أنه أول مفكر في تاريخ الإسلام قدم رؤى سياسية واجتماعية واقتصادية لإصلاح المجتمع.

لقد ماثلت أفكاره السياسية والأدبية أفكار فلاسفة التنوير وزعماء الفكر والأدب الغربيين المحدثين فسبق عصره، وانبرى بعزيمة شديدة في إرساء أسس التغيير، واندفع اندفاعاً لا حدود له في البحث عن الحرية والعدالة الاجتماعيّة، ديدنه نقد الموجود وتغييره وتحقيق الانفتاح الحضاري، رام فصل السّلطات لتحقيق الحرّية ومقاومة الاستبداد...

في حضرة ابن المقفع تتعدد فضاءات المعرفة كما تتعدد الأسباب التي تدفعنا إلى أن ننهل من ذلك الفكر العذب، نقرأ لنستمتع ونعمل الفكر ونمارس التأويل في الوقت نفسه، نضع الحكايات والأمثال والحكم، ثم نتأمل في أكثر من وجه للمعنى الذي أراد ابن المقفع أن يلفت انتباهنا إليه...

لكن الزمن الذي عاش فيه ابن المقفع كان زمن قطع الرؤوس، وسلخ جلود الأحياء، وجعل الأجساد طعاماً لتنور لاهب، فالحرية السياسية مفقودة والخليفة يضيق ذرعاً بالنصيحة، ولم يكن هناك من يجرؤ على الإدلاء برأيه، فكيف لابن المقفع وهو من كبار الأدباء أن يقول كلمته؟ وما السبيل أمامه للإفصاح عما يراه حقاً وعدلاً، فعمد إلى التقيّة، ولجأ إلى التلميح بمقاصده، والتلويح بنقده واحتجاجه، وهنا يكمن دور الأديب الحقيقي والتزامه بقضايا مجتمعه.