الاثنين 24 أيلول 2018

أبحاث ودراسات

فضل العلم والعالم والمتعلم  بقلم سماحة المفتي الشيخ أحمد محي الدين نصار

فضل العلم والعالم والمتعلم بقلم سماحة المفتي الشيخ أحمد محي الدين نصار

بقلم سماحة المفتي الشيخ أحمد محي الدين نصار

التاريخ ,

العلم، أساس تقدم المجتمعات، وسر التطور في الحياة، وهو المقياس الذي به تتطور الشعوب، وتتقدم الأمم، وقد حضت آيات القرآن الكريم وسنة النبي الكريم على طلب العلم، ورفعت من شأنه، وجعلت العلماء في مرتبة عاليةٍ جداً، لأنهم ورثة الأنبياء. فقال الله تعالى: (‏قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون)، وقال تعالى: (‏يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات)، وقال تعالى: (‏إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ). وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "‏فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر".

ومجالات العلم كثيرة، وكلها لها الفضل الكبير، وخصوصاً إن اقترن العلم بالإيمان وبنيّة إعلاء درجات الإنسان عند الله سبحانه وتعالى، وكان أرقى مجالات العلم؛ علم الشريعة الذي يعرّف الإنسان بالحلال والحرام ويهذب سلوكه تجاه ربه وتجاه مخلوقاته وتجاه نفسه. فطريق العلم يقود إلى طريق الجنة، إذ بالعلم تزداد خشية العالم، ويصبح أكثر تفكراً وتدبراً ومعرفة بحقيقة وجود الإنسان وحق الله المنان، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "‏من يرد الله به خيراً يفقهه فى الدين".

وإذا كان العلم إرث الانبياء، فالعلماء هم ورثتهم، وطالب العلم، ساعٍ في ميراث الأنبياء، يجاهد في تحصيله، وامتلاك خير سلاح يمتلكه الفرد للصمود في وجه الأعداء، والنجاة من الخديعة، والحارس لصاحبه الذي يبقى معه حتى مماته، والصدقة الجارية التي لا تفنى، لذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم: "إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضى بما يطلب". أي تتواضع لطالب العلم وتشاركه مجالس العلم وتورثه السكينة والطمأنينة وتدعوا له بكل ما يعينه. وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة". وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيي به الإسلام، كان بينه وبين الأنبياء فى الجنة درجة واحدة". فيا ليت شعري، أي شىء أدرك من فاته العلم، وأي شىء فات من أدرك العلم.

وأما التعليم، فهو رسالة، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في فضله مخاطباً علياً رضى الله عنه: "لأن يهدى الله بك رجلاً واحداً خير من أن يكون لك حمر النعم". وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرَضِينَ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ". فبإتقان رسالة التعليم مرضاة لله تعالى يَعُمُّ النفع كل شىء؛ الإنسان والحيوان وحتى الحشرات في جحورها والأسماك في بحارها. والعلماء يعرّفون بالعلم ما يحل ويحرم من الأقوال والأفعال والمقاصد، ويوصون بالإحسان إلى كل شىء، والإحسان أن تعبد الله في كل سلوك كأنك تراه أو بيقينك أنه يراك، حتى أثناء الذبح لبهيمة الأنعام أو اصطياد الأسماك، ومن كان كذلك فقد ألهم الله تعالى الكل بالاستغفار للعلماء المعلّمين جزاءاً لحسن صنيعهم.

والناس أمام العلم أنواع، منهم صاحب علم وفهم وهدى، ومنهم صاحب علم من دون فقه ولكنه ناقل لهذا الخير، ومنهم غير ذلك، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل غيث أصاب أرضاً، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى، إنما هي قِيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من َفقُه فى دين الله ونفعه الله بما بعثنى به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذى أرسلت به".

فشبه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم العلماء الفقهاء أولي الفهم والهدى، كمثل الأرض التي قبلت الماء فأنبتت العشب والخير الكثير، لأنهم عَلِموا وفهموا، وفرّعوا وعلَّموا وجاهدوا في ايصال الخير للناس.‏ وأما من حاز علماً ولم يوفق إلى الفقه والفهم وإنما كان من الناقلين للعلم فقط، فشبههم كمثل الأرض الجدباء الصلبة التي حفظت الماء دون أي انبات للعشب والخيرات، وأما الذين سمعوا ولم يتعلموا ولم يحفظوا، فهم كالأرض الملساء التي لاتمسك ماء ولا تنبت كلأً وهم عوام الناس.

ولولا العلماء أصحاب الفقه والفهم والخلُق والعاملين بعلمهم والمعلّمين لغيرهم لصار عموم الناس مثل البهائم، وهو الأمر الذي أمسينا نرى أمثالهم في كثير من نواحي المجتمعات؛ فمنهم من يسير من غير هدى ولا مقصد إيماني، ومنهم يمارسون الرذيلة ويدعون إليها على أنها حق وحريّة، ومنهم من يغصب الحقوق والأموال ويستعبد العباد ويدمر آمالهم، ومنهم من يمارس القتل والاعتداء والهدم وسفك الدماء ...، وكلٌ منهم يشابه البهائم في صفة من الصفات التي تختلف عن حقيقة الإنسان وحقيقة وجوده.

وياليت لو نتخذ اليوم ما اتخذه أسلافنا الذين حازوا المجد في العلم والحضارة والعدالة مما أُثر عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "تعلموا العلم، فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة، وهو الأنيس فى الوحدة، والصاحب فى الخلوة".