الثلاثاء 24 نيسان 2018

أبحاث ودراسات

الدم والمال ضريبة الحق والشرف  بقلم سماحة المفتي الشيخ أحمد محي الدين نصار

الدم والمال ضريبة الحق والشرف بقلم سماحة المفتي الشيخ أحمد محي الدين نصار

بقلم سماحة المفتي الشيخ أحمد محي الدين نصار

التاريخ ,

إنّ الرجل الذي يعيش لنفسه فقط، ويكرس حياته لإشباع شهواته وقضاء حاجاته فإذا فرغ منها لم يهتم لشيء ولم يبال بعدها بمفقود أو موجود!، ودون أن ينتفع به وطن، أو تعتز به عقيدة أو ينتصر به دين، مثل هذا المخلوق لا قيمة له ولا يساوي في ميزان الإسلام شيئاً، ولا يستحق في الدنيا نصراً ولا في الآخرة أجراً.

لا قيمة للإنسان إلا إذا آمن بربه ودينه. ولا قيمة لهذا الإيمان الا إذا أرخص الإنسان في سبيله النفس والمال. وقد بين لنا القرآن الكريم أن الرجل قد يحب أن يعيش آمناً في سربه، وادعاً بين ذويه وأهله، سعيداً في تجارته، أو مطمئناً في وظيفته، مستقراً في بيته ومستريحاً بين أولاده وزوجته. بيد أنه إذا دعا الداعي إلى نصرة الحق ومقاومة الظالم والمعتدي وقرعت الآذان صيحات الجهاد فيجب أن ينسى الإنسان هذا كله، وأن يذهل عنه فلا يفكر إلا في نصرة ربه وحماية دينه وإنقاذ آله ووطنه... وإلا فإن الإسلام منه بريء: (قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ).

ما ساد المسلمون العالم إلا يوم أن قهروا نوازع الخوف، وقتلوا بواعث القعود، وعرفتهم ميادين الموت أبطالا يَردون الغمرات ويركبون الصعاب. وما طمع الطامعون فيهم إلا يوم أن أخلدوا إلى الأرض، وأحبوا معيشة السلم، ووثقوا بأعدائهم، وكرهوا أن يدفعوا ضرائب الدم والمال. وهي ضرائب لا بد منها لحماية الحق وصيانة الشرف، ولا بد منها لمنع الحرب وتأييد السلام، إن كرهنا الحرب وأحببنا السلام، السلام الذي لا يكون إلا بعد إعادة الحق لأهله وضمان عدم الإعتداء، وإلا فهو استسلام وليس بسلام.

إنّ الأمة التي تستثقل أعباء المقاومة والكفاح، وتتضايق من مطالب الجهاد، وترنوا إلى الاستسلام إنّما تحفر لنفسها قبرها وتكتب على بنيها ذلاً لا ينتهي آخر الدهر!. ومن المؤسف أنّ كثيراً من المسلمين اليوم يحبّون أن يعيشوا معيشة الراحة والهدوء والاستكانة برغم ما يهدد بلادهم من أخطار، وما يكتنف مستقبلهم من ظلمات، وحسبهم من الدنيا أن يبحثوا عن الطعام والكسوة، وآخرون مقصدهم الهجرة إلى أي من دول الغرب، وبعضهم الآخر ركب موجة مشاريع ما يسمى بالمجتمع الدولي التي تستهدف هوية المسلمين ومبادئهم ووجودهم، فشاركوهم بشعاراتهم الزائفة التي تنادي بحب الحياة وحرية الاستمتاع بها على طريقة المتفلتين من حدود الدين والخلق والحشمة، وناصبوا العداء لكل من يواجه الشر والاعتداء، ويجاهد في تحصيل الأمن والأمان والكرامة والاستقلال!. وتلك لعمري أحقر حياة وأذلها، وما يليق ذلك بأمّة كريمة على نفسها، أمة كريمة على الله أورثها كتابه وكلّفها أن تعمل به وأن تدعو الناس إليه!

فأي حياة ترجوها الشعوب الخوارة والكسولة والمتخلية عن رسالتها إلى جانب عدو يعزز هويته ويعلن مقاصده ويعمل ليل نهار على تحقيقها ويمارس كافة أشكال الاعتداء علينا وقتل أبنائنا وهدم بيوتنا وسلب أموالنا...؟ وأي نصر يطلبه أهل الحق إذا أغلوا حياتهم على حين يرخص أهل الباطل أنفسهم في سبيل ما يطلبون؟ وكيف نبخل على الله بضريبة الدم والمال؟، فما طمعنا في نصرته أو أملنا في جنته، وهو القائل: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ).

إن الاسلام دين فداء ودين استشهاد، ودين حرية وكرامة، ودين علم وتنمية وسعادة. عرفه كذلك أسلافنا الأمجاد فأحرقوا أعصابهم وعظامهم في سبيل الله وحسن خلافته في الأرض، لا يبالون بالموت! كيف وهو الذي يطلبون، وفيه يرغبون؟ فكان هذا الشعور الغامر هو الدعامة المكينة التي بنوا عليها تاريخهم، وسجلوا فيه صحائف خلودهم، فعاش من عاش سعيداً، ومات من مات شهيداً.

أما الرجل الذي ينصرف إلى الدنيا ويترك دينه ينهزم في كل ميدان، وأوطانه تسقط في يد الاحتلال، ودم إخوانه يُسفك في كل مكان، وثروات أرضه تسلب من أهل الآثام، فلن ينال خير الدنيا ولن يذوق حلاوة الإيمان، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لن يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من نفسه وولده ووالده والناس اجمعين".