الأحد 23 أيلول 2018

مقالات

برنامج حزب الله: رؤية نحو إعادة بناء الدولة

برنامج حزب الله: رؤية نحو إعادة بناء الدولة

قاسم عزالدين

التاريخ ,

البرنامج الذي عرضه الأمين العام لحزب الله بمناسبة الحملة الانتخابية، يتجاوز المألوف من البرامج الانتخابية في بعض البلدان الأوروبية حيث لا يزال هيكل الدولة قائماً على الرغم من تراجع دورها بخضوع صلاحياتها إلى مراكز ومؤسسات النفوذ المالية والتجارية. وهو يفترق من موقع النقيض عن برامج الدعاية الانتخابية للمرشحين الذين يسهبون في تعداد المطالب والوعود العرقوبية في سوق الأحلام الوردية، كما يعجّ الموسم في لبنان.

القوى والجمعيات التي يحلو لها الانتماء إلى الاصلاح وتيارات المجتمع المدني، ترى نفسها بديلاً مناوئاً للطبقة السياسية في عرض ما يلهج به معظم الناس رفضاً لتفشّي الفساد والصفقات والفقر وأزمات الكهرباء والنفايات وغيرها. لكن معظم هذه القوى والجمعيات تعوم على ضفاف الموسم الانتخابي أرحب ما عندها هو فضائل أشخاصها من دون برنامج أو حتى من دون التعب في السعي لإعادة اعتبار معقول للسياسة  التي بات يمقتها معظم الناس بمعاني الألاعيب وتسويق المصلحة الشخصية الضيقة.

حزب الله الذي تناول في برنامجه موضوع مكافحة الهدر والفساد وأخذه البعض بمثابة ترويج انتخابي مع المروّجين، لم تكن مقاربته الأهم في البرنامج مطالب ووعوداً شعبية بعينها. إنما هي مقاربة رؤية ليست آنية ولا انتخابية بل تفتح أبواب ورشات العمل بعد الانتخابات نحو أسس إعادة بناء الدولة من قاعدة الهرم الاجتماعي إلى أخمص رأسه.

لم يتبنَّ حزب الله مقولات الإصلاح المدرجة في الخطاب السياسي ردحاً طويلاً من الزمن، بشأن إلغاء المحاصصة الطائفية وتغيير النظام السياسي وما شابه. فهو قد تعرّض للتحريض الطائفي والانقسام المذهبي على شفا الحرب الأهلية بتهمة المساس بالمقدسات لمجرد دعوته لجمعية تأسيسية وإصلاحات دستورية. ولم يقف عند الحائط المسدود بل وجد بداية منفذاً آخر لرؤية الإصلاح في المسألة الاجتماعية لإصلاح دور الدولة وصلاحياتها وليس إصلاح شكل الحكم فقط وتقاسم السلطة.

منظور برنامج الحزب يأخذ بقراءة لدور الدولة يعزّ البحث أو حتى الحوار فيه بعد أن أطاحت الموجة النيوليبرالية بالأسس البديهية لدور الدولة في عقر الدول الديمقراطية. فالآفات التي تحطّم دور الدولة هي في سياق خارجي ومحلي في الآن عينه، من دون فصل اعتباطي كما تعمد دوائر المصالح الدولية التي تصب كافة جهودها على الجانب المحلي في فساد السلطة لتعزيز الفساد الخارجي الأكبر. وهو ما يحطّم دول العالم الثالث بل يقضّ مضاجع كافة الدول العريقة في أوروبا بالفساد وعدم الاستقرار الاجتماعي وبانفجار العنف والفاشية، على الرغم من توالي إصلاحات السلطة.

والحال أن برنامج الحزب يدرج في إطار عدم الفصل الاعتباطي "الإنماء ومحاربة الفساد". فهو لا يستخدم عبارة التنمية التي تعني في واقعها وحقيقتها استفحال التبعية الاقتصادية والسياسية، وتعني أيضاً استفحال فساد الطبقة السياسية المحلية نتيجة الرشوة في تسهيل الخوصصة والتوقيع على اتفاقيات التجارة الحرة وفتح الأسواق وغيرها.

في هذا الصدد يجذّف حزب الله عكس الأسس المؤسسة للهدر وفساد الطبقة السياسية المحلية، وهي الديون والقروض أيقونة البنك الدولي وما يسمى "المؤسسات المانحة" والهيئات الدولية وغيرها. فالبرنامج ينحو إلى قراءة أخرى تضع الحقوق الإنسانية الأولية في أواليات دور الدولة فيما باتت تسمه دوائر النفوذ الدولية بالتخلف وهو دولة الرعاية للصحة والتعليم ورعاية قطاعات الانتاج الزراعي والصناعي من خلال الدعم والحماية، نقيضاً لوصايا مؤسسات السوق الدولية وشركات الغزو الاقتصادي.

على الضفة المقابلة لبرنامج حزب الله نحو إعادة بناء الدولة، أطروحات تجري كالنار في الهشيم من كل حدبٍ وصوب بشأن الانفتاح على مؤسسات الديون  "للتنمية" وتشجيع الاستثمار وأوهام خلق فرص عمل تحت وصاية المجتمع الدولي ومؤسسات التجارة الحرة. وهي تجري بدعوى دور الدولة ووعود السلام والازدهار والاستقرار. وفي كل بلد من بلدان العالم الثالث التي انصاعت لهذه الوصايا، موسوعة للدلالة على التفتيت الاجتماعي والسياسي وعلى انهيار الدولة.

حزب الله ينتقل في هذه الرؤية من الركون إلى سلاح واحد في مواجهة العدو والدفاع عن أرضه وشعبه، إلى سلاحين حربي واجتماعي يكمل أحدهما الآخر في "الحماية والبناء". فالحزب يتعهّد بإنشاء إطار خاص لإعادة بناء الدولي كالإطار الخاص بالمقاومة. وقد تعهّد السيد نصرالله بالإشراف شخصياً على هذا الإطار لأهميته في معركة البناء. وهو إطار ورشات عمل منتجة للرؤى والأفكار بعد الانتخابات، قد تكون طارئة صعبة على تقاليد خطابات المنابر، وعلى طقوس استهلاك الرؤى وأفكار المؤسسات الدولية، وعلى عادات الندب والنق تعبيرأ عن الوجود المميّز.

البرنامج يدعو إلى وزارة تخطيط فاعلة "تستفيد من مراكز الدراسات وتقدّم رؤى واضحة للدولة اللبنانية". فمن لا يحب الصعود والارتقاء إلى الأعلى يعش أبد الدهر بين الحفر.