الاثنين 24 أيلول 2018

أبحاث ودراسات

النفس الإنسانية وكيفية تغييرها : بقلم المفتي الشيخ أحمد نصار

النفس الإنسانية وكيفية تغييرها : بقلم المفتي الشيخ أحمد نصار

بقلم سماحة المفتي الشيخ أحمد محي الدين نصار

التاريخ ,

الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين. وبعـد:

إن الدين الإسلامي الذي ارتضاه الله سبحانه وتعالى للبشرية جمعاء كما في قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً)، دين عظيم له الأثر الواضح في تغيير النفوس نحو الأفضل والأصلح بالنسبة لمعتنقيه، قال تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيراً)، فالمتتبع لمن أسلم وحسن إسلامهم في مختلف الأزمان يلاحظ كيف انقلبت حال هؤلاء الأشخاص من حال إلى حال، وكيف نبذوا ما حملوه من أفكار وقيم بمجرد الدخول في هذا الدين؛ فور تسلل شعاع النور إلى قلوبهم.

قد يحاول الكثير منا تغيير بعض طبائعه إلى الأفضل، أو تغيير بعض عاداته إلى الأحسن، ولكن تواجهه العديد من العقبات والمشكلات التي تجعله يقف مكتوف الأيدي عن تحقيق أهدافه وآماله وأحلامه، مما يؤدي إلـى الحط من قدرته، وتحطيم ثقته بنفسه، والنتيجة في النهاية: عدم المواصلة في تغـيير النفس، أي: الفشل.

لقد عدت مسألة النفس من المسائل المعقدة على مر العصور، واستأثرت بقدر كبير من جهود الإنسانية للتعرف على ماهيتها وطبيعتها وعلاقتها بالسلوك الإنساني، فهي المكون الأول للشخصية الإنسانية. ولقد أسهم العديد من العلماء المسلمين، ببيانها وإظهار معانيها، فهي عندهم جوهر قائم بنفسه متعلقة بالجسم، تعلق التدبير، والتصريف، فلو وجدت ولا تعلق لها بالجسم لم تكن نفساً بل كانت عقلا، إذ أن وجود النفس مستلزم لوجود الجسم.

إن حدوث التباين، والاختلاف في النفس الإنسانية، نابع من التغيير، لما في داخلها، فقد قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ)، هذا التغيير حاصل في حال القوم يجري وينفذ من خلال حركة هؤلاء القوم بأنفسهم، وتغيير اتجاهها، وسلوكها، تغير شعوري وعلمي، فإذا غير القوم ما بأنفسهم إتجاهاً وعملاً، غير الله حالهم وفق ما غيروا هم أنفسهم.

لقد أوضحت الآية أن التغيير في النفس أمر واقع للناس، فأعمال الجوارح ناشئة من نبع نفس تحركها؛ فحين تصلح النفس تصبح الجوارح مستقيمة، وحين تفسد النفس تصير الجوارح غير مستقيمة. فمن هنا حدث التباين والاختلاف، ولكن ليس الاختلاف في الفطرة والتكوين، وإنما الاختلاف في الاختيار، والقدرة على التغيير، ولذلك تعددت الأنفس إلى ثلاثة أنواع؛ النفس الأمارة بالسوء، والنفس اللوّامة، والنفس المطمئنة.

والنفس الأمارة بالسوء: هي نفس مذمومة، لا يتخلص صاحبها من شرها، إلا بتوفيق الله، فالشيطان قرينها تأمر بكل سوء لميلها إلى الشهوات، وتأثيرها بالطبع، وصعوبة قهرها، وكفها عن ذلك، كما في قوله تعالى: (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ).

ويعد هذا النوع من النفوس البشرية؛ نفوس مهلكة، لأنها لا تأمر بخير. وإن أغلب مشكلات الإنسان، ما هي إلاّ نتاج هذه النفس الأمارة بالسوء. وقد وجهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الاستعاذة من شرها كما في خطبة الحاجة حيث قال: (ونعوذ بالله من شرور أنفسنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، ....). وسأل أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه النبيَّ صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله مرني بشيء أقوله إذا أصبحت وإذا أمسيت، فقال: (قل: اللهم عالم الغيب والشهادة فاطر السموات والأرض رب كل شيء ومليكه، اشهد أن لا أله إلا أنت أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان، وشركه، وأن اقترف على نفسي سوءاً أو أجره إلى مسلم).

وأما النفس اللوامة: فهي نفس المؤمن التي تُكثر من لوم صاحبها على التقصير في التقوى، والطاعة، وهذا اللوم يعبّر عنه بالمحاسبة والندم على ما فات، ويكون لومها بتفكيرها وحديثها النفسي. فقال عنها الحسن البصري: "إن المؤمن والله ما تراه إلا يلوم نفسه: ما أردتُ بكلمتي؟ ما أردتُ بأكلتي؟ ما أردت بحديث نفسي؟، وإن الفاجر يمضي قدماً ما يعاتب نفسه". وعن عكرمة أنه قال فيها: "تلوم على الخير والشر: لو فعلت كذا وكذا".

فهذه النفس اللوامة هي؛ المتيقظة، التقيّة، الخائفة، المتوجسة، تحاسب نفسها، وتتلفت حولها، وتتبين حقيقة هواها، وتحذر خداع ذاتها، هي النفس الكريمة على الله حتى ليذكرها مع القيامة، وهي الصورة المقابلة للنفس الفاجرة.

وأما النفس المطمئنة: فهي نفس عرفت ربها حق معرفة، واستقر بها الحال إلى اليقين، وحررت نفسها وتخلصت من كل شهوات الدنيا وعاشت مرتبطة ببارئها، فاطمأنت بذلك راضية مرضية، وهي نفس الشخص المؤمن، ويقال لها عند الموت: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبَادِي، وَادْخُلِي جَنَّتِي). فهي المطمئنة إلى ربها، والمطمئنة إلى طريقها، والمطمئنة إلى قدر الله بها، والمطمئنة في السراء والضراء، وفي البسط والقبض، وفي المنع والعطاء، وهي المطمئنة فلا ترتاب، والمطمئنة فلا تنحرف، والمطمئنة فلا تتلجج في الطريق، والمطمئنة فلا ترتاع يوم الهول الرعيب، والمطمئنة بإيمانها وتترفع عن اللغو، وتزخر بالسماحة، والود، وترسم الطريق الواضح لمن يريد أن يتأدب بأدب الله.

إن الله سبحانه وتعالى امتحن المسلم بهاتين النفسين؛ الأمارة واللوامة، وأكرمه بالنفس المطمئنة، وهي نفس واحدة تكون أمارة، ثم لوّامة، ثم مطمئنة، وهي غاية كمالها وصلاحها. فالله جلّ جلاله، خلق الإنسان، ويعلم ما توسوس به نفسه، وبالتالي يجب وضع دليل لكل شخص مسلم، به ينظم نفسه، ويجعل منها نفساً سعيدة؛ مطمئنة في الدنيا، وراضية مرضيّة في الآخرة، وذلك بالتزامه بالعقيدة السليمة، والعبادة الصحيحة، والخلق القويم، واتطلّع إلى الكمالات، وإقبالها على الأعمال الصالحات، ليصل بها المسلم الى درجة العبد الراضي من ربه؛ والمرضي لربه.

والنفس الإنسانية نفس كرّمها الله تعالى، وفضلها وأراد لها الخير والصواب، في الدنيا والآخرة، لكن هذه النفس لها مسارب وهواجس، تميل بها مع الهوى، وأنى لها أن تشبع فأطماعها لا تقف عند حد معين، وصدق الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: (لو كان لأبن آدم واديان من مال لابتغى ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب). فالتركيب الفطري للإنسان جعل النفس البشرية فيها جانب الميل إلى الشهوات، وفيها جانب الاستعداد للتسامي وضبط النفس، والتطلع إلى الرقي وارتباط القلب بالملأ الأعلى. ومن هنا يمكننا أن نعرف أن للنفس الإنسانية، من البواعث الفطرية الخفيّة التي يبدأ من عندها الانحراف، وميزة هذه البواعث أن لها دوافع طبيعية، وفطرية التي لا يشير الإسلام إلى كبتها، أو قتلها، ولكن إلى ضبطها، وتنظيمها والتخفيف من حدّتها، واندفاعها على أن يكون شخص الإنسان هو المتصرف فيها.

إن طبيعة تكوين الإنسان هي من طين الأرض، ومن نفخة الله فيه من روحه يمتلك بها الإنسان استعدادات متساوية للهدى والضلال، وللخير والشر، فله القدرة على تمييز الخير، والشر، وله القدرة كذلك على توجيه نفسه إلى الخير، أو إلى الشر. أما أن يكون بسبب الإلهام الكائن في كيانه والذي تعبر عنه الآية الكريمة: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا)، أو بسبب الهداية كما في قوله تعالى: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ).

إن فطرة النفس البشرية، وطبيعة الدين الإسلامي كلاهما من صنع الله، وكلاهما ثابت، كما في قوله تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)، فلو انحرفت النفوس عن الفطرة لم يردها إليها إلا الدين المتناسق مع الفطرة. فهناك ثغرات في النفس البشرية ينفذ منها عدو الله، وعدو الناس، عند الابتعاد عن هدي الله، أو عند تعرّضها للحظات الضعف البشري، مهما بلغت في كمالها وقوتها التي لا يعصم من هذه اللحظات إلا الله، فيقوده هذا العدو إلى الجاهليـة والظلم والانحراف.

ولعل قصة الصحابي حاطب بن أبي بلتعة تشكل نموذجا يكشف عن منحنيات النفس البشرية وما تتعرّض له؛ فحاطب بن أبي بلتعة من المسلمين المهاجرين وهو من القلة التي عهد إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بسر الحملة لفتح مكة، فأدركته لحظة الضعف البشري، فكتب كتاباً إلى قريش، يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من السير إليهم، وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء بما صنع حاطب، فلما أتوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عمر رضي الله عنه: "يا رسول الله: قد خان الله، ورسوله، والمؤمنين، دعني فأضرب عنقه"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يا حاطب ما حملك على ما صنعت؟). قال: "يا رسول الله: ما لي أن لا أكون مؤمناً بالله ورسوله؟ ولكني أردت أن يكون لي عند القوم يد؛ يدفع بها عن أهلي، ومالي، وليس من أصحابك أحد؛ إلا له هنالك من قومه من يدفع الله به عن أهله، وماله"، فقال صلى الله عليه وسلم: (صدق ولا تقولوا له إلا خيراً)، فعاد عمر في قوله: "يا رسول الله: قد خان الله، ورسوله، والمؤمنين، دعني فلأضرب عنقه"، فقال صلى الله عليه وسلم: (أو ليس من أهل بدر؟ وما يدريك لعل الله اطلع عليهم، فقال اعملوا ما شئتم فقد أوجبت لكم الجنة).

وهكذا كانت الأحداث تقع في محيط الجماعة المسلمة الأولى، والتي كانت مادة من مواد إعداد هذه الجماعة، ولولا هذه الأحداث لما تمت عملية بناء هذه النفوس المختارة، والتكوين النفسي لهذه الجماعة، والوصول إلى الهدف السامي في تحقيق ذلك المنهج الإلهي في الأرض.

إن القرآن الكريم استهدف النفس الإنسانية وأولاها جل عنايته، فهو يريدها هاديا لها، وموجها يبتغي إصلاحها وحفظها من السوء، ورعايتها مما يحدث بها من المخاطر، يرغبها في الخير بالثواب، ويثنيها عن الشر بالعقاب، فهي بذلك بما فيها من خير أو شر قابلة للصعود والرقي والتطهر والتزكي بلا حدود، فالله سبحانه وتعالى يعلم أن النفس تضعف، وأن الاندفاع يهبط، وأن الجهد يكل، وأن حب السلامة قد يهبط بالمشاعر كلها، ويقودها إلى الرضا بالواقع الهابط...، لكن القرآن يجاهد ذلك الجهاد في هذه النفس، ويعالجها ذلك العلاج، ويهتف لها بالموحيات، والمؤثرات هتافاً متكرراً، ومتنوعاً في مناسبات شتى، حتى تجد النفس في القرآن الكريم نوراً ينير جوانبها، فترى كل شيء فيها، ومن حولها واضحاً، ونوراً تشرق به كينونة الإنسان وبها تستقيم النفس على الطريق.

وهناك من العوامل تجعل النفس أكثر رزانة وثباتا وهي: اتساع أفق النظر، والتعامل مع الوجود الكبير، وتصور الأزل والأبد، ورؤية الأحداث في مواضعها المقدرة في علم الله، الثابتة في تصميم الكون. وإلى جانب ذلك كله، الإنسان الذي يمتلك قوة واعية مدركة موجهة، يستطيع بها تزكية نفسه وتطهيرها، وتنمية استعداد الخير فيها، والتغلب على الشر، قال تعالى: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا)، ف يقسم الله تعالى بالنفس البشرية التي خلقها وعدلها، وعرفها طريق الفجور، والتقوى، والطاعة، والمعصية، فهو سبحانه يفصل لها ما يحبه وما يكرهه، وقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ندعو به الله تعالى: (اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكها، أنت وليها ومولاها ).

فمن زكّى نفسه بطاعة الله وصالح الأعمال أفلح، والرحمة من الله بأن نزّل الرسالات التي تضع للإنسان الموازين الثابتة، والتي تكشف عن دلائل الهدى في نفسه، وتجلو عنه غواشي الهوى فيرى الحق، ويتضح الطريق الذي لاغبش فيه، ولا شبهة. والحمد لله رب العالمين.