الثلاثاء 18 كانون أول 2018

أبحاث ودراسات

أصحاب الدعوة والرسالة؛ فدائيون مخلصون: بقلم المفتي الشيخ أحمد نصار

أصحاب الدعوة والرسالة؛ فدائيون مخلصون: بقلم المفتي الشيخ أحمد نصار

بقلم المفتي الشيخ أحمد نصار

التاريخ ,

مدح النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم وأثنى على أصحاب الدّعوة والرسالة، الذين يعيشون لها ويفنون فيها، ويحسنون حمل المسؤولية تخطيطاً وأداءً وتحمّلاً للالتزامات والتبعات. أولئك الذين يظهرون في آفاق الحياة كما تظهر الشُّهب المنقضة في جنح الظلام، ما أن تلتمع حتى تنطفئ، تستنفد حياتها وحرارتها في انطلاقها وحركتها. أولئك الذين يذيبون قواهم وشبابهم في أداء رسالتهم، ويسكبون دمائهم ويحرقون أعصابهم لتتألق بها دعوتهم التي يعملون لها، فتتحول بهم إلى سيل جارف ويتحولون بعدها إلى رفات هامد، هذا سبيل الفدائية المحفور في تاريخ البشر منذ الأزل.

وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفاً جليلاً، فقال: (إِنَّ أَغْبَطَ أَوْلِيَائِي عِنْدِي لَمُؤْمِنٌ خَفِيفُ الْحَاذِ ذُو حَظٍّ مِنَ الصَّلَاةِ، أَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ وَأَطَاعَهُ فِي السِّرِّ، وَكَانَ غَامِضًا فِي النَّاسِ لَا يُشَارُ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ، وَكَانَ رِزْقُهُ كَفَافًا فَصَبَرَ عَلَى ذَلِكَ - ثُمَّ نَقَرَ النبيّ بِإِصْبَعَيْهِ وقالَ: - عُجِّلَتْ مَنِيَّتُهُ، قَلَّتْ بَوَاكِيهِ، قَلَّ تُرَاثُهُ).

كان سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم الفدائي الأوّل لدعوته الكبيرة، خُوّف في الله ما لم يخف أحد، وأُوذي في الله ما لم يؤذَ أحد، ووقف مشاعره وجهوده وآماله وأحزانه وأفراحه على إنجاح رسالته، ثم سُلّ من هذه الدنيا كما تُسلّ الشعرة من العجين، فلم يمسسه شيء من كبرها أو جاهها أو راحتها، بل لقد سرت عدوى هذه التضحية والفداء إلى أسرته وآل بيته، وتحملت في سبيل ذلك المحن والإحن.

يحدّثنا النبيّ الكريم صلى الله عليه وسلم أن أَحَقّ أَتباعه بحبه وقربه، وأحق المؤمنين من يتمنى الناس يوم القيامة لو كانوا على حالهم لعظيم ما يُنعم الله به عليهم، وألصقهم به صلى الله عليه وسلم مسلكا واقتداءً، وأشبههم به فداءً وتضحيةً، وخفّةً في تكاليف المعيشة، وزهادةً في ترف الحياة، وإدماناً على الصلاة، وتلذذاً بالْمُنَاجَاة مع الله، وجنوحاً إلى العبادة، ونزوعاً إلى الإخلاص، ورغبةً عن الشهوة، واحتقاراً للمظاهر، وإقبالاً على العمل، وإيثاراً للخفى منه على الظاهر المكشوف، وصبراً على الرِّزْقِ الْكَفَافِ ولأواء الحياة حتى تنقضي.

هذه معالم العيش الذي يجب أن ينكمش في حدوده الفدائيون، الذين يتمثلون قول الله تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ، الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)، فهم كالجندي المجهول الذي يرى في الغموض والبساطة أفضل جو ليعمل فيه وينتج، فإذا بدا في الأفق ما يريب وأحس بالخطر على رسالته طار إلى أداء واجبه لا يلوى على شيء... ولذلك ضرب النبي الأمين صلى الله عليه وسلم الْأُنْمُلَةَ عَلَى الْأُنْمُلَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أهمية ما سيقوله بعد ذلك، مبيناً أنهم وبسبب جمال حالهم وعظيم صفاتهم يكرمهم ربهم بالثبات في الدنيا والآخرة، كما قال سبحانه: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ)، فيُسْلِمُون الرُوحَ سَرِيعاً لِقِلَّةِ تَعَلُّقِهِم بِالدُّنْيَا وَغَلَبَةِ شَوْقِهِم إِلَى الْآخِرَةِ، وهم عباد الرحمن الذين قال فيهم: (وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَاناً، وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً، أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَاماً، خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَاما).

هكذا مضت سنة الرجولة تُعلم ذويها ألا نكوص ولا إحجام، وقد قلّت البواكي على الفدائيين المخلصين لأن الجهاد إما غرّبهم عن أوطانهم فماتوا بعيداً عن الأقربين، كسيد الشهداء حمزة رضي الله عنه وأرضاه، إذ سمع الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم الباكين بعد غزوة أحد على ذويهم فقال: (لكنّ حمزة لا بواكي له). وإما لأن البكاء عليهم كان جريمة في اعتبار الظالمين يقذفون بمرتكبيها في الأذيّة وظلمات السجون. وإما لأن رجال الإسلام أصحاب المثل والمبادئ العالية الذين لم يتركوا تراثاً، إذ كل ما ملكوه كان وقوداً لدعواتهم وفداءً لأفكارهم، كرههم عبيد الحياة فلم يكترثوا لموتهم ولم يحسّوا بالأسف على فقدهم. فهم قد يكون ذلك، أو يكون الأمر أخفى مما نعلم، فيا حَمَلة المشاعل وسط العواصف الهوج، هذا هو النهج.. فاسلكوه.اهـ.