الثلاثاء 18 كانون أول 2018

أبحاث ودراسات

مترجم: أسسته أمريكا وستهدمه.. هل ينهار النظام الليبرالي في العالم؟

مترجم: أسسته أمريكا وستهدمه.. هل ينهار النظام الليبرالي في العالم؟

مروة عبد الله

التاريخ ,

نشر موقع «بروجيكت سينديكيت» تقريرًا كتبه «ريتشارد هاس»، رئيس «مجلس العلاقات الخارجية»، وهو منظمة غير ربحية مستقلة هدفها تحليل السياسة الخارجية للولايات المتحدة، والوضع السياسي العالمي، يتناول فيه بعض المعطيات التي أدت إلى بدء اختلال النظام العالمي الليبرالي؛ النظام الذي أُسس عقب الحرب العالمية الثانية، فهل يفشل وتقوم حرب ثالثة، لا سيما بعد تفكك عناصره الأساسية؟

يشير الكاتب إلى أن قرار أمريكا بالتخلي عن النظام العالمي الذي ساهمت في بنائه من الأساس، ثم عملت على الحفاظ عليه لأكثر من سبعة عقود، يمثل نقطة تحول؛ لأن غيرها من الدول تفتقر إلى الاهتمام والوسائل التي من شأنها الحفاظ عليه، ولعل النتيجة ستكون عالمًا أقل حرية ،وأقل رخاءا، علاوة على أنه سيكون أقل سلمًا، للأمريكيين وغيرهم على السواء.

حسب رأيه ربما تتشابه نهاية النظام الليبرالي العالمي مع نهاية الإمبراطورية الرومانية المقدسة؛ فبعد سيادة الإمبراطورية الرومانية المقدسة قرابة الألف عام، هاجمها الفيلسوف والكاتب الفرنسي «فولتير» في طور أفولها، واصفًا إياها بأنها ليست مقدسة، وليست إمبراطورية، والآن بعد مرور ما يقرب من قرنين ونصف يحاول الكاتب إعادة صياغة ما قاله «فولتير»، فيرى أن مشكلة العالم الليبرالي الآخذ في لأفول اليوم تتمثل في أنه ليس ليبراليًا، وليس عالميًا، فضلًا عن أنه ليس نظامًا حتى.

نشأته

يقول الكاتب: «إن الولايات المتحدة الأمريكية، من خلال عملها عن كثب مع المملكة المتحدة، تمكنت من بناء نظام عالمي ليبرالي في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وكان الهدف الأساسي: ضمان عدم ظهور الظروف التي أدت إلى نشوب حربين عالميتين في غضون 30 عامًا مجددًا».

ويضيف: بأنه «من أجل تحقيق تلك الغاية فقد سعت البلدان الديمقراطية إلى إنشاء نظام دولي ليبرالي من حيث استناده إلى حكم القانون، واحترام سيادة الدول، وسلامة أراضيها. نظام تُحمى في كنفه حقوق الإنسان، ويطبق النظام على العالم أجمع. وفي نفس الوقت كانت المشاركة حينها مفتوحة للعالم أجمع وطوعية، ثم بنيت المؤسسات لتعزيز السلام كالأمم المتحدة، ولتطوير الاقتصاد أُسس البنك الدولي، ولتطوير التجارة والاستثمار أُسِّسَ صندوق النقد الدولي، والذي أصبح لاحقًا منظمة التجارة العالمية».

ويردف قائلًا: «إن كل ما سبق ذكره وأكثر، تدعمه القوة الاقتصادية والعسكرية للولايات المتحدة، وهي شبكة من التحالفات عبر القارة الأوروبية والآسيوية والأسلحة النووية عملت جميعها على ردع العدوان، وهكذا اعتمد النظام العالمي على القوة، فضلًا عن استناده – فحسب – إلى المثاليات التي تعتنقها الديمقراطيات»، ويقول: «إن أيًا من ذلك طوال العقود السبع الماضية لم يفشل على الرغم من اختيار الاتحاد السوفيتي الخيار غير الليبرالي، المختلف جوهريًا وفكريًا عما يشكل بالأساس النظام في أوروبا والعالم أجمع».

يذكر الكاتب أن النظام العالمي الليبرالي بدا أقوى في فترة نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي، دون غيرها من الفترات، لكن بعد مرور ربع قرن الآن، يبدو أن مستقبله في خطر؛ إذ تخضع عناصره الثلاثة: (العالمية، والليبرالية، والحفاظ على النظام نفسه) للعديد من التحديات غير المسبوقة في تاريخه طوال السبعين عامًا الماضية.

خلل في النظام الليبرالي العالمي

ويعتقد أن الليبرالية تبدو في تراجع الآن، وتشعر الديمقراطيات بآثار تزايد النزعات الشعبوية، فضلًا عن كسب الأحزاب السياسية المتطرفة أراضٍ أكثر في دول أوروبا، إضافة إلى أن التصويت في المملكة المتحدة لصالح الانفصال عن الاتحاد الأوروبي يشهد على غياب تأثير النخبة، حتى في الولايات المتحدة نفسها، يقول: «إنها تشهد هجمات غير مسبوقة من رئيسها على وسائل الإعلام والمحاكم ومؤسسات إنفاذ القانون في البلاد، ومن ناحية أخرى أصبحت الأنظمة السلطوية بما في ذلك الصين وروسيا وتركيا قوية وأكثر ثقلًا، في حين تبدو بلدان مثل المجر وبولندا غير عابئة بمصير ديمقراطياتها الفتية».

يرى الكاتب أن صار من من الصعب التحدث عن العالم الآن كما لو كان كيانًا واحدًا؛ إذ نشهد ظهور أنظمة إقليمية، أو ما يظهر في الشرق الأوسط من اضطرابات للأنظمة، ولكل منهم خصائصه المميزة، وفشل محاولات بناء إطار عالمي، وتزايد النزعات الحمائية، على سبيل المثال لم تؤت الجولة الأخيرة من محادثات التجارة العالمية ثمارها، علاوة على وجود عدد من القواعد الحاكمة لاستخدام الفضاء السيبراني.

ويضيف أن في الوقت نفسه، عاد تنافس القوى العظمى، وانتهكت روسيا أبسط المعايير في العلاقات الدولية عندما استخدمت القوة المسلحة لتغيير الحدود في أوروبا وانتهكت سيادة الولايات المتحدة الأمريكية من خلال محاولاتها التأثير على نتائج الانتخابات الرئاسية في 2016، ومن ناحية استهزأت كوريا الشمالية بالإجماع الدولي ضد انتشار الأسلحة النووية، بينما وقف العالم بلا حراك يشاهد أهوال انتهاكات حقوق الإنسان في سوريا واليمن، ومحدودية تحركات الأمم المتحدة إزاء الانتهاكات في أماكن أخرى أو حتى أمام قصف الحكومة السورية السوريين بالأسلحة الكيميائية، أضف إلى ذلك انهيار دولة فنزويلا، وحقيقة أن واحدًا من بين كل مائة شخص في العالم اليوم، إما لاجئ، أو نازح داخليًا، أجبر على هجر منزله.

لماذا ينهار؟

يعتقد الكاتب أن هناك أسباب عدة وراء حدوث كل ذلك، وتحديدًا الآن؛ إذ يعزى تصاعد النزعة الشعبوية إلى حد ما إلى ركود الدخل وفقدان الوظائف وانتشار البطالة، والذي يرجع في الحقيقة إلى التقدم التكنولوجي واستخدام تقنيات جديدة، لكن من ناحية يقول البعض: إن السبب الرئيس وراء ذلك تزايد معدلات الهجرة والاستيراد، ويضيف أن القومية صارت أداة يستخدمها القادة على نحو متزايد لتعزيز سلطتهم، لاسيما وسط الظروف الاقتصادية والسياسية الصعبة، علاوة على فشل المؤسسات العالمية في التكيف مع موازين القوة والتقنيات الجديدة.

إلا أنه يردف قائلًا: «إن إضعاف النظام العالمي الليبرالي يرجع بشكل أساسي إلى تغير موقف الولايات المتحدة الأمريكية تحت حكم الرئيس دونالد ترامب؛ إذ قررت الولايات المتحدة الامريكية عدم الانضمام إلى الشراكة عبر الأطلسي، والانسحاب من اتفاقية باريس بشأن المناخ، وهددت بالانسحاب من اتفاقية أمريكا الشمالية للتجارة الحرة، وكذلك الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، وأدخلت التعريفة الجمركية على الألومنيوم والصلب من جانب واحد معتمدة على حجة الأمن القومي، والتي يمكن أن تستخدمها دول أخرى أيضًا؛ ما يضع العالم كله على شفا حرب تجارية، إضافة إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية أثارت تساؤلات حول مدى التزامها بحلف شمال الأطلسي، وعلاقات تحالفات أخرى، علاوة على أنه نادرًا ما يتحدث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، في مقابل حديثه المستمر عن «أمريكا أولًا»، وعدم اتساق النظام العالمي الليبرالي».

يختتم الكاتب تقريره مؤكدًا على أنه لا يهدف إلى الإلقاء باللائمة على أمريكا وحدها؛ إذ تنتقد القوى العظمى الأخرى اليوم بما فيها الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين والهند واليابان؛ بسبب ما تفعله، أو ما لا تفعله، أو كليهما، بيد أن الولايات المتحدة ليست كأية دولة أخرى، فهي كانت المهندس الرئيس للنظام العالمي الليبرالي وداعمه الرئيس، كما كانت أيضًا المستفيد الرئيس منه. وبالتالي يعتقد أن قرار أمريكا بالتخلي عن الدور الذي لطالما لعبته على مدى سبعة عقود يمثل نقطة تحول كبرى، ويضيف أن للنظام العالمي ليس بوسعه النجاة بمفرده؛ لأن الأطراف الأخرى، إما ليس لديها المصلحة، أو الاهتمام الكافيان لإنقاذه، أو أنها تفتقر للوسائل التي تمكن من الحفاظ عليه، وبالتالي ستكون النتيجة عالمًا أقل في الحرية والرخاء والسلام للأمريكيين وغيرهم على السواء.