الخميس 13 كانون أول 2018

أخبار عربية

مَسيرات العَودَة.. لماذا تُرعِب الإسرائيليين والسُّلطة مَعًا؟

مَسيرات العَودَة.. لماذا تُرعِب الإسرائيليين والسُّلطة مَعًا؟

راي اليوم

التاريخ ,

يُجَدِّد أهل قِطاع غزّة الصَّامِدين المُحاصَرين المُجوَّعين العَهد، ويُؤكِّدون مُجدّدًا على إبداعِهِم المُقاوِم للاحتلال الإسرائيلي، وكَسر حالة الجٌمود والعُزلَة، وإعادة قَضيّتِهم وشَعبِهم وأُمّتِهم إلى مَرتَبةٍ مُتقَدِّمة على سُلّم الاهتمامات والأولَويّات العالميّة، وبَعد فترة طالت من التَّعتيم والخُنوع.

بعد طَردِهم الاحتلال الإسرائيلي مَهزومًا مُثخّن الجِراح من القِطاع، ها هُم نِسائه قبل رجاله، يَستخدِمون واحد أبرز من أقوى الأسلِحة التي تُرعِب الاحتلال، وتَسحَب أحد أُسس شَرعيّته، وهو سِلاح العَودة، فلا كَلِمة “تُثير هَلَع الإسرائيليين أكثَر من كَلِمة العَودة لما تَنطَوي عليه من رَمزيّة تَنسِف العُدواني السَّرد اليَهودي الإسرائيلي حَول الحَق في الوُجود على الأرض الفِلسطينيّة وتَجْتثُّه من جُذورِه.

مسيرات العَودة تَستمِر للأُسبوع الثاني وبِزَخمٍ أكبر وتُقدِّم 23 شَهيدًا وأكثر من ألفيّ جَريح، نِسبة كبيرة مِنهم من الشَّباب والأطفال من الجِنسين، سَبعة مِنهم استشهدوا اليَوْمْ الجُمعة، حتى كِتابَة هذهِ السُّطور.

أرادوها مُقاوَمةً شعبيّةً سِلميّةً، وأرادها جُنود الاحتلال الإسرائيلي دَمويّة، ووقف العالم مُتفَرِّجًا في مُعظَمِه على هذهِ المَجزرة، وعلى رأس هَؤلاء ذَوي القُربَى، سواء في أروِقة السُّلطة في رام الله، أو في العالَمين العَربيٍ والإسلاميّ، والاستثناءات مَحدودة جِدًّا للأسف، نَقولها وفي الحَلق مَرارَة.

هذهِ هي الدَّولة الدِّيمقراطيّة الحَضاريّة الوَحيدة في مِنطقة الشَّرق الأوسط تَنشُر قنّاصة الجيش “الأكثر أخلاقيّة” في العالم خَلف ساتِر تُرابِي خلف الحًدود لاصطياد الأطفال والمُحتَجِّين المُسالِمين بالرَّصاص الحَيّ وكأنّهم في حَفلةِ صَيد.

والأخطر من ذلك أن الجِنرال أفخاي أدرعي، المُتحدِّث باسم الجيش الإسرائيلي يُحذِّر الفِلسطينيين من إرهاب حَماس البيئي واستخفافِها بِصِحَّة المُواطِنين، لأنّ بعض الشُّبَّان لجأوا إلى إطارات السيّارات المَطّاطيّة لإشعالها واستخدام دُخانِها كحاجِز كثيف لحَجب رُؤيَة القنّاصة المُجرِمين وتَقليصِ جَرائِمِهِم.

أدرعي الذي يَقتُل جيشه المُحتَجِّين المُسالِمين بالرَّصاص الحَي، والأسلحة المُحرَّمة دَوليًّا، يَخشى على صِحٍة المُواطنين الفِلسطينيين، ويُحذِّر من التَّلوّث البيئي؟ إنّها قِمّة الوَقاحة وانعدام الإحساس الأخلاقي والإنساني، ولكن ماذا نَقول وقد أصبحَ هذا الجِنرال صَديقًا لمِئات الآلاف من العَرب على وسائِل التواصل الاجتماعي، ويَحتَل صَدر شاشات بَعض التَّلفَزة العَربيّة.

ما أجملهن تِلك الفَتيات الغزيّات اللَّواتي حَوّلن الإطارات المَطاطيّة إلى لَوحاتٍ فنِّيّة تَزهو بألوان العَلِم الفِلسطيني، ويَتحوّلن، أي الإطارات، إلى حَواضِن لأشتال زِراعيّة قُرب الحُدود تَحمِل أسماء الشُّهداء الأبرار.

نَعتَب على الأشقاء الفِلسطينيين في مُختَلف أنحاء الضِّفّة الغَربيّة ومُخيّماتِها، وفي الجِوار العَربي، الذين لم يتضامنوا بالقَدر المَطلوب مع أهالي القِطاع المُحاصَر، رغم إدراكنا أن الأمن الفِلسطيني يَتربّص بِهم في الدَّاخِل، ويَقوم بواجِبه في تَنفيذ التَّعليمات الإسرائيليّة على أكمل وَجه في مَنع مِثل هذا التَّضامن، ونُزول المُحتجِّين إلى المَيادين والشَّوارع.

أهلنا في قِطاع غَزّة، الذين يُقدِّمون الشُّهداء دِفاعًا عن الكرامَتين العَربيّة والإسلاميّة، لا يَجِب أن يَقِفوا في المَيدان وحدهم، وهم الذين يَحتجُّون سِلميًّا ويَفضَحون وَجه الاحتلال الدَّموي البَشِع، ويَرفَعون رايات حَق العَودة عالِيًا.

الشَّعب الفِلسطيني الذي ينتمي إليه هَؤلاء الشُّهداء لا يُمكِن إلا أن يَنتَصِر، ويُترجِم حَق العَودة عَمليًّا على أرض الواقِع، لأنّه لن يتنازَل عن شِبرٍ واحِد من أرْضِه التاريخيّة، ويُؤكِّد استعداده كُل يَوْمْ لتَقديم التَّضحِيات من دَمِه وأرواحِ أبنائِه.

إنّها مُواجَهة بين من يَمْلُك الحَق وأخلاقيّاتِه وبين من يَتمترَس خَلف الشَّر وأدواتِه القَمعيّة القاتِلة، والحَق حَتمًا سيَنتَصِر في نِهاية المَطاف ومهما طالَ الزَّمن، لأن رِجالاً يُناصِرونَه ولا يَتردَّدون لَحظَةً في المَوت مِن أجْلِه.

مسيرات العَودة تُؤكِّد مُجدَّدًا، وفي زَمَن التَّخاذُل المُهين، أنّ الغَضَب الفِلسطيني بَدأ يَتفجّر مُجدَّدًا، ويَجْرِف أمامه كُل المُتخاذِلين ويُسْقِط كٌل الأقنِعة، ويُعيد القَضيّة الفِلسطينيّة إلى وَهْجِها وثَوابِتِها الأساسيّة، وأبْرَزها أنّ كُل فِلسطين للفِلسطينيين من النَّهر إلى البَحر، ولا تَنازُل أو تَفريط عن أيِّ شِبرٍ مِن تُرابِها المُقَدَّس.