الاثنين 16 تموز 2018

أبحاث ودراسات

ماكرون وترودو وابن سلمان... هل «البركة بالشباب» دائمًا؟

ماكرون وترودو وابن سلمان... هل «البركة بالشباب» دائمًا؟

رصد

التاريخ ,

أحد «الكليشيهات» المسلم بها في النقاشات السياسية العامة والخاصة على السواء، هو اعتبار أن إحدى أكبر مشاكل العالم يتمثل في كون أغلب دوله محكومة بحكام مسنين على أعتاب الموت، أو في أفضل الأحوال بشيوخ خط فيهم الشيب، يفتقدون الحماسة ومواءمة العصر، وأنه ما إن يتمكن الشباب من استلام مقاليد الحكم في بلادهم، فستنقلب الأمور رأسًا على عقب، لتتحول الأرض إلى جنة عدن بفعل حيوية الشباب وعقولهم المرنة وأرواحهم التي تنشد العدل والسلام.

لكن هل تلك القناعة حقيقة يجب تصديقها؟ في السطور القادمة سندع التجارب تحكي عن نفسها، ثلاثة شباب، تمكنوا خلال الأعوام القليلة الماضية من استلام دفة القيادة في بلادهم، فماذا فعلوا؟ وكيف صار حال بلادهم -والعالم ككل- بعد أن صاروا في الواجهة؟

إيمانويل ماكرون.. «قيصر» أم رئيس؟

تنفس العالم الصعداء مطلع مايو (آيار) الماضي، مع إعلان نبأ فوز وزير الاقتصاد والصناعة السابق وزعيم حركة إلى الأمام (إيمانويل ماكرون) بأغلبية أصوات الناخبين، ليصير الرئيس الثامن للجمهورية الفرنسية، فعلها الفرنسيون إذًا واصطادوا عصفورين بحجر واحد، إذ تمكنوا من إسقاط مرشحة اليمين المتطرف (مارين لوبان)، ليتوقف بذلك «طوفان» الحركات اليمينية الذي بدا لوهلة قدرًا محتومًا بعد أن تعزز بفوز ترامب برئاسة الولايات المتحدة، فضلًا عن ذلك، فقد كان المرشح الفائز نفسه يبشر بمستقبل واعد: شاب على أعتاب الأربعين، يفيض نشاطًا وحيوية، يحمل معه آمال أجيال كاملة في عالم أكثر عدلاً وعقلاً.
لكن الرئيس الشاب الذي انتزع من نابوليون بونابرت لقب «أصغر رئيس فرنسي» لم يتأخر في تخييب آمال العديد من متابعيه. فداخليًا، تتابعت الإشارات التي تُظهر الطريقة «القيصرية» التي يود بها ماكرون أن يدير مقاليد الأمور في البلاد، إذ يرى البعض أنه يتصرف «كملك أكثر منه كرئيس»، وينظر إلى النظام السياسي بوصفه مجموعة من المراسيم الرئاسية النافذة بدلاً من أن تمضي الأمور عبر نقاشات برلمانية ومواءمات تُرضي القدر الأكبر من الأحزاب السياسية.

من ذلك مثلاً إجبار «ماكرون» قائد الجيش الفرنسي السابق الجنرال (بيير دي فيلييه) على الاستقالة، بعد خلاف حاد بينهما حول رغبة الرئيس الاقتطاع من الميزانية العسكرية، وأثار اعتراض قائد الجيش ماكرون الذي وجه إليه نقدًا قاسيًا اضطر على إثره إلى الاستقالة، كما ثار الحديث مؤخرًا حول خطط ماكرون لإعادة تشكيل النظام السياسي في البلاد، ومنها تخفيض عدد مقاعد المجلس الوطني، وتعديل النظام الانتخابي وبعض الإجراءات التي قد تسرّع عجلة سنّ القوانين في البلاد، وهي الخطط التي وصفها معارضون بأنها سعي لتأسيس «ديكتاتورية تكنوقراطية» في البلاد، كما أثارت تعييناته الحكومية غضب المعارضة التي اتهمته بمحاولة «تدمير» المعارضة وإضعاف دور البرلمان لكي يتمكن ماكرون من الحكم بشكل منفرد.

الرئيس الذي بنى شعبية كبيرة في العالم على خلفية اعترافه بـ«جرائم الاستعمار الفرنسي» بحق الأفارقة، لم يستطع أن يمنع نفسه في أكثر من موضع من التعليقات «العنصرية» -هكذا فهمها الكثيرون على الأقل- بحق أبناء القارة السمراء، ففي مؤتمر بقمة العشرين، وحين سئل عن إمكانية الشروع في برامج لتطوير القارة السمراء، مثل خطة مارشال الأمريكية لإعادة إعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، ذهب إلى القول أن مشكلة أفريقيا اليوم هي مشكلة «حضارية»، وأنه طالما أن المرأة الأفريقية «تلد سبعة أو ثمانية أطفال» فإن المساعدات الخارجية ستبقى غير ذات جدوى.
كما وقع ماكرون في موقف محرج آخر أثناء زيارته إلى بوركينا فاسو أواخر العام الماضي، حيث قام بإحراج رئيس البلاد أمام حشد من الطلبة الذين سألوه عن مشكلة الكهرباء في بوركينا فاسو فأجاب: «هذه مهمة رئيس البلاد»، وحين انسحب الرئيس البوركيني من القاعة رد ماكرون بالقول: «لقد ذهب ليصلح التكييف»، الأمر الذي أثار حينها الكثير من الانتقادات بحق الرئيس الفرنسي الذي لا يراعي حساسية تصريحاته.

أما عن موقفه من حقوق الإنسان في المنطقة العربية، وانتهاكات الحكومات بحق شعوبها في المنطقة، فحدث ولا حرج، فقد اعتبر الرئيس الفرنسي التدخل الفرنسي في ليبيا عام 2011 للإطاحة بالقذافي بأنه خطأ وجب تجنبه، كما اعتبر الموقف الفرنسي الحالي من قضية بقاء الأسد في حكم سوريا «انتكاسة» عن الموقف الفرنسي الصارم سابقًا تجاه هذه القضية، إذ أبدى ماكرون موقفًا أكثر ليونة تجاه الأسد، واصفًا إياه بأنه «ليس عدوًا لفرنسا» التي لم تعد ترى في رحيله أولوية، ومشيرًا إلى «وجوب التباحث معه»، أما مصر التي زارها الرئيس الفرنسي في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، والتي لا تتوقف التقارير الموثقة عن الحديث عن انتهاكات نظامها لحقوق الإنسان، فقد نأى الرئيس الفرنسي بنفسه عن الحديث عن حقوق الإنسان فيها، وحين سأله أحد الصحافيين عن موقفه، أجاب أنه «لم يأت لكي يعطي محاضرات للمصريين في الحقوق المدنية».

جاستن ترودو.. لا يكفي أن تحبك الحسناوات لتصير بطلًا

هو رئيس وزراء كندا منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، وزعيم الحزب الليبرالي الكندي، وهو الأربعيني الوسيم الذي تطوف مقاطعه المصورة العالم لتحصد ملايين المشاهدات، بالنسبة للكثيرين فإن هذا رئيس وزراء نموذجي: شاب تتفجر منه ينابيع الحيوية والنشاط، تستقبل حكومته اللاجئين حين تضيق بهم الأرض بما رحبت، يفطر مع المسلمين في شهر رمضان، ويدعو العالم إلى الوقوف بحزم في وجه الإسلاموفوبيا والعنصرية، ولا يأبه للرسميات، فيرتدي في لقاءاته الرسمية جوارب ملونة دعمًا لشركة أسسها مريض مصاب بالتوحد، كل هذا نقطة في بحر مفاجآت ترودو الذي يبدو كنجم سينمائي لا يكف أبدًا عن إبهار المشاهدين.

لكن يبدو أن وصف «السينما» الذي أطلقناه للتو هو أكثر ما ينطبق حقًا على حالة  ترودو، فحين تذهب السكرة ببريق الرجل وتحضر الفكرة، وحين يمعن المرء التأمل أفعال ترودو وحكومته، وسلوكياته «السياسية» لا الإعلامية تتكشف له صورة مختلفة تمامًا عن الصورة الملائكية التي يحاول الرجل أن يصدرها للجمهور عبر الإعلام. كان أول ما حرص عليه «صديق اللاجئين» حين زار الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب) في واشنطن هو تأكيده أنه لم يأت «ليعظ ترامب بشأن التعامل مع اللاجئين» أو «ليحاضر الأمريكيين بشأن كيفية اختيار طريقة حكمهم»، هكذا بمنتهى البساطة نفض ترودو يديه من كل الشعارات والمبادئ التي تغنى بها حين حانت ساعة «الواقعية السياسية».

لا يتوقف الأمر على التصريحات التي يعتبرها البعض «مشينة»، إذ يتعدى الأمر إلى أفعال أكثر خطورة، في أبريل (نيسان) 2016، أبرمت كندا أكبر صفقة عسكرية مع المملكة العربية السعودية بقيمة 15 مليار دولار، حيث تشتري الرياض عربات «لاف 3» التي تعد الأشد تسليحًا من بين المدرعات التي يمتلكها الجيش الكندي، لم تبال الحكومة الكندية بالاعتراضات الحقوقية كون السعودية ذات سجل سيئ في ملف حقوق الإنسان داخليًا، وخارجيًا بسبب انتهاكاتها في حرب اليمن، ولم يقدم ترودو على إلغاء الصفقة رغم التكهنات -أو الآمال الكاذبة- بذلك، وكذبت الحكومة بشأن عدم مسؤوليتها عن الصفقة التي أبرمتها شركة خاصة، إذ تبين لاحقًا أنها وفرت قواعد وأطقم عسكرية وموارد لازمة لاختبار المدرعات.

في النهاية، وحينما حُشر ترودو في الزاوية، وبدا جليًا أن لا مفر من الاعتراف بالحقيقة أو جزء منها، اعترف رئيس الوزراء بالأمر، مبررًا ذلك بأن الصفقة قد أبرمت بالفعل، وأن الحكومة الكندية تحترم العقود المبرمة وتلتزم بها. وبشكل عام، تثير عدة تقارير مسألة تدفق السلاح الكندي إلى العديد من مناطق النزاع، ومن بينها أفريقيا، بالرغم من اللوائح والقوانين الكندية التي تمنع تدفق السلاح إلى مناطق الحروب.

ترودو الذي أعلن من قبل اعتذاره لـ«سكان كندا الأصليين»، على احتقار الحكومات الكندية المتعاقبة واستغلالها لهم، لا يتعامل بالمثل مع الحالة الفلسطينية، التي تبدو مثالاً أكثر وضوحًا لـ«سكان أصليين في مواجهة محتلين»، يتمتع ترودو بعلاقات أكثر من مميزة مع إسرائيل، وقد حرص على حضور جنازة الرئيس الإسرائيلي السابق(شمعون بيريز)، كما أن الدبلوماسية الكندية سبق أن وجهت انتقادات شديدة إلى اليونسكو بسبب رفضها الانتهاكات الإسرائيلية في القدس، كما رفضت تعيين كندي مقررًا خاصًا عن فلسطين في الأمم المتحدة، فقط بحجة أن هذا الشخص «غير متعاطف مع إسرائيل».

ابن سلمان.. «فتى أحلام» الليبرالية في أرض الوهابية

لم يكن أكثر الليبراليين إسرافًا في التفاؤل يتوقع أن يحكم السعودية رجل كولي العهد السعودي الحالي (محمد بن سلمان)، فالفتى الذي برز إلى واجهة الحكم في المملكة وهو لما يبلغ الثلاثين، استهل عهده -أو عهد أبيه إن شئنا الحفاظ على رسمية التوصيف- بحرب ضارية على التقاليد التاريخية للحركة الوهابية، فحول هيئة «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» إلى مجرد مؤسسة للمناصحة «لا تسمن ولا تغني من جوع»، وسمح للنساء أخيرًا بقيادة السيارات، وألغى الحظر المفروض على دور السينما للمملكة، بل إن الحكومة نفسها قد أخذت على عاتقها مهمة «الترفيه» عن السعودية، فأنشأت لذلك هيئة مختصة ضمن خطوات لتغيير وجه المملكة الاجتماعي والثقافي.

لكن هذا الـ«وجه الليبرالي» لابن سلمان، وإن كان يحظى ببعض المديح من أوساط غربية يسرها أن تلحق المملكة أخيرًا بركب الحداثة والقيم الغربية، كان  يخفي وجهًا آخر أشد قسوة للأمير الشاب، الذي اختار لحكمه أقسي الأساليب وأشدها تفردًا واستبدادًا، فأطاح بأفراد العائلة من ذوي النفوذ واحدًا تلو الآخر، حتى صار يغرد وحيدًا على عرش أبيه فلا يُسمع إلا صداه، ولم يتحرج أن يعتقل العشرات من أمراء العائلة في فندق «ريتز كارلتون» بالرياض، في محاولة لكسب الولاء والمال معًا، قبل أن يخرج محتفيًا بجمع 100 مليار دولار من المحتجزين، في لهجة  بعيدة تمامًا عن رصانة رجال للدولة المعهودة.

تتوالى تصريحات ابن سلمان «الجريئة» التي تثير الدهشة والاستهجان في الوقت نفسه من فرط تهورها -أو صراحتها-: «أنا ثري ومن عائلة ثرية … لست غاندي أو مانديلا»، «من المتوقع أني سأحكم البلاد ولن يوقفني إلا الموت»، وفي المقابل، تتوالى أفعاله الصارمة بحق كل ذوي الرأي في السعودية، من أبرزهم سلمان العودة، الشيخ الستيني الذي كان حتى شهور مضت يتلقى مكالمات العزاء في أسرته من ابن سلمان نفسه، قبل أن يزج به في زنزانة انفرادية وتتدهور صحته بما يستدعي نقله إلى المستشفى، كل ذلك من دون أن يعرف له أحد -ربما باسثناء ولي العهد نفسه- تهمة واضحة محددة.

لا يبخل ابن سلمان بمغامراته على الإقليم من حوله، وأبرز تلك الشواهد هي حرب اليمن، التي أرادها ابن سلمان حربه الشخصية، وعنوان مجده، فتسببت في كارثة إنسانية جلبت اللعنات إلى ولي العهد الشاب أينما حل ونزل، وأدرجت السعودية على القوائم السوداء التابعة للأمم المتحدة، بسبب دورها في قتل المئات من الأطفال، وشن الهجمات على المستشفيات والمدارس، كل هذا من دون أن تصل السعودية إلى أهدافها المرجوة من الحرب، بل صارت مطاراتها ومنشآتها الحيوية، عرضة للقصف المتكرر بصواريخ الحوثيين.

تتوالى معالم السياسة الخارجية للأمير الشاب، فهو يفرض مع حلفائه حصارًا خانقًا ضد الجارة الصغيرة (قطر)، حصار طويل لا ينجح في إجبار المحاصَر على أي من أهدافه، ويفرض على المواطنين السعوديين والوافدين رسومًا تحت عناوين عديدة، تثقل كاهلهم وتخفف من ثقل جيوبهم، في الوقت الذي لا يبخل فيه على الأمريكيين بصفقات سلاح تصل إلى أرقام من 11 صفرًا، في محاولة -غير مضمونة النتائج بالطبع، بالنظر إلى أن ترامب رئيس غير قابل للتوقع-  لشراء ولاء الرئيس الأمريكي.