الخميس 26 نيسان 2018

أخبار عربية

في الذِّكرى الخامِسة عَشرة لاحتلال العِراق وسُقوط بغداد نُطالِب بِمُحاكَمة كُل الذين تَعاونوا مع المُحتلَّين وساهَموا في تَدمير بَلَدِهِم ونَهب مِئات المِليارات من ثَرواتِه..

في الذِّكرى الخامِسة عَشرة لاحتلال العِراق وسُقوط بغداد نُطالِب بِمُحاكَمة كُل الذين تَعاونوا مع المُحتلَّين وساهَموا في تَدمير بَلَدِهِم ونَهب مِئات المِليارات من ثَرواتِه..

راي اليوم

التاريخ ,

الذِّكرى الخامِسة عشرة لسُقوط بغداد التي تُصادِف اليوم الإثنين هي الأكثر إيلامًا بالنِّسبةِ إلى أيِّ إنسانٍ عَربيٍّ ومُسلم شَريف، لأنّها تُذَكِّر بعُدوان أمريكي غَربي على هذا البَلد العَربيّ الأصيل واحتلالِه، وإغراق المِنطقة بالفَوضى والإرهاب وحُروب القَتل والدَّمار.

أمريكا غَزَت العِراق واحتلَّته بِتَحريضٍ إسرائيليٍّ، وتَواطُؤ عَربيّ، لأنّها تُدْرِك أهميّة هذا البَلد ودَورِه الطَّليعيٍ، والخُطورة التي كان يُشكِّلها على المٌخطَّطات الغَربيّة في الهَيمنة على المِنطقة، وتَفكيك دُوَلِها، ونَهبِ ثَرواتِها.

الاحتلال الأمريكي الذي بُنِي على أكاذيب أسلحة الدَّمار الشَّامِل، جاءَ بِنظامٍ عِراقيٍّ طائِفيٍّ عُنصريٍّ فاسِد، عُنوانه مَجموعة من الانتهازيين الطَّائِفيين الحاقِدين، الذين سَرقوا أكثر من تريليون دولار، وخَلقوا فَراغًا سِياسيًّا مَلأه تنظيم “الدَّولة الإسلاميّة” أو “داعش”.

سِياسات التَّهميش، والإقصاء، والنَّزَعات الطائفيّة قَضَت على تَجْرِبة عراقيّة في التَّعايُش، أو الحَد الأدْنى مِنه، وفَكَّكَت نِظامًا، رُغم كُل التَّحفُّظات عليه وبَعض مُمارساتِه الدِّيكتاتوريّة، حَقّق هَيبة للدَّولة العِراقيّة، وجَعل من البِلاد دولة إقليميّة عُظمَى، مُهابَة الجانِب تَرتكِز على قاعِدتين عَسكريّة وعِلميّة لا يُوجَد لها مَثيلٌ في المِنطَقة.

أكثر مِن مِليونيّ عِراقي استشهدوا بسبب هذا الغَزو الأمريكي، وما سَبقه من حِصارٍ تَجويعيّ ظالِم استمرّ لأكثر من 12 عامًا، لكَسر كرامَة العِراقيين وشُموخِهم الوَطنيّ، ومِئات الآلاف أُصيبوا بأمراض السَّرطان مِن جراء اليورانيوم المنضب الذي سَيظَل خَطَرُهُ مُستَمِرًّا لأكثر من أربعةِ مِليار عام، حَسب تَقديرات العُلماء.

سكوت ريترر، المُفَتِّش الأمريكي الذي كانَ يَعمل في وكالة المُخابرات الأمريكيّة، وانشقّ عنها نتيجة صَحوة ضَمير، وفَضَحَ الأهداف الحَقيقيّة للمُفَتِّشين الدَّوليين، لخَّص المَأساة هذهِ بِقَوله “غَزونا العِراق لتَدمير أسلحة الدَّمار الشَّامِل غير المَوجودة أصْلاً، واستخدمنا أسلحة تَسبَّبَت بِمَقتَل الآلاف بالإشعاعات النَّوويّة”.

قِطاعٌ عَريضٌ من الشَّعب العِراقيّ باتَ يَترحّم على أيّام الرئيس الراحل صدام حسين، وحُكمِه، بعد أن شاهَدوا ما حَلَّ بِبَلدِهم من فَسادٍ وقَتل ودَمار على أيدي من عادوا إلى بغداد على ظُهور الدَّبابات الأمريكيّة، ووعَدوا العِراقيين بالأمنِ والاستقرار والرَّخاء الاقتصادي، وكان على رأس هؤلاء المُتَرحِّمين الدكتور إياد علاوي الذي تعامل باعترافِه مع أكثر من 13 جِهاز مُخابرات عالمي من أجل الإطاحة بهذا النِّظام، ويَخوض الانتخابات العِراقيٍة المقبلة كمُخَلِّص للعِراق مِن أزماتِه.

العِراقيون رَفضوا هذا الاحتلال وقاوَموه بِرُجولةٍ وشَجاعة، وكَبّدوا المُحتَل الأمريكي خسائِر ماديّة تَصِل إلى ترليونيّ دولار، وأكثر من 5000 قتيل، وما يَزيد عن 40 ألف جريح، وأجبروا الإدارة الأمريكيّة على سَحب قُوّاتِها، والخُروج من العِراق مَهزومة مُطَأطِأة الرَّأس، وهذا ليس غَريبًا على هذا الشَّعب العَظيم الذي تَجري في عُروقِه جينات حضاريّة تَعود جُذورها إلى ثَمانيّة آلاف عام، والعَديد من الإمبراطوريّات.

العِراقي الذي تفاخَر بِتَحطيم تِمثال الرئيس صدام حسين في مَيدان الفردوس وَسَط بغداد في مِثل هذا اليوم، يَعُضْ أصابِعه نَدَمًا، والآخر الذي قَدّم شَهادة مُزوّرة عن عَمَلِه في المَعامِل العِراقيّة المُتحَرِّكة لإنتاج الأسلحة الكيميائيّة والبُيولوجيّة، مُقابل حَق اللُّجوء في ألمانيا وحَفنة من الدُّولارات، انتهى عامِلاً يَغْسِل الصُّحون في مطعم “لبيرغر كنغ” للوَجبات السَّريعة في ألمانيا، أمّا الدكتور موفق الربيعي الذي يَتباهى باحْتِفاظَه بالحَبل الذي التفّ حول عُنق الرئيس صدام حسين ساعة إعدامه، فغَيّر شهادته الكاذِبة، واعترفَ أنٍ الرئيس صدام تَقدّم إلى المِقصَلة شُجاعًا مَرفوع الرأس مُرَدِّدًا الشَّهادَتَين، وهاتِفًا باسم الأُمّة وعُروبَة فِلسطين، مِثل الغالبيّة السَّاحِقة من أبناء العِراق البَررة.

العِراق كان ضحيّة مُؤامرة إسرائيليّة، ونتيجة تَوصُّل حُكماء اليهود إلى قناعةٍ راسِخة بأنّ الأُمّة العربيّة لا يُمكِن إغراقها بالفَوضى الخَلّاقة التي بَشّرت بها السيدة كونداليزا رايس، مُستشارة الأمن القَومي، وتأمين دولة إسرائيل لعُقود قادِمة، إلا بِتَدمير العِراق وتفكيكِه وتَمزيقِه على أُسُسٍ طائِفيّة، وجَرى استخدام هَجمات الحادي عشر من سبتمبر كنُقطَة انطلاق للغَزو والاحتلال، وأسلِحَة الدَّمار الشَّامِل كذَريعة.

بعد 15 عامًا من الحُروب والسَّيّارات الإرهابيّة المُفخَّخَة، بَدأ العِراق يَقِف الآن على أبواب انتخابات بَرلمانيّة جديدة، تُشارك فيها تكتُّلات مُعظَمها طائِفيّة الطَّابَع والمُنطَلق للأسف، وبُدون هَويّة وطنيّة جامِعة، الأمر الذي يَدفَعنا للحَذر في الإغراق بالتَّفاؤل، رُغم وجود بَعض مُؤشِّرات على التَّعافي البَطيء، ورَغبة، لو ضَعيفة للعَودة إلى نَهج التَّعايُش.

لا بَديل للعِراق غير التَّسامُح ونَبذ الطَّائِفيّة، وطَرد كُل بقايا الاحتلال الأمريكي وقُوّاتِه وعُملائِه، والعَودة إلى الهَويّة المُوحّدة الجَامِعة، والتَّعايش على أُسس المُساواة وقُبول الآخر، وإنهاء مُمارسات التَّهميش والإقصاء التي بَذَرَ بُذورَها الاحتلال الأمريكي والقِوى التي جاءَ بِها، ووَضعها في سِدُّة الحُكم لإضفاء شَيء من الشَّرعيّة العِراقيّة على جَرائِمه.

كل الذين تآمروا على العِراق، وتَعاونوا مع الاحتلال الأمريكي لتَدمير بِلادِهم يجب أن يُحاكَموا أمام قَضاءٍ عِراقيٍّ وَطنيٍّ عادِل، وهُم مَعروفون واحِدًا واحِدًا، فلا يُمكِن أن يتقدَّم العِراق وهؤلاء يُواصِلون التَّضليل والخِداع ويَدَّعون حِرْصًا كاذِبًا على العِراق وشَعبِه العَظيم، ويَتصدَّر مُعظَمُهم العَمليّة السِّياسيّة، ويَخوضون الانتخابات القادِمة.