الاثنين 24 أيلول 2018

أخبار عربية

السيد مُقتدى الصدر يَطْرَح مُبادَرة للتَّوسُّط لتَخفيف التَّوتُّر بين السعوديّة وإيران.. هل هُناك فُرصة لِنَجاحِها؟

السيد مُقتدى الصدر يَطْرَح مُبادَرة للتَّوسُّط لتَخفيف التَّوتُّر بين السعوديّة وإيران.. هل هُناك فُرصة لِنَجاحِها؟

رأي اليوم

التاريخ ,

في ذَروة انشغال العِراقيين بالانتخابات التشريعيّة العِراقيّة التي تَجري يوم 12 آيار (مايو) المُقبِل، وربّما تُشكِّل علامَةً فارِقة في تاريخ البِلاد لأنّها ستُنهِي الرِّئاسات الثَّلاث الحاليّة، وتُؤَسِّس لخَريطة سِياسيّة جَديدة، فاجَأ السيد مُقتدى الصدر الجَميع بإطلاقِ مُبادرةٍ للتَّوسُّط بين إيران والمملكة العربيّة السعوديّة لإنهاء الخِلافات، وحالة التَّوتُّر القائِمة حاليًّا وتُجَنِّب البَلدين والمِنطقة حُدوث أيَّ صِداماتٍ عَسكريّة.

مكتب السيد الصدر أصدَرَ بَيانًا رَسميًّا يقول فيه أنّ “التَّوتُّر السِّياسي بين الجُمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة والمملكة العربيّة السعوديّة يَنْعَكِس سَلبًا على العِراق ولذلك أبدى زعيم التيّار الصدري استعداده للتَّوسُّط بين إيران والسعوديّة لحَلحَلة بَعضِ الأُمور، لو تَدريجيًّا، لمَصلحة العِراق أوّلاً، والمِنطَقة ثانِيًا”.

تفسيراتٌ عديدة سادَت الأوساط السِّياسيّة في العِراق ودُول الجِوار لهذهِ المُبادَرة، تَربِطها بأجواء الحَمَلات الانتخابيّة، ومُحاوَلة التيّار الصدري وحُلفائِه تَحقيق مَكاسِب جديدة، في ظِل التَّنافُس الشَّرِس أبرَزها التَّقارُب مع التيّارين العُروبيّ والسُّنيّ على حِساب الجَبهةِ الأُخرى المُقرَّبة من إيران بِقِيادة السيد هادي العامري، زعيم الحَشد الشَّعبي الذي يَحْظَى بشَعبيّة واسِعة، ودَعْمٍ إيرانيٍّ لافِت، بسبب الدَّور الذي لَعِبَهُ في مُحارَبة “الدَّولة الإسلاميّة” وإنهاء وُجودِها في مُعظَم العِراق.

الخُبراء في دهاليز الشَّأن العِراقي والمُتابِعون بالتَّالي للحَملات الانتخابيّة، يقولون أنّ التيّار الصدري يُشكِّل تَكتُّلاً يَضُم ثلاثة أحزاب أو تيّارات رئيسيّة، الأوّل تيّار الحِكمة بقِيادة السيد عمار الحكيم، والثَّاني الكُتلة العِراقيّة بِزَعامة السيد إياد علاوي، والثالث الجَناح المُؤيِّد للسيد حيدر العبادي، رئيس الوزراء الحالي في حِزب الدَّعوة، إلى جانِب التيّار الصدري نفسه.

هذا التَّكتُّل الرُّباعي يُقيم قادَتُه علاقات قَويّة مع المملكة العربيّة السعوديّة، ويُميِّزون أنْفسهم على خُصومِهم برَغبَتِهم في الانفتاح على الدُّول العَربيّة، والخليجيّة منها على وَجه الخُصوص، وزاروا جَميعًا العاصِمة السعوديٍة الرِّياض أكثر من مَرّة، ولقوا حَفاوةً لافِتَة من قِبَل القِيادة السعوديّة، خاصَّةً السيد الصدر على عَكس الآخرين، وأبرزهم السيدين نوري المالكي، والعامري اللذين لم يَزورا المملكة، ولم يَلْقَيا أيَّ تَرحيبٍ من قِيادَتِها.

القِيادة السعوديّة عَمِلت في المُقابل على إجراء مُراجعة جذريّة لسِياستها نحو العِراق في العامَين الماضِيين، وقرّرت التخلِّي عن سِياسات المُقاطَعة السَّابِقة، وتَبنِّي أُخرى انفتاحيّة، تَمثَّلت في إعادة فَتح سَفارَتها في بغداد، وسَحب السفير “المُشاكِس” ثامر السبهان الذي تَبنّى مَواقِف طائِفيّة مُعادِية للأشقاء الشِّيعة العِراقيين، وأرسَلت مُنتَخبها الكَروي للَعب مُباراة في البَصرة مع نَظيره العِراقي قبل شهر، وَسَط حُضور جماهيري واهتمام إعلامي كبيرين، وتَعهّدت السُّلطات السعوديّة بإهداء استاد كَروي للشَّعب العِراقي يُقام على نَفقَتِها الخاصّة كبادِرة حُسن نِيّة، وهي خَطوة لم تَحْظَ بِتَرحيبٍ من الطَّرف الآخر المُعارِض لأيِّ نُفوذٍ سُعوديٍّ في العِراق، وقُوبِلت بالشُّكوك والتَّشكيك وامْتَلأت مواقع التواصل الاجتماعي العِراقيّة بِحَملات شَرِسة وصلت إلى درجة المُطالَبة بإطلاق اسم السيد الخميني، قائِد الثَّورة الإسلاميّة في إيران، على هذا المَلعب الرِّياضي نِكايةً بالسعوديّة وحُلفائِها.

في ظِل هذهِ الأجواء المَشحونة، ووقوف السعوديّة في الخَندق الأمريكي المُعادي لإيران ومِحور المُقاومة الذي تتزعَّمه، ودَعمِها لقرار الرئيس الأمريكي المُتوقَّع للانسحاب من الاتّفاق النَّووي الإيراني أثناء المُراجَعة الدوريّة له، ويا للمُفارقة يوم 13 آيار (مايو) المُقبِل، أي بعد يَومٍ واحِد من إجراءِ الانتخابات العِراقيّة، تأتي مُبادرة السيد الصدر هذهِ بَحْثًا عن مُصالَحة سُعوديّة إيرانيّة أو لتَخفيف حِدّة التَّوتُّر كحَدٍّ أدنى.

لا نَعتَقِد أنّ فُرَص نجاح هذهِ المُبادَرة قَويّة، ليس لأنّها تأتي في تَوقيتٍ غير مُناسب، وإنّما أيضًا لأنّ التَّصعيد الأمريكي السعودي سِياسيًّا وإعلاميًّا وعَسكريًّا ضِد إيران ومِحوِرها يَبْلُغ قِمّته هذهِ الأيّام، مُضافًا إلى ذلك أنّ السيد الصدر يَقِف في المُعسكَر الآخر المُواجِه لحُلفاء إيران في العِراق.

السُّلطات الإيرانيّة، وعلى لِسان كل من السيد حسن روحاني رئيس الجمهوريّة، ومحمد جواد ظريف، وزير الخارجيّة، رحّبت دائِمًا بالحِوار مع المملكة العربيّة السعوديّة لتَسوية كل المَشاكِل العالِقة، وهو تَرحيبٌ لم يَلْقَ أيَّ تَجاوبٍ، ولكن الحَديث عن الحِوار شَيء، والمُمارسات على الأرض شَيءٌ آخر، فالبَلدان يَخوضان حُروبًا بالإنابة ضِدَّ بَعضِهما البعض في اليمن وسوريا، وربّما في المُستَقبل المَنظور على الأرضِ العِراقيّة إذا استمرّت حالة الاستقطاب والصِّراع على النُّفوذ الحاليّة.

السيد الصدر الذي يُوصَف بأنّه أحد أبرز صانِعي “المُلوك” على السَّاحةِ العِراقيّة، ويُشكِّل تيّاره “بيضة القبان” في اختيار رئيس الوزراء ورئيس الجمهوريّة، ونُوّابِهما، مِثلما حَصَلَ في الانتخابات السَّابِقة، أقدم على المُبادرة للوَساطة، وألقَى في الوَقتِ نَفسِه صَخْرةً كَبيرةً في مُحيط مِنطقة أمواجها عاتِية، ومِن الصَّعب تَوقُّع، وفي ظِل هذين الوَضعين، العِراقي والعَربي، نَتائِج كبيرة، والله أعلم بِمَا في الصُّدور.