الخميس 26 نيسان 2018

أخبار عربية

لماذا تَحوَّل مُستَقبل عِفرين إلى أزمَةٍ وتَلاسُن بين الحَليفين الاستراتيجيّين الرُّوسي والتُّركي؟

لماذا تَحوَّل مُستَقبل عِفرين إلى أزمَةٍ وتَلاسُن بين الحَليفين الاستراتيجيّين الرُّوسي والتُّركي؟

راي اليوم

التاريخ ,

التَّلاسُن الحاصِل هذهِ الأيّام بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ووزير الخارجيّة الروسي سيرغي لافروف حول مُستَقبل مدينة عِفرين، يُثير حِيرةِ الكَثير مِن المُراقِبين، ونَحن من بينهم، ليس لأنّه يأتي في التَّوقيت الخَطأ، أي في ذَروة التَّهديدات الأمريكيّة لضَرب سورية، والتَّهديدات الرُّوسيّة بالرَّد، وإنّما لأنّ البَلدين يَجْمَعُهما تحالفٌ استراتيجيٌّ وَثيق، ولم تَمْضِ إلا أيّامٌ مَعدودةٌ على اجتماع قِمّة أنقرة الثُّلاثيّة التي كَرّست هذا التَّحالُف وعَزّزَته.

الأزمة بَدأت عِندما صَرّح لافروف بأنّ الطَّريق السَّريع لتَطبيع الأوضاع في عِفرين هو قِيام تُركيا بِتَسليمِها إلى السُّلطات السُّوريّة الشَّرعيّة، الأمر الذي أغضَب الرئيس أردوغان، الذي انتَقد هذهِ التَّصريحات بِشَكلٍ قاسٍ، وقال “أنّه سَيُعيد المَدينة إلى سُكَّانِها الأصليين عِندما يَحين الوَقت المُناسِب، ولكن تركيا، وليس لافروف الطَّرف الذي يُحدِّد هذا الوَقت”، دون أن يُحَدِّد من هُم هؤلاء السُّكّان، ومَتى وكيف سيُعيدها إليهِم.

رَدَّة فِعل الرئيس أردوغان هذهِ، والصِّيغة الغَاضِبة التي اتّسمت بِها، تُثير العَديد من علامات الاستفهام، حول طبيعة العَلاقة الرُّوسيّة التُّركيّة هذهِ الأيّام، والتَّطوُّرات الآنيّة الجَديدة التي يُمكِن أن تكون طَرأت عليها ودَفعت الرئيس أردوغان إلى هذا التَّصعيد، فهَل قرَّر الرئيس التُّركي الانسحاب من الحِلف الثُّلاثي الذي يَجمَعُه مع روسيا وإيران والعَودة بالتَّالي إلى المِظلّة الأمريكيّة في ظِل مَوقِف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تَوجيه ضَربات صاعِقة لسُورية، وتَزايُد احتمالات الصِّدام مع القُوّات والقَواعِد الرُّوسيّة المَوجودة على أرضيها في طرطوس (بَحريّة) وحميميم (جَويّة)؟

لا نعتقد أنّ المَوقِف الرُّوسي تُجاه مَدينة عِفرين ومُستَقبلِها يتناقَض مع أقوال للرئيس أردوغان أكّد فيها أنّ قُوّاته التي دَخلت المَدينة، وطَردت قُوّات الحِماية الشعبيّة الكُرديّة مِنها، ليست قُوّة احتلال، ولا تُريد البَقاء في المَدينة بعد إنجاز مُهمّتها في القَضاء على القُوّات “الإرهابيّة” الكُرديّة، فلولا الدَّعم الرُّوسي المُباشِر لهذهِ الخُطوة التركيّة الذي تَمثّل في سَحب القُوّات الروسيٍة مِنها، وفَتح أجواء المِنطقة للطَّيران التُّركي، لما حقّقت القُوّات التُّركيّة إنجازَها في السَّيطرة على المَدينة وقتل أكثر من 3500 من المُقاتِلين الأكراد الذين يَحمون الحُكم الذَّاتي فيها، وهذا الدَّعم الرُّوسي يُعطِي السُّلطات الروسيّة الحَق في أن يكون لهم رأي فيما يَتعلّق بمُستَقبَل المَدينة كحَد أدنى.

الرئيس أردوغان يُواجِه أخطارًا مُتعدِّدة هذهِ الأيّام، الأمر الذي يتطلّب تَقليص عَدد الأعداء، وزِيادة عَدد الأصدقاء، والحِفاظ على الحُلفاء وعلى رأسِهم روسيا، أو هكذا نعتقد في هذهِ الصَّحيفة “رأي اليوم”، التي تتمنّى نَجاح التِّجرِبة التركيّة، وإعادة التَّقارُب بين الجارَين التُّركي والسُّوري، لِما في ذلك من مَصلحةٍ للعالَمين العَربيّ والإسلاميّ.

تُركيا تُواجِه ظُروفًا اقتصاديّة صَعبة هذهِ الأيّام في ظِل ضُغوط أُوروبيّة وإقليميّة، ولم تَجِد سَبيلاً إلى تجاوزها، وإنقاذ، أو تحصين الاقتصاد التُّركي، إلا روسيا وإيران، حيث تتطلّع إلى زِيادة حَجم التَّبادُل التِّجاري مع الأولى من 30 مِليارًا إلى ما قيمَتُه مِئة مِليار دولار سَنويًّا، ومع الثانية من عَشرة مِليارات إلى ثلاثين مِليارًا سَنويًّا على الأقل في غُضون أعوامٍ مَحدودَة.

قِيمَة اللِّيرة التركيّة انخفضت إلى أدنى مُستوياتِها هذهِ الأيّام (4.20 ليرة مُقابل الدُّولار)، ومُؤشِّر أسهم بُورصَة إسطنبول انْخفَض بِنِسبَة 2.5 في المِئة يوم أمس، واتّهم الرئيس أردوغان أعداء تٌركيا بالوُقوف خلف هذهِ المُؤامَرة، ومُواجَهة هذهِ المُؤامَرة لا يُمكِن أن يَتِم بِدون دَعم الحُلفاء الرُّوس والإيرانيين، وربّما السُّوريين والعِراقيين لاحِقًا.

عِفرين مَدينة سُوريّة، والمُطالَبة بِعَودتها إلى السِّيادة السُّوريّة، ليس جَريمة، ولا خَطيئة، تَستحِق الغَضب، وانفجار أزمة بين حَليفين استراتيجيّين بسبب تَصريح عابِر، إلا إذا كانت هُناك أسباب ما زالت خافِية عَلينا وغَيرنا، ونَتمنّى على الجانِب التُّركي تَوضيحَها.