الثلاثاء 18 كانون أول 2018

أبحاث ودراسات

حرية المرأة والرجل

حرية المرأة والرجل

آمنة السكافي - مدير مركز المفتي جلال الدين الثقافي.

التاريخ ,

المرأة والرجل في ميزان الإسلام جناحان لا تقوم حياة الإنسانية ولا ترقى إلا في ظل عملية تنسيق ومواءَمة بينهما، فالله خلق المرأة للمهمّة ذاتها التي خلق من أجلها الرجل (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)، وأناط السعادة بتحقيق كل من الرجل والمرأة لهذه المهمة، والتعاسة والشقاء بالإعراض عنها، ﴿فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى، ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً، ونحشره يوم القيامة أعمى﴾. 

فقد ألزم الإسلام المرأة والرجل بالعبودية لله الواحد الأحد في صورة الخضوع لمنهجه ودينه، وهذه العبودية هي أعظم مراتب الحرية. والإنسان من خلال توجهه لله وعبادته له، يتحرر من كل سلطان، فلا يوجّه قلبه ولا يطأطئ رأسه إلا لخالق السموات والأرض، فما الشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب إلا مخلوقات معبّدة مربوبة خلقها الله لمنفعتنا لا لنعبدها. وكذلك يحرر الإسلام الإنسان من سيطرة الهوى وسلطان الشهوة، فيوطّن ضميره ودخيلته على سلطان الشرع ويطرد سلطان الهوى إذا عارضه؛ ﴿وأما من خاف مقام ربِّه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنّة هي المأوى﴾.

إن الخضوع لمخلوقات أو لمناهج ونظم وأفكار... تتوافق مع هوى النفس وشهواتها بعيداً عن ضوابط التشريع الإلهي إنّما هي حرية جوفاء مزورة، بل هي العبودية المذلّة والمُهينة، التي تخرج الإنسان من حقيقته الإنسانية والوجوديّة إلى البهيميّة. إنّ الحريّة الحقيقية هي المضبوطة في صورة العبودية لله، ولا يمكن للبشرية أن تتحرر وتستشعر سعادة الحرية إلا بهذه العبودية.

إن الحرية الغربية التي يريدنا دعاة التقدّم والتحرر والمساواة المزعوم أن نمضي إليها هي كلمة رنانة فارغة من مضمونها الحقيقي، ويفسرها كل قوم بحسب ما يشتهون، وهي صنعة نادى بها الصهاينة لتحطيم المجتمعات الإنسانية. إذ الحرية بغير مضمون وبغير ضوابط وبلا حدود تنقلب إلى سلاح فتاك يعصف بأمن الناس وحريتهم الحقّة، وقد سطّر البروتوكول الأول من بروتوكولات حكماء صهيون ما يؤكد ذلك بقولهم: (لقد كنا أول من صاح في الشعب فيما مضى "بالحرية والإخاء والمساواة"، تلك الكلمات التي راح الجهلة في أنحاء المعمورة يرددونها بعد ذلك دون تفكير أو وعي...، إن نداءَنا "بالحرية والمساواة والاخاء" اجتذب إلى صفوفنا من كافة أركان العالم، وبفضل أعواننا، أفواجاً بأكملها لم تلبث أن حملت لواءَنا في حماسة وغَيرة، وكانت هذه الكلمات في ذلك الوقت تسيء إلى الرخاء السائد لدى المسيحيين، وتُحطم سلمهم وعزيمتهم ووحدتهم، عاملة بذلك على تقويض دعائم الدولة، وأدى ذلك إلى انتصارنا).

إن هذه الحرية التي مهّد لها وأرادها شياطين اليهود لا يمكن أن تحقق للمنادين بها والساعين إليها إلا مزيداً من الحيرة والضياع والتفكك والانحلال والمادية المفرطة. أمّا الحرية التي جاء بها الإسلام، وهي التي جاءت معنْوَنة باسم العبودية لله فهي الحرّية الحقّة التي ثبت صلاحها، بل إن الحريّة في الأديان المحرّفة خير من هذه الفوضى التي جاء بها التقدميون العلمانيون واللادينيون، وهي أخشى ما يخشاه اليهود. يقول البروتوكول الرابع من بروتوكولات حكماء صهيون: (الحريّة قد لا تنطوي على أي ضرر، وقد توجد في الحكومات وفي البلاد دون أن تسيء إلى رخاء الشعب، وذلك إذا قامت على الدين والخوف من الله والإخاء بين الناس المجرد من فكرة المساواة التي تتعارض تماماً مع قوانين الخليقة، تلك القوانين التي نصت على الخضوع. والشعب باعتناقه هذه العقيدة سوف يخضع لوصاية رجال الدين ويعيش في سلام، ويسلِّم للعناية الإلهية السائدة على الأرض، ومن ثمَّ يتعيّن علينا أن ننزع من أذهان المسيحيين فكرة الله والاستعاضة عنها بالأرقام الحسابية والمطالب المادية).

ليس هناك مجال في الإسلام كي يظلم الرجل المرأة، لأن الرجل لا يحكم بهواه، بل هو محكوم بشريعة الله كما أن المرأة محكومة بشريعة الله، وحين يحكم أي منهما بهواه فقد ظلم واعتدى وعصى. وتحقيق الخير في المجتمع الإسلامي يتوقف على فقه الشريعة التي تحكم الرجل والمرأة، ثم تنفيذ هذه الشريعة في حالة رضى الطرفين أو عدم رضاهما. لقد خلق الله الرجل والمرأة من نفس واحدة ليقوما بمهمة واحدة هدفها إعمار الكون، ولتحقيق مراد الله من خلق الإنسان على الأرض جعل للمرأة دوراً لا يمكن للرجل القيام به، وللرجل دوراً لا يمكن للمرأة أن تقوم به وإلا فلن يكون هناك معنى لخلق جنسين مختلفين، ولتحقيق ميزان دقيق للحياة أنزل الله الشريعة التي تحدد الخطوط العريضة لبناء الحياة على أسس متينة، والحرية تعتبر دعامة أساسية من الدعائم التي يبنى عليها المجتمع الإسلامي لتصنع المرأة الحرّة فيه جيلاً واعياً كريماً يستطيع تحمل تبعات الرسالة التي تخرج الناس من الظلمات إلى النور، فالحرية للرجل والمرأة لا تكون إلا بمبادئ الإسلام العظيم دون غيره.