الجمعة 24 أيار 2019

أبحاث ودراسات

معاداة السامية بدعة صهيونية

معاداة السامية بدعة صهيونية

خاص - قسم التحرير lampress

التاريخ ,

بسبب أفعالهم المشينة وإنسانيتهم المعدومة عاش اليهود سنين طويلة من الاحتقار والعزلة في أوروبا، حتى تمكنوا من السيطرة على مراكز القرار في العالم عن طريق الأموال الضخمة التي امتلكوها والطرق الملتوية التي يشتهرون بها. بعد ذلك اخترع اليهود بدعة "معاداة السامية" لتكون لهم حصناً وسياجاً يحمي انجازاتهم ومكاسبهم التي حققوها فيحاسب ويحاكم كل من يقترب من ذلك الحصن. وتكون تلك البدعة سوطاً مسلطاً على كل من تسول له نفسه توجيه أي نقدٍ أو اتهامٍ لكل من ينتمي للديانه اليهودية في العالم مهما كان منصبه أو إلى أي جهة ينتمي.

وكلمة السامية تعود إلى سام بن نوح عليه السلام، وقد نقل الإمام ابن كثير في كتاب البداية والنهاية عن سعيد بن المسيب أنه قال: "ولد نوح ثلاثة؛ سام ويافث وحام، وولد كل واحد من هذه الثلاثة ثلاثة، فولد سام العرب وفارس والروم، وولد يافث الترك والسقالبة ويأجوج ومأجوج، وولد حام القبط والسودان والبربر".

إنّ إطلاق تسمية "معاداة السامية" على كراهية اليهود، هو إطلاق خاطئ ومقصود، لأنه يعني أن الانتماء إلى الجنس السامي الذي يراد احتكاره من اليهود، بينما الشعوب السامية أي المنحدرة من سام بن نوح عديدة، ومنها الشعب العربي. واللغات السامية هي التي تنطق بها مجموعة من الشعوب التي استوطنت أساسا بلاد الرافدين، وبلاد الشام، وشبه الجزيرة العربية، والحبشة، وشمال إفريقيا. وهم السومريون، والآشوريون، والبابليون، والإيبلاريون، والكنعانيون (ومنهم الفلسطينيون)، والفينيقيون، والأراميون، والسورياليون، والعبرانيون (ومنهم اليهود)، والأنباط، وجميع الشعوب العربية في مشرق العروبة ومغربها. واللغات السامية من أقدم لغات العالم وتعني ضمن محتوياتها العديدة اللغة العبرية واللغة العربية معا. إذن فليس اليهود وحدهم هم الساميون، وقصْرُ نعت السامية على اليهود نعت مضلِّل.

ولكن هل يهود اليوم من أبناء سام بن نوح؟ لايشك أحد أن يهود هذا القرن لاينتمون لا من قريب ولا من بعيد إلى يهود التوراة الذين كان مستقرهم المنطقة العربية، لذا فان من الخطأ استعمال البعض لفظ أن اليهود هم من أبناء عمومتنا. وذلك لأنه لا علاقة بين يهود الوقت الحاضر وبين يعقوب عليه السلام أو إبراهيم عليه السلام أو سام ابن نوح عليه السلام، وليس لهم كذلك أي علاقة بالأسباط الأثني عشر الذين تفرع منهم اليهود القدامى. فهناك كثير من القبائل التي اعتنقت اليهودية كدين مثل القبائل العربية والرومانية والفارسية والخزرية والأفريقية ...الخ. وليسوا كل هؤلاء من ذرية سام بن نوح عليه السلام علاوة على اختلافهم بالأعراق والأنساب. ومع هذا، ينصرف مصطلح (معاداة السامية) إلى اليهود دون سواهم!!.

وبالرغم من إصرار الصهيونية على ادعائها بنقاء العرق اليهودي إلا ان كثيرا من مفكري الصهيونية يدركون واقعياً عبث وخطأ مثل هذا الطرح. فالمفكر اليهودي "يوسف حاييم برنر" يقول: "كل ما نعرفه عن حياتنا يشير إلى ان الجماهير اليهودية ليس لها السمة الاجتماعية بالمعنى السوسيولجي، ونحن لسنا شعبا مترابط الأجزاء". فمن المؤكد أن اليهود الحاليين في غالبهم ينتسبون إلى يافث ثالث أبناء نوح وأنهم من أصل أوروبي شرقي من قبائل الخزر التركية المنغولية التي كانت تعيش في أواسط آسيا.

وقد نشر آرثر كوستلر؛ الكاتب اليهودي الذي تخلّى عن الحركة الصهيونية، كتباً أثارت ضجة في الأوساط اليهودية والصهيونية عند صدورها. فقد أشار فيها إلى عدم صحة القول بوجود تراث حضاري يهودي مشترك... ونفى أصل اليهود اليوم إلى السامية ويرجع بأصولهم إلى إمبراطورية الخزر اليهودية، فهم مختلفون عرْقياً وثقافياً عن العبرانيين القدامى. بل ويهدم كوستلر الاعتذارات العرْقية والإثنية لنظرية الحقوق الصهيونية التي ترى أن فلسطين من حق اليهود بسبب أصولهم السامية، أو بسبب تماسكهم الثقافي عبر التاريخ والتفافهم حول فلسطين كمركز للهوية الثقافية اليهودية.

والذين يتابعون دراسة العناصر اليهودية المختلفة والتي تتكون منها شعوب الكيان الإسرائيلي يدرك أنهم يختلفون انثربولجيا عن يهود التوراة، حيث ان هؤلاء لم يتبقى منهم إلا بقايا السامريون في نابلس، وهم أصغر فرقة دينية في العالم إذ لا يتجاوز عددهم 600 شخص وهم بنو إسرائيل الأصليون، ويقيمون في فلسطين منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام. فلا قرابة بين العرب الساميين واليهود الخزر المنغول الآسيويين، ولا توجد أية صلة قرابة بين العرب واليهود الذين هم أوروبيون سلاف أو آريون أكثر منهم ساميون وهذا يصدق على كل الطوائف اليهودية الذين يكونون شعوب الكيان الإسرائيلي الغاصب حاليا والذين جاءوا من أكثر من اثنتين وسبعين دولة ولا يؤلفون جنساً واحداً إنّما مجموعة أجناس وأخلاط وأنّه من الخطأ القول بوجود جنس يهودي وإلا كيف يجمع بين يهود الفلاشا من الحبشة ويهود التاميل في الهند ويهود الصين والتركستان وكردستان واليمن وبولندا أو غيرها من يهود العالم.

إن هدم النظرية القائلة بانتساب اليهود الحاليين إلى يعقوب عليه السلام ومن قبله سام بن نوح عليه السلام وتعرية انتمائهم الحقيقي يُعدّ من أهم المرتكزات التي يجب أن يبنى عليها محاربة دعوى معاداة السامية التي يستخدمها اليهود لمعاقبة خصومهم أو من يعترض طريقهم.

لقد استغل اليهود القوانين الدولية بتجريم انتقاد الأعراق أتم استغلال، فادعوا بأنهم الوحيدين المنتسبين لسام بن نوح وبذلك حولوا العداء لليهودية إلى عداء للسامية، وذلك لان عداء اليهود مستساغ عند كثير من مجتمعات العالم بسبب فسادهم وخبثهم، والتهمة بعداء اليهود قد يعطي انطباعاً بأن العملية من صنع اليهود وهم مشهورون بالمكر والدهاء، أما معاداة السامية فهذا مصطلح قد يمرر على الكثير دون الانتباه على ان اليهود هم من وراءه أو المستفيد الوحيد منه، وخاصة أن ظهور مصطلح معاداة السامية كان في ألمانيا نهاية القرن التاسع عشر لتمييز العرق الآري الألماني عن بقية الأعراق ومنها العرق اليهودي السامي حسب زعمهم، ومن ثمّ انتقلت كحركة لمعاداة اليهود من ألمانيا إلى بقية دول أوروبا وروسيا والولايات المتحدة الأمريكية.

وكمثال صارخ على استخدام سلاح معاداة السامية والتلويح به تهديدُ الصهيوني النمساوي "أريل موزيكانت" للسياسي النمساوي المعروف "يورغ هايدر"، حيث انتقد موزيكانت بشدة من أسماهم بالمعاديين للسامية، وهو يقصد هايدر، الذين يُحمّلون إسرائيل مسئولية إشعال نار الحرب في لبنان ويطالبون بقطع علاقات النمسا مع إسرائيل. وذلك لأن هايدر السياسي النمساوي قد انتقد إسرائيل في استمرار اعتداءها على لبنان واستهداف المدنيين ومرافق الخدمات العامة والجسور وقصف مراكز الأمم المتحدة في عدوان 2006.

ووصل شيوع هذا المصطلح والتمادي في استخدامه إلى بلداننا العربية والتي من المفترض أن تكون الجبهة الأولى في التصدي للمشروع الصهيوني، فقد أقام يهودي مغربي عام 2010م دعوى قضائية في مدينة الصويرة ضد شبان من أعضاء الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، يتهمهم أنهم مناهضون للسامية، وذلك في سابقة هي الأولى من نوعها، وعلى خلفية قيامهم أثناء مشاركتهم في معسكر صيفي نظمته الجمعية وأثناء جولة سياحية جماعية في مدينة الصويرة، ومرورهم في بعض الشوارع كانوا ينشدون شعارات مساندة للشعب الفلسطيني ومناهضة لإسرائيل.

واتهم اللوبي الصهيوني في واشنطن د. داليا مجاهد عضو المجلس الاستشاري للأديان التابع للبيت الأبيض بمعاداة السامية بمجرد مشاركتها في برنامج حواري يضم عضوة في حزب إسلامي تتهمه الولايات المتحدة بمعاداة السامية.

وما قصة الفيلسوف الفرنسي روجيه جارودي الذي تعرض لحرب شعواء أدت إلى تجريمه بمعاداة السامية عبر محكمة فرنسية فقط لتشكيكه بالمحرقة اليهودية حيث عزل وتخلى عنه كل المقربين حتى وفاته. ولم يسلم مايكل جاكسون المغني الأمريكي المشهور من تهمة معاداة السامية عندما سجلت له مكالمة هاتفية واصفاً اليهود بأنهم طفيليون. ومن الذين اتهموا بمعاداة السامية أيضا فاروق حسني مرشح مصر لإدارة قسم التربية في الأمم المتحدة حيث عزا فشله في الوصول إلى هذا المنصب إلى اللوبي اليهودي، فقامت قيامة اليهود ووصفوه بأقذع وأقذر العبارات ومنها معاداة السامية.

كما اتهمت الصهيونية فالدهايم مستشار النمسا عند استلامه رئاسة النمسا بمعاداة السامية وما ذلك إلا انه عندما كان أمينا عاما للأمم المتحدة صدر قرار بان الصهيونية حركة عنصرية. ولم يسلم من الاتهام بمعاداة السامية حتى الرئيس الأمريكي باراك اوباما من قبل اللوبي اليهودي في أمريكا. هذه جملة من الأمثلة التي تبين كيفية استخدام اليهود لهذا المصطلح الخطير ولو تقصينا تلك الأمثلة لما كفتها مجلدات.

إن قذارة أفعال اليهود وخستهم تجعلهم يشعرون بأنهم مرصودون ومتابعون ومتهمون، فتراهم خائفين من كل شاردة وواردة، وهذا مصداق قول ربنا فيهم وفي كل من اقتدى بهم في الاعتداء والظلم: (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ). وإن خوفهم وهلعهم من كل شيء يدل على ان بناءهم خاوي وضعيف، وقد قال تعالى: (وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ). بخلاف الواثق من نفسه صاحب الحق كما قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء).

لقد أتقن اليهود اللعبة وحولوا باطلهم إلى حق وخدعوا الشعوب وحولوا العداء لليهود إلى عداء للسامية فغيروا المصطلحات وجعلوا اليهودية والسامية شيء واحد وأصبحت هذه الوسيلة مصدر إرهاب لكل من تسوّل له نفسه التعرض لأي شيء له علاقة باليهود، ونحن أصحاب الحق لم نستطع الدفاع عن حقنا رغم امتلاكنا كل الوسائل والإمكانات التي تمكننا من الدفاع عن هذا الحق، وما ذلك إلا لاجتماع الأمم علينا من جهة، وانتشار النفاق والمنافقين بيننا ووصول الكثير منهم لمواقع القرار في بلادنا، ولكن الغلبة ستكون للحق وأهل الحق بإذن الله، قال تعالى: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ...).