الجمعة 19 تشرين أول 2018

أبحاث ودراسات

هل ما نقع به من تخيلات جنسية حرام

هل ما نقع به من تخيلات جنسية حرام

بقلم المفتي الشيخ أحمد نصار

التاريخ ,

السؤال: سماحة المفتي أنا فتاة أبلغ من العمر اثنين وعشرين سنة، ولم أتزوج بعد، تعترضني تخيلات جنسية، أحيانا أدفعها من رأسي وأحيانا تغلبني فأتفكر فيها، وهذا يتعبني نفسيا جداً إذ لا أدري أحرام ما أقع به أم لا، أفيدوني يرحمني ويرحمكم الله؟
الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، وبعد،،،
التخيلات في عمومها جزء من الخواطر التي تطرأ على ذهن الإنسان باستدعاء من العقل الباطن نتيجة تأثير البيئة التي يعيش فيها، والمناظر التي يراها، وهي تصيب معظم البشر، وخاصة الشباب منهم، وتختلف من شخص لآخر من حيث النوع والإلحاح والتأثير. 
والإسلام دين الفطرة، وشريعته تنسجم مع الطبيعة البشرية، وتلائم التقلبات النفسية التي هي جزء من التكوين البشري، وأحكامها في حدود الممكن ولا تكليف بما لا يطاق؛ قال سبحانه: (لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنفُسَهَا مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا أَوْ يَعمَلُوا بِهِ).
والتخيلات تدخل في دائرة حديث النفس المعفو عنها بنص الحديث، فكل من تصورت في ذهنه خيالات محرمة، طرأت ولم يطلبها، أو حضرت قَسرًا ولم يَستَدْعِهَا: فلا حرج عليه، ولا إثم، وإنّما عليه مدافعتها بما يستطيع.
وأما إذا كان الشخص يتكلّف التخيلات المحرّمة، ويستدعيها في ذهنه ويستحضرها بإرادته، فقد ذهب جمهور العلماء إلى تحريم ذلك وتأثيم فاعله، اعتماداً على أن خواطر النفس إذا أصبحت عزيمة وإرادة دخلت في دائرة التكليف وانتقلت من دائرة العفو إلى دائرة التأثيم. قال النووي رحمه الله: "وسبب العفو عن حديث النفس ما ذكرناه من تعذر اجتنابه، وإنما الممكن اجتناب الاستمرار عليه، فلهذا كان الاستمرار وعقد القلب حراما.
والراجح الذي أفتي به أنّه لا حرج ولا إثم على من اعترضته التخيلات المحرمة أو استدعاها واستحضرها في ذهنه؛ وهو قول جمع من متأخري الشافعية وغيرهم ومنهم السبكي والسيوطي. لأن التخيلات ليست فعلاً ولا عزيمة على معصية، إذ قد يتخيل الإنسان في ذهنه أي صورة لفعل محرم وهو مع ذلك ليس في قلبه عزم على فعله ولا سعي إليه، بل يرفضه لو عرض عليه. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة، فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطى، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج ويكذبه)، فما يعتبر زنا هو الفعل؛ فعل النظر فعل السماع...، وأما ما يخطر على القلب فليس بفعل مؤاخذ عليه طالما لم ينتقل الأمر إلى الفعل، ولذلك قال: (ويصدق ذلك الفرج ويكذبه).
وإننا إذ نفتي بذلك دفعا للحرج عن أغلب الناس في هذا الزمان الذي انتشرت فيه مسببات اثارة الشهوة والإنحراف، نوصي الجميع؛ رجالا ونساء، ودون تحديد لفئة عمرية معينة، إذ أصبح الجميع معرضاً للفتنة والإفتتان، بالمحافظة على الأذكار وكثرة النطق بها، قال تعالى: (أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)، والإكثار من صيام الأيام المسنونة، فإنّ الصيام يضعف الشهوة ويحصن من الفتنة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ! مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ)، وصحبة الطيبة التي تعين على البرّ ولا تعين على المعصية، وغض البصر والابتعاد عن أي مسبب من مسببات إثارة الشهوة. والله نسأل العفو والعافية والسداد والهدى.