الجمعة 24 أيار 2019

أبحاث ودراسات

هكذا نرد شبهات دعاة التغريب والحريّة الزائفة

هكذا نرد شبهات دعاة التغريب والحريّة الزائفة

بقلم المفتي الشيخ أحمد نصار

التاريخ ,

يواجه المسلمون الملتزمون والدعاة سيلاً جارفاً من الحرب الإعلام والأنشطة ذات الطابع الاجتماعي والثقافي التشكيكي بأحكام الإسلام من قبل اللادينيين الداعيين إلى العلمنة والتغريب ضمن ما يسمى النظام العالمي الجديد المعادي للدين عامة والإسلام حقيقة، والمتضمن الدعوة إلى الحرية والمساواة الزائفة.

لقد جهدت أجهزة الإعلام العلمانية؛ غربيّة كانت أو عربية، في تشويه صورة الإسلام، وصوّرته على أنه دين الشهوانية والتمييز والظلم والدم والقتل، ودسّت أجهزة استخباراتهم شخصيات سياسية وثقافية واجتماعية وحتى دينية في مجتمعاتنا لتثبت صحة افتراءاتهم. كما أنهم يلجؤون إلى طرح تساؤلاتهم المسمومة وشبهاتهم المضللة بقصد إشعار شبابنا بالحرج، فيحاول بعضهم اللّف والدوران في إجاباته ويتلاعب بالأحكام الشرعية حتى يخرج من هذا المأزق كما يتصوّر!، فيصوّر مسألة الجهاد على أنّها لا تعدو أن يكون دفاعاً عن النفس فقط، وأن تعدد الزوجات مشروط بالعدل، والعدل محال لأن القرآن يقول (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم) وما عُلّق بالمحال فهو محال -على حدّ زعمه- إذاً فالتعدد ممنوع، وقد يجد في بعض المسائل رأياً شاذاً فيعتمده، أو يقول على أقل تقدير؛ المسألة مختلف فيها بين المسلمين..، المهم عنده أن يلطّف الموضوع ويخرج من الإحراج وظناً منه أنه بذلك ينصر الدين!.

إنّ هذا الإحراج يؤذي الكثير وخصوصاً من الشباب المتدين في الجامعات والمؤسسات الثقافية وغيرها، ممن لا يملك المعرفة الإسلامية الصافية ولا يدري ما المخرج منه، وقد يؤدي به ذلك إلى الإحباط أو الضعف والتفلت والإقرار، أو قد يؤدي به إلى التشدد والعنف ومن ثمّ استغلاله من مجموعات أمنيّة مجرمة بحجة الدفاع عن الإسلام، ومقصدهم حتماً غير ذاك.

ولكن لماذا علينا أن نكون مدافعين أو مبررين حين نسمع مثل هذه الشبهات؟ لماذا لا نهاجم الآخرين في أفكارهم الشاذة والمنحرفة ونكشف عوارهم؟ وقد تعلمنا من نبيّنا صلى الله عليه وسلم أنه: (ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا). فإذا سألك مجادلك أياً يكن حاله سؤالاً يشكك في الإسلام فوجه إليه عشرة تظهر فيها انحراف فكرهم وسوء انتماءاتهم وظلم وظلام منهجهم وفضائح تفككهم وصور إجرامهم ... فإذا سألك عن الجهاد في الإسلام وأنه برأيه إرهاب، فاسأله عن إرهاب السياسة الأمريكية والأمميّة في مواقع كثيرة من أنحاء العالم، والتي تقوم على التدخل الصريح والمكشوف، فضلاً عن التدخل الخفي، وما تقوم به من جرائم قتل ونهب وتستر عن المجرمين واستعباد للشعوب وبالأخص للمسلمين..

أليس قتل آلاف العراقيين وتعذيبهم وإذلالهم في السجون لتهم تبيّن لدى الرأي العام الدولي أنها زائفة ومفبركة إرهابا، أليست حربهم على أفغانستان واعتداءاتهم وتدخلاتهم في سوريا وتمويل الجماعات المسلحة إرهابا ... أليس تسليحهم للعدو الصهيوني والتستر عليه ومساندته في عدوانه بالصواريخ والقنابل والمحرمة دوليا على لبنان والفلسطينيين إرهاباً، أليس قصف المستشفيات والمدارس ومراكز توزيع الخبز والمياه وغيرها من أماكن عدة من العالم العربي والإسلامي واستشهاد مئات الألوف من المدنيين وسكوت المجتمع الدولي عن ذلك إرهابا. وماذا عن إرهاب الجماعات والمنظمات الصهيونية ضد أهلنا في فلسطين؛ من تكسير لعظام الأطفال وقنصهم، وتجويع سكان غزة، وسرقة الدور والعقارات وهدم المساجد والبيوت وطرد أهلها... كل ذلك ألا تعدونه إرهابا، وأليس الدفاع عن هؤلاء أمثال هؤلاء المجرمين إجراما وإرهابا.

وإذا سألك عن تعدد الزوجات كشبهة، فاسأله عن الإباحية الجنسيّة الصارخة والتي مزّقت المرأة والأسرة وجعلتها تحت عجلات الذل والقهر والخوف والأنانية المدمرة، واسأله عن أنظمتهم ومساواتهم الكاذبة والتي جعلت الرجل يتنصّل من مسؤولية النفقة والأبوة والرعاية للمراة، وكذلك العكس، حتى سقطت منظومة الزواج والأسرة والتناسل والتراحم، وامتلئت شوارعهم باللقطاء، ومراكز رعايتهم بالأمهات والأباء الذين لا يجدون حنانا يعينهم في كبرهم، واسأله كيف جعلوا الشذوذ حريّة فزوجوا الذكر للذكر، والأنثى للأنثى، وحتى زوجوا الإنسان من الحيوان وورثوه ...

إنّ الحكم الشرعي الثابت بالكتاب والسنة ليس من حق أحد أياً كان أن يُحوّر فيه أو يزيد أو ينقص خجلاً أو رغبة أو رهبة، والداعية حين يتدخل في الحكم نفسه فيخبر بخلاف الحق يكون خائناً للإسلام، وخائناً للمدعوين أيضاً، فليس من حقه أن يتدخل في شأن من شؤون الألوهية، وهو موضوع الحكم والتشريع. وإنّ عمل الداعي يتمحور حول إقناع المدعو بقبول الحكم، وبأن يستخدم الداعية جميع إمكاناته العقلية والعلمية، ويوظف جميع معلوماته لإثبات صحة هذا الحكم وأنه الحق، وهو جزء مهم من الدعوة ومن البلاغ. ويجب أن نغرس في نفوس مجتمعنا وخاصة الشباب الثقة المطلقة بالإسلام، بكلياته وجزئياته، بعقائده وأحكامه، وأن نَحول دون تسرّب أي شعور بالضعف أو النقص إلى نفوسهم من جرّاء الحصار الذي يحاول ضربه عليهم المتسلطين من العلمانيين.

إننا لا نقدم شيئاً ذا قيمة للإسلام إذا أوهمناهم أن الإسلام شيء قريب مما يعيشونه، وأن الحياة الإسلامية لا تختلف كثيراً عن حياتهم، وأن نظام الإسلام يشبه نظامهم، إنهم بهذا يزهدون في الإسلام ويعرضون عنه فهم هاربون من جحيم حياتهم .. وحين يتساءلون عن الإسلام أو عن غيره فإنما يبحثون عن منقذ أو مخلص. فلنعرض لهم الإسلام بتميّزه ووضوحه واختلافه الواسع العميق عن جميع ما عرفوا ويعرفون، حتى ندعوهم إلى التفكير فيه. ولنقدم لهم الإسلام من خلال منطق قوي أخّاذ، وحجة ظاهرة، وفهم عميق، ثم ليس مهماً بعد ذلك ألا يسلموا.

إن مهمتنا تنتهي عند هذا الحد، بل مهمة الرسل عليهم الصلاة والسلام تنتهي عند هذا الحد: (إن عليك إلا البلاغ)، (فإنّما عليك البلاغ وعلينا الحساب)، (فذكّر إنّما أنت مذكّر، لست عليهم بمسيطر).