الجمعة 24 أيار 2019

أبحاث ودراسات

ما حكم رفع الصوت بالصلاة على النبي بعد الأذان من المؤذنين، وهل هناك من خلاف بين العلماء في هذه القضية؟

ما حكم رفع الصوت بالصلاة على النبي بعد الأذان من المؤذنين، وهل هناك من خلاف بين العلماء في هذه القضية؟

بقلم المفتي الشيخ أحمد نصار

التاريخ ,

السؤال: سماحة الشيخ، ما حكم رفع الصوت بالصلاة على النبي بعد الأذان من المؤذنين، وهل هناك من خلاف بين العلماء في هذه القضية؟

 

الجواب: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، وبعد،، فمن السنن الواردة بعد سماع الأذان والترديد معه أن يصلي المسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، يشرع ذلك للمؤذن والسامع على السواء. فعن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليّ، فإنه من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً...)، وقد يرفع بعض المؤذنين أصواتهم بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عقب الأذان مباشرة، وهو أمر حادث لم يكن معهوداً في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا في زمن الصحابة رضوان الله عليهم. وقد ذكر السيوطي رحمه الله أن: (أول ما زيدت الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم في نهايات القرن الثامن عام إحدى وتسعين وسبعمائة للهجرة النبوية). وقد اختلف العلماء في حكمها على قولين اثنين:

فذهب جماهير الأمة رحمهم الله إلى تحريمها وأنها بدعة يجب تركها، فقال العلامة الهيتمي رحمه الله في الفتاوى الكبرى: (قد أحدث المؤذنون الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم عقب الأذان للفرائض الخمس.. ولقد استفتي مشايخنا وغيرهم في الصلاة والسلام عليه r بعد الأذان على الكيفية التي يفعلها المؤذنون، فأفتوا بأن الأصل سنة، والكيفية بدعة، وهو ظاهر).

وقال العلامة ملا علي قاري الحنفي رحمه الله في مرقاة المفاتيح: (فما يفعله المؤذنون الآن عقب الأذن من الإعلان بالصلاة والسلام مراراً، أصله سنة والكيفية بدعة؛ لأن رفع الصوت في المسجد ولو بالذكر فيه كراهة).

وقال العلامة محمد رشيد رضا رحمه الله في مجلة المنار: (ما يفعله المؤذنون في كثير من البلاد من الأذكار وغيرها قبل أذان الصبح وأذان الجمعة على المنارة كله بدع، وكذلك الصلاة على النبي r بعد الأذان متصلاً به مع رفع الصوت).

وحاصل هذا أن الأذان من شعائر الإسلام المنقولة بالتواتر من عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وكلماته معدودة في كتب السنة وكتب الفقه ومجمع عليها بين أئمة المسلمين من أهل السنة والجماعة، وأما زيادة الصلوات والتسليمات في آخره فهي من بدع المؤذنين المتأخرين.

واستدل جماهير أهل العلم على بدعية رفع الصوت بالصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الأذان من المؤذنين بأدلة منها:

أولاً: أن هذا لم يأت به دليل شرعي يأمر به، ولم يفعله المؤذنون على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، والعبادة مبناها على التوقيف والاتباع، لا الإباحة والابتداع.

ثانياً: أن هذا الفعل تغيير في هيئة الأذان وزيادة فيه لم يأت بها الشرع، فمع مرور الزمن وتعاقب الأيام يعتقد العامة أن هذا من الأذان، وقد كان. وكل ما لم يأت به الشرع في باب العبادة فهو بدعة محدثة مردودة على صاحبها قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد).

ثالثاً: أن الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم من الذكر المشروع الذي جاءت به الشريعة وأمرت به بعد الأذان، والأصل في الذكر أن يكون خفياً ولم يأت ما يدل على رفع الصوت به في هذا الموضع، فيبقى على الأصل من الإسرار به، والأصل بقاء ما كان على ما كان، ولا يغير إلا بدليل يدل عليه ولا دليل هنا.

وذهب بعض الفقهاء المتأخرين إلى استحبابها بهذه الكيفية، منهم العلامة علاء الدين الحصكفي، والإمام السخاوي، والعلامة الصاوي، والعلامة محمد بخيت المطيعي، والعلامة وابن عابدين، والإمام الدسوقي، وغيرهم من فقهاء المذاهب.

قال العلامة الحصكفي في الدر المختار: (التسليم بعد الأذان حدث في ربيع الآخرة سنة سبعمائة وإحدى وثمانين في عشاء ليلة الاثنين، ثم يوم الجمعة بعد عشر سنين حدث في الكل إلا المغرب ثم فيها مرتين، وهو بدعة حسنة).

وقال الإمام السخاوي بعد ذكر هذا الإحداث وزمانه في كتابه القول البديع: (والصواب أنه بدعة حسنة يؤجر فاعله بحسن نيته).

وقال الإمام الدسوقي رحمه الله في حاشيته على الشرح الكبير: (أما الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الأذان فبدعة حسنة).

قال العلامة محمد بخيت المطيعي رحمه الله في كتابه أحسن الكلام: (وأما زيادة الصلاة والسلام عقب الأذان عليه صلى الله عليه وسلم ... لا يلزم من ذلك أن فعلهما بدعة مذمومة شرعاً بل فعلها كذلك سنة حينئذٍ).

واستدلوا على استحباب هذه الكيفية والأمر بها من وجهين اثنين:

الأول : أن رفع الصوت بالصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الأذان داخل في الأمر بالصلاة والسلام عليه في قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا). قالوا أن الأمر هنا مطلق يتحقق الامتثال بأي صورة من صور الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ولا فرق في ذلك بين السر والجهر وبين مكان ومكان وزمان وزمان، وبين أن يكون عقب الأذان أو لا، وعلى المنارة وغيرها، فإن كل ذلك داخل تحت الأمر المطلق في الآية.

الثاني: أن هذا الفعل وإن كان محدثاً إلا أنه بدعة حسنة إذ ليس كل البدع مذمومة.

والراجح لدي أن الصلاة على النبي برفع الصوت بعد الأذان بدعة، ولكن لا نقر بأن نتهم الآخرين أنهم مبتدعة وضلال منحرفون وخاصة أن لديهم دليلهم وقال بذلك علماء أجلاء مشهود لهم بقدرهم وفقههم.

والله أجل وأعلم