الخميس 23 أيار 2019

أبحاث ودراسات

هل أوصى الرسول بالخلافة لعلي؟

هل أوصى الرسول بالخلافة لعلي؟

خاص - lampress

التاريخ ,

مما لا شك فيه أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يقل في حياته ما يستفاد منه أنه أوصى أو عهدَ لعلي أو غيره من آل بيته عليهم السلام أو لاحد قرابته بالخلافة من بعده.
ويؤكد هذا القول تأكيداً جازماً الحوار الذي جرى بين عمّ النبي صلى الله عليه وسلم العباس وعلي رضي الله عنهما أثناء مرضه صلى الله عليه وسلم.
ففي صحيح الرواية عن ابن عباس أن عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في وجعه الذي توفي فيه، فقال الناس: يا أبا الحسن كيف أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: أصبح بحمد الله بارئاً، فأخذ بيده العباس بن عبد المطلب فقال له: أنت والله بعد ثلاث عبد العصا، وإني والله لأرى رسول الله صلى الله عليه وسلم سوف يتوفى من وجعه هذا، إني لأعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت. اذهب بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلنسأله فيمن هذا الأمر، إن كان فينا علمنا ذلك، وإن كان في غيرنا علمناه، فأوصى بنا، فقال علي: إنا والله لئن سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعناها لا يعطيناها الناس بعده، وإني والله لا أسألها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

هذا الحوار يسجل لنا الحقائق الآتية:
1- الزمن الذي جرى فيه، وهو إبّان المرض الذي توفي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
2- أنه صلى الله عليه وسلم وطول حياته قبل هذا الحوار لم يقل شيئًا يستفاد منه تصريحا أو تلميحا أن الخلافة لعلي، إذ لو كان شيء من هذا، لَذكره علي للعباس رضي الله عنهما، ولو كان هناك شيء يعلمه العباس لما تعرض لعلي يطلب منه ما طلب.
3- ويستفاد أيضًا أنه صلى الله عليه وسلم لو ذكر شيئاً يتعلق بهذا الشأن بعد حوار العباس مع علي لانتشر وتناقله الناس، وبخاصة أن النفوس متطلعة لما يقوله صلى الله عليه وسلم في الساعات الأخيرة من حياته.
4- ولو أسدلنا الستار على حوار العباس هذا مع علي رضي الله عنهما لوجدنا من النصوص الصحيحة الأخرى ما يؤكد غير ما رغب به رضي الله عنه.
فقد روى عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي البيت رجال، فيهم عمر بن الخطاب قال النبي صلى الله عليه وسلم: "هلم أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده" فقال عمر: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت فاختصموا، منهم يقول: قربوا يكتب لكم النبي صلى الله عليه وسلم كتابا لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر. فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند النبي صلى الله عليه وسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "قوموا دعوني، فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه" وأوصاهم بثلاث قال: "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم" ونسي ابن عيينة - راوي الحديث - الثالثة.
وهذا الحديث يؤكد أن الكتاب لم يكتب، سواء أكان يتعلق بشأن الخلافة، أم بغيرها. بل هناك ما يؤكد أنه صلى الله عليه وسلم كان عزم على كتابة عهد، ثم ترك الكتابة من تلقاء نفسه، دون أن يثنيه عن عزمه أحد.

فعن القاسم بن محمد قال: قالت عائشة: وارأساه، .... فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "بل أنا وارأساه، لقد هممت - أو أردت - أن أرسل إلى أبي بكر وابنه وأعهد، أن يقول القائلون، أو يتمنى المتمنون. ثم قلت: يأبى الله ويدفع المؤمنون، أو يدفع الله ويأبى المؤمنون".

وذكر القسطلاني أن الخليفة العباسي المأمون أراد أن يجعل الخلافة في بني فاطمة، فاتخذ لهم شعارا وألبسهم ثيابًا خضرًا، ثم انثنى عزمه عن ذلك، فبقي ذلك اللباس شعارا لهم، ولكنهم اختصروا ذلك إلى قطعة خضراء توضع على عمائمهم. ثم انقطع ذلك إلى أواخر القرن الثامن في سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة فقد أمر السلطان الأشرف بن قلاوون أن يمتازوا عن الناس بعصائب خضر على العمائم، ففعل ذلك بمصر والشام وغيرهما.
وهذا التميّز في اللباس، أمر ما كان ينبغي لهم أن يوافقوا عليه، لمخالفته للقواعد العامة في الإسلام، فما كان صلى الله عليه وسلم متميزًا على أصحابه في شيء، حتى إن القادم إلى مجلسه ليسأل: أيكم ابن عبد المطلب؟ وما كان علي وأبناؤه - وهم الملتزمون بسنته صلى الله عليه وسلم - يتميزون على الناس في شيء إلا كثرة الأعمال الصالحة.
نعم: لقد خصهم - اي آل البيت- 5الله تعالى بمزية، وهي حرمانهم من مال الصدقة، وذلك تكريمًا لهم لأنها أوساخ الناس، كما قال صلى الله عليه وسلم.
وهذا يعني دفعهم إلى العمل والعطاء حتى يكونوا إيجابيين في الحياة، يدهم العليا، إذ اليد العليا خير من اليد السفلى كما قال صلى الله عليه وسلم.
وبهذا يكون تميزهم بأعمالهم الخيرة الممتدة حولهم في الحياة الدنيا، وكذلك أعمالهم في العبادة التي تنعكس آثارها على أجسامهم ووجوههم، وبهذا يكونون قدوة للناس ويظلون في مكان الريادة الذي هو مكانهم. وبهذا لن يكونوا بحاجة إلى لباس أو طراز يميزهم كما قال الشاعر:
جعلوا لأبناء الرسول علامة
                       إن العلامة شأن من لم يشهر
نور النبوة في كريم وجوههم
                   يغني الشريف عن الطراز الأخضر

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله عزَّ وجلَّ: ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾ قال: "يا معشر قريش - أو كلمة نحوها - اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئًا.
يا بني عبد مناف، لا أغني عنكم من الله شيئًا.
يا عباس بن عبدالمطلب، لا أغني عنك من الله شيئًا.
ويا صفية عمة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئًا.
ويا فاطمة بنت محمد، سليني ما شئت من مالي، لا أغني عنك من الله شيئًا".

وفي رواية:
"يا بني كعب بن لؤي، أنقذوا أنفسكم من النار.
يا بني مرة بن كعب، أنقذوا أنفسكم من النار.
يا بني عبد شمس، أنقذوا أنفسكم من النار.
يا بني عبد مناف، أنقذوا أنفسكم من النار.
يا بني هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار.
يا بني عبدالمطلب، أنقذوا أنفسكم من النار.
يا فاطمة، أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئًا، غير أن لكم رحمًا سأبلها ببلالها".

وفي رواية:
"يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم من الله ضرًا ولا نفعًا..".

وقال صلى الله عليه وسلم: "من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه".

فلم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم عين الإمام أو الخليفة من بعده، أو أوصى بالخلافة صراحة لأحد معين،  ولكنه صلى الله عليه وسلم أراد أن يكتب الخلافة لأبي بكر كما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه:ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب كتابا فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل أنا أولى، ويأبي الله والمؤمنون إلا أبا بكر.

وقد استنبط الصحابة من تقديم النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر ليصلي بالناس في مرضه الذي توفي فيه، أحقية أبي بكر بالخلافة فاختاره المسلمون لدنياهم بما أن الرسول صلى الله عليه وسلم اختاره لدينهم.

وقد ثبت ذلك عن علي رضي الله عنه كما روى الذهبي وغيره بسنده عن الحسن قال : لما قدم علي البصرة قام إليه ابن الكواء وقيس بن عباد فقالا له : ألا تخبرنا عن مسيرك هذا الذي سرت فيه تتولى على الأمة تضرب بعضهم ببعض، أعهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم عهده إليك؟ فحدثنا فأنت الموثوق المأمون على ما سمعت، فقال : أما أن يكون عندي عهد من النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك فلا والله، إن كنت أول من صدق به فلا أكون أول من كذب عليه، ولو كان عندي من النبي صلى الله عليه وسلم عهد في ذلك ما تركت أخا بني تيم بن مرة وعمر بن الخطاب يقومان على منبره ولقاتلتهما بيدي ولو لم أجد إلا بردي هذا، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقتل قتلا ولم يمت فجأة مكث في مرضه أياما وليالي يأتيه المؤذن فيؤذنه بالصلاة فيأمر أبا بكر فيصلي بالناس وهو يرى مكاني، ثم يأتيه المؤذن فيؤذنه بالصلاة فيأمر أبا بكر فيصلي بالناس وهو يرى مكاني، ولقد أرادت امرأة من نسائه أن تصرفه عن أبي بكر فأبى وغضب وقال : أنتن صواحب يوسف مروا أبا بكر يصلي بالناس ، فلما قبض الله نبيه نظرنا في أمورنا فاخترنا لدنيانا من رضيه نبي الله لديننا ، وكانت الصلاة أصل الإسلام وهي أعظم الأمر وقوام الدين ، فبايعنا أبا بكر وكان لذلك أهلا لم يختلف عليه منا اثنان، ولم يشهد بعضنا على بعض، ولم نقطع منه البراءة، فأديت إلى أبي بكر حقه وعرفت له طاعته وغزوت معه في جنوده، وكنت آخذ إذا أعطاني، وأغزو إذا أغزاني، وأضرب بين يديه الحدود بسوطي، فلما قبض ولاها عمر فأخذ بسنة صاحبه وما يعرف من أمره فبايعنا عمر لم يختلف عليه منا اثنان ولم يشهد بعضنا على بعض ولم نقطع البراءة منه ، فأديت إلى عمر حقه وعرفت طاعته وغزوت معه في جيوشه، وكنت آخذ إذا أعطاني، وأغزو إذا أغزاني، وأضرب بين يديه الحدود بسوطي ، فلما قبض تذكرت في نفسي قرابتي وسابقتي وسالفتي وفضلي وأنا أظن أن لا يعدل بي ولكن خشي أن لا يعمل الخليفة بعده ذنبا إلا لحقه في قبره فأخرج منها نفسه وولده، ولو كانت محاباة منه لآثر بها ولده فبرئ منها إلى رهط من قريش ستة أنا أحدهم ، فلما اجتمع الرهط تذكرت في نفسي قرابتي وسابقتي وفضلي وأنا أظن أن لا يعدلوا بي، فأخذ عبد الرحمن مواثقنا على أن نسمع ونطيع لمن ولاه الله أمرنا، ثم أخذ بيد ابن عفان فضرب بيده على يده فنظرت في أمري فإذا طاعتي قد سبقت بيعتي وإذا ميثاقي قد أخذ لغيري، فبايعنا عثمان فأديت له حقه وعرفت له طاعته وغزوت معه في جيوشه، وكنت آخذ إذا أعطاني، وأغزو إذا إغزاني، وأضرب بين يديه الحدود بسوطي ، فلما أصيب نظرت في أمري فإذا الخليفتان اللذان أخذاها بعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهما بالصلاة قد مضيا وهذا الذي قد أخذ له الميثاق قد أصيب، فبايعني أهل الحرمين وأهل هذين المصرين .

وبهذا تعلم أن الإمامة على النحو الذي يزعمه الزاعمون ليس منصوصا عليها وليس عندهم فيها من الله تعالى برهان ولذلك ذهب بعض المبتدعة الى الطعن بالصحابة الذين رووا الاحاديث التي تنقض مزاعمهم... وانك لتجد في كتبهم التناقض في الروايات بين ما يتقاطع مع معتقد جماهير امة الاسلام ويتعارص مع متعصبيهم والمتطرفين منهم هداهم الله.

والله أعلم.