الجمعة 24 أيار 2019

أبحاث ودراسات

الأسباب لا تنفك عن نتائجها

الأسباب لا تنفك عن نتائجها

آمنة السكافي

التاريخ ,

يرتاب الكثير من الناس في حقيقة ارتباط الأسباب بالمسببات ووقوع النتائج عقب انتظام المقدمات، ويتصور العامّة من الناس أن أسباب النصر و الهزيمة قد تتوافر كلها ثم لا يقع النصر أو الهزيمة! وأن النصر قد يتم ويحدث هكذا من غير دواع سابقة! ويحتجون في ذلك أن الأمور بإرادة الله، وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. ومعنى هذا الكلام في تصورهم في هذا السياق أن إرادة الله وقدرته تتعلقان بالمستحيل! وهذا ما لم يقل به عاقل ولا نطق بهذا عالم من علماء المسلمين.

إن إرادة الله تعالى لا تكون إلا متوافقة مع حكمته جل جلاله، وإن مشيئته تعالى تتضمن ما وضعه سبحانه لهذا العالم من أنظمة وقوانين، وليس من الأدب، ناهيك عن أنه من العبث الدعاء والطلب من الخالق سبحانه أن بين الحين والحين ما لا يجوز فعله أو التدخل في شئون العالم بما يحيل نظمه فوضى واتساقه اختلالاً. لذلك علينا أن نعرف المداخل الصحيحة للأمور، وأن نأتي البيوت من أبوابها، وقد جعل الله عز وجل لإرادته العليا مفاتيح معينة ثم ألقاها بين أيدي الإنسان، فمن أراد النبات فمفاتحه الزراعة، ومن أراد النسل فمفاتحه الزواج، ومن أراد النصر فعليه أن يأخذ بأسباب النصر التي أخبرنا الله ورسوله عنها، وهكذا يوجد لكل هدف منشود سبب مقصود. وقد تكون للغاية الواحدة عدة طرق، فيجب الأخذ بها جميعاً، إذ يكون السبب الموصل من اقترانها كلها. وقد تكون النتيجة المطلوبة قائمة على جملة أسباب بعضها في يدنا فلا بد من فعلها، وبعضها خارج عن طوقنا فهو متروك لله، كتقلبات الجو مثلا للزراعة، وما أشبه ذلك.

إن ارتباط الأسباب بالمسببات حقيقة، يُعتبر إغفالها حمقاً في التفكير، وخطلاً في التدبير. وقد تأخر المسلمون المعاصرون في ميادين شتى لأنهم لم يفقهوا هذه الحقيقة التي ترتكز عليها شؤون الحياة ويدور محورها أبداً. وقد ذكر القرآن كلمة الأسباب حين أراد النتائج إشعاراً بالتلازم الثابت بين الأمرين، فقد جاء الرد على المشركين الذين استكثروا الرسالة على النبي صلى الله عليه وسلم، وأن تتخطاهم العناية إلى الرجل الخالي من سطوة الحكم والثروة. فقال القرآن لهم: إن استطعتم اغتصاب خزائن الرحمة، أو التحكّم في الملكوت، وتحويل النبوة منه إليكم فافعلوا: (أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ*أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ*أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ)، أي الموصلة إلى ما يشهون من تقسيم رحمة الله، ولذا جاء في آية أخرى: (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ...) وهذا التعبير الدقيق حاكم في أن الأسباب لا تنفك عن نتائجها.

** مدير مركز المفتي الشيخ محمد سليم جلال الدين الثقافي