الجمعة 23 آب 2019

أبحاث ودراسات

الأســرة كما أرادها الإســــلام

الأســرة كما أرادها الإســــلام

بقلم: السيدة آمنة السكافي

التاريخ ,

الأسرة مجموعة صغيرة مكوّنة من زوجين وأبناء؛ هي المجتمع الصغير الذي يتربى فيه الإنسان، وينطبع بطباعه؛ هي الينبوع الأول الذي يمدّ الأمّة بالرجال والنساء، فإن كان ينبوعاً طيباً كان إمداده بالأفراد الصالحين الطيبين، وبلبنات القوة، وحلقات التعاون، ودعاة الفضيلة والسعادة والخير للمجتمع. وأما إن كان ينبوعاً مشوباً بالشوائب، قائماً على الفوضى والإهمال والسوء، فإن إمداده يكون نكداً ووبالاً وخطراً وشراً على المجتمع.
الزوجان المكونان من رجل وامرأة حصراً هما أساس الأسرة ، يقومان بدور التكوين والتنظيم والرعاية من البداية إلى النهاية. والمجتمع بعد ذلك هو مجموع هذه الأسر التي يقوم عليها وينمو بها، ويمتد بها أفقياً ورأسياً؛ أفقياً حتى تصير شعباً، ورأسياً حتى تظلّ تاريخاً لمن يأتي بعدها. ويستحيل عقلاً ويحرم شرعاً أن تتكوّن الأسرة من غير الرجل والمرأة، بل إن ما تطلبه مؤسسات المجتمع الدولي وتعمل على إلزامية وجوده من حالات شاذة هو اعتداء على فطرة الله التي فطر الناس عليها، وإعلان حرب على الله ورسوله وإذاناً بهلاك المجتمع الإنساني، قال تعالى: (أَتَأْتُونَ الذّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ، وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبّكُمْ مّنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ)، قال تعالى: (ولوطاً إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين، إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون، وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون، فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين، وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين)، وقال تعالى: (إنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ).
ولذلك فقد اهتم الإسلام اهتماماً بالغاً بشأن الأسرة وأسس تكوينها، وأسباب دوام ترابطها، وأدائها لوظيفتها على خير وجه وأكمله، وما ترك صغيرةً ولا كبيرةً فيها سعادة الأسرة واستقرارها إلاّ وبيّنها وفصّلها. ولم يكتف الإسلام بتوضيح الحقوق والواجبات لكلٍّ حيال الآخر أو الآخرين، وإنما اهتم بوضع الأسرة كلها في بوتقة تنصهر فيها الأثرة والأنانية وتذوب فيها صفات القهر والغلبة والقسوة والنكد، والتعالي والتفاخر والإهمال والتباعد. فالعناية بالأسرة، وحياطتها بكل أسباب التكريم والتقويم له آثاره الكبيرة في المجتمع وازدهاره واستقراره واستمراره.
وكي يتحقق أنموذج الأسرة الإسلامية فإنّه من الواجب على الرجل وكذلك المرأة أن يُحسن كل منهما اختيار الآخر، فالزوجية في الإسلام؛ اجتماع سكن واستقرار ومودة ورحمة، وقد قال تعالى: (وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً..). ولا تكون حالة السكن والاطمئنان والراحة بين الزوجين إلاّ إذا كان الانسجام بينهما في المفاهيم والسلوك وطريقة الحياة. ومما يساعد على دوام هذا الانسجام تكافؤ الحقوق والواجبات بين الزوجين، وهذا الذي تشير إليه الآيتان الكريمتان: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ..)، وقوله تعالى: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ...).
ويُقصد بالتكافؤ في الحقوق والواجبات التعادل بينهما، وليس أن تكون حقوق الرجل وواجباته هي ذاتها حقوق المرأة وواجباتها كما ينبح عالياً دعاة التغريب وهدم الأسر ممن يحملون زورا عنوان رفع العنف والتمييز عن المرأة، فالرجل مثلا عليه العمل والإنفاق وفي المقابل على المرأة رعاية البيت والولد ... وهكذا. فعلى الرجل والمرأة أن يرضخا لحكم الله في تهيئة كلّ منهما على الوضع المناسب للمقصود منه، فلا يتطلع النساء إلى ما خصّ الله به الرجال وجعلهم مفضلين فيه، ولا يتطلع الرجال إلى ما خص الله به النساء وجعلهن مفضلات فيه، ولذلك قال تعالى: (وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ). ونسبة التفضيل للرجال على النساء لا تخرجهم عن دورهم في الحياة الزوجية وإنما ليحققوا التعادل والانسجام فيها، وهي ضرورة إنسانية اقتضاها طبيعة الخلق لصالح الحياة الزوجية وليست مظهراً على حسابها وفي سبيل تقويضها، وهي أمانة ومسؤولية كبيرة وحسابها عند الله عظيم.
وقد أوجب الله تعالى على الرجل لتحقيق التعادل والانسجام في الحياة الزوجية حسن معاشرة النساء بالمعروف، وبيّن أن عاطفة الحبّ أو الكره ليستا دائماً أمارة على المستقبل السعيد أو الشقي، فقال تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً)، وقال رسول الله : (أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقاً، وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ) ومع واجب حسن المعاشرة بيّن تعالى أن للرجل على المرأة حق الرياسة وواجب النفقة، وفي المقابل عليها أن تطيعه في المعروف وتحفظه في غيبته، فقال تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ...).
وللمرأة دورها العظيم في المجتمع كما للرجل دوره، وإن تميّزت المواقف، ويصوّر القرآن الكريم كيف يتعاون الرجال والنساء في المجتمع المسلم على تحقيق الأهداف وبلوغ الغايات، وكيف يسمو بالمرأة إلى آفاق كريمة في الدعوة إلى الخير، ومحاربة الشرور، لا أن تصير هي نفسها جانباً من شرور المجتمع، كما هو الشأن في المجتمعات التي يشيع فيها الانحلال، فيقول الله تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ...).
إنّ المرأة المسلمة مع الرجل المسلم تعيش لرسالة كبرى، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وهي الرسالة الكبرى للمجتمع المسلم التي ميّزه الله بها، وكلّفه أن يحملها في كل عصر، قال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ..). فإذا ما شاركت المرأةُ الرجلَ في القيام بهذا العبء الجليل فقد صارت مسؤولة عن الأهداف العليا للمجتمع الذي تعيش فيه، وصارت مطالبة بالاستعداد لتتمكن من حمل ذلك الواجب الثقيل. وهو ما قامت به حقيقة في العصور الواعية في تاريخ الإسلام، وخاصة في العصر الأول؛ فقد كان الجهاد في سبيل الله لتحقيق الحرية والأمن للمجتمع هو القضيّة الأولى التي شغلت المسلمين، ولم تَعفِ المرأة المسلمة نفسها من عناء الجهاد وثقل أعبائه، فإذا هي تغشى الميادين، تمد وتسقي وتضمّد، وأحياناً تباشر القتال وتقف في وجه الأعداء...
إن المجتمع المسلم صادق كل الصدق حين يبصّر المرأة أن ميدانها الرحيب الذي يشكر فيه جهادها ويقدّر بذلها؛ هو ميدان الزوج والولد أولاً وقبل كل شيء، حيث تسهم حقاً في تكوين المجتمع المستقر المتوازن الذي لا يختلّ فيه بناء ، ولا ترجح كفّة على حساب أخرى .. لقد صدق رسول الله صلوات الله عليه حين أجاب المرأة المسلمة المتحمّسة للجهاد، بأن حسن قيامها بواجبها تجاه أسرتها يعدل درجة الجهاد في سبيل الله... ولئن كان انضمام النساء إلى صفوف المقاتلين يزيدهم بضعة آلاف في العدد، إلاّ أن قاعدة المجتمع، بل قلبه وروحه ستصاب بالوهن والخسران حين يفقد المجتمع الأمّ الحنون، والزوجة الصالحة.

**مدير مركز المفتي جلال الدين الثقافي