الأربعاء 13 تشرين ثاني 2019

أبحاث ودراسات

من هم أهل السنّة والجماعة؟!

من هم أهل السنّة والجماعة؟!

بقلم المفتي الشيخ أحمد نصار

التاريخ ,

إنّ الهوية التعريفية لأهل السنّة والجماعة والتي يمكن تحديدها بالنظر في حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يتحدث فيه عن افتراق الأمّة إلى فِرق متعددة كلها ساقطة إلا واحدة؛ أفرادها نهجوا نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين تصوراً وتصديقاً، فقهاً وسلوكاً، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (إنّ بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة، كلّها في النار، إلا واحدة، وهي الجماعة) وفي رواية: (ما أنا عليه وأصحابي).

فوصف أهل السنّة والجماعة، هو وصف يلحق كل مسلم أيقن أن الاسلام نظاماً ومنهجاً يحكم الحياة في كل شأن من شؤونها، وفي كل ناحية من نواحيها: سياسية، واقتصادية، واجتماعية، وفكرية، وعلمية، وأخلاقية، وعسكرية وصحية، فضلا عن أنّه عقيدة سليمة، وعبادة صحيحة، وخلق متين. وهو كل من جعل مصدره في الحكم والتشريع؛ كتاب الله، وسنة وسيرة وهدي محمد صلى الله عليه وسلم نصاً أو اجتهاداً واستنباطاً، قال تعالى: (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا). وهو كل من سلك في فهم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم مسلكاً وسطاً بعيداً عن التكلف والتعسف، وبعيداً عن التفريط والتضييع، وأن كل واحد من الخلق يؤخذ من كلامه ويرد عليه إلا المعصوم الأوحد محمد صلى الله عليه وسلم، ولكل مجتهد أجرٌ أصاب أم أخطأ، واضعاً في حسابه اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم، ونطق بها الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم. وأن الخلاف الفقهي في الفروع مظهر من مظاهر حيوية هذا الدين، وقدرته على مجابهة كل ما يعرض للبشر من مشكلات إلى قيام الساعة، لا سببا في الخصومة والبغضاء، والفرقة والتمزق، مبتعدين عن الخوض فيما لا ينبني عليه عمل، ولا فائدة ترجى من ورائه، توفيراً للجهد والوقت، وحفاظاً على سلامة الصدر، ووحدة الصف.

أهل السنة والجماعة؛ هم كل من أيقن أن معرفة الله وتوحيده وتنزيهه أسمى عقائد الإسلام. وهو كل من أيقن أن كلّ بدعة في دين الله لا أصل لها، ضلالة تجب محاربتها، والقضاء عليها بالوسائل التي لا تؤدي إلى شرّ منها. وهو كل من أحبّ آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته والصالحين من أمته، واحترمهم وأثنى عليهم بما عرف من طيب أعمالهم قربة إلى الله تبارك وتعالى، مع اعتقاد أنهم لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً في حياتهم أو بعد مماتهم،  فضلا عن أن يهبوا شيئا من ذلك لغيرهم. وهو كل من جعل العقيدة أساس العمل، وأيقن أن عمل القلب أهم من عمل الجارحة، وتحصيل الكمال في كليهما مطلوب شرعاً.

أهل السنة والجماعة؛ هم كل من التزم بقواعد الإسلام في الحكم على الناس، فلم يكفر مسلماً، أقرّ بالشهادتين وعمل بمقتضاهما. وهو كل من أعمل فكره وقدح ذهنه في الوصول إلى ما يحقق السيادة في هذه الأرض مع العبودية الحقة لله رب العالمين. وهو كل من رأى أن العرف الخاطئ لا يغير حقائق الألفاظ الشرعية، إذ العبرة بالمسميات لا بالأسماء. وهو كل من التزم أدب الخلاف، نازلا على الحق، وإن خالف رأيه وهواه، وهو كل من عرف نفسه، وعرف ربه، وعرف الكون المحيط به، فانطلق يؤدي لكل حقه من غير حيف أو جور.

إن أهل السنة والجماعة ليسوا محصورين في فترة زمنية أو مكانية أو في أشخاص بذاتهم وأعيانهم، أو في طائفة مذهبية إسلامية دون غيرها، وإنّما هم كل من توافرت فيه الصفات التي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه على النحو الذي بيناه وفصلناه. فأهل السنة والجماعة هم أمّة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهم أمّة الإسلام، ومن شذّ في وصفٍ اجتهاداً، فذلك لا يخرجه عن الاتصاف والانتماء إلى أهل السنّة والجماعة. وأمّا من رفض وصفاً، وعصى في نهجٍ، وانحرف في مسارٍ ومعتقدٍ، فهذا خرج عن مسمى أهل السنّة والجماعة والانتماء إليهم... ثبتنا الله وإياكم على الحق، وجعلنا من دعاته، والحمد لله رب العالمين.