الجمعة 23 آب 2019

أبحاث ودراسات

هل للقرآن الإلكتروني أحكام القرآن الورقي؟ بقلم: المفتي الشيخ احمد نصار

هل للقرآن الإلكتروني أحكام القرآن الورقي؟ بقلم: المفتي الشيخ احمد نصار

بقلم المفتي الشيخ أحمد نصار

التاريخ ,

السؤال: سماحة الشيخ هل يُعدّ المصحف الموجود على الهاتف قرآناً له أحكام المصحف الشريف المطبوع؟

الجواب: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، وبعد،،

فإن القرآن الكريم هو كلام الله تعالى، المعجز، المكتوب في المصاحف، المنقول بالتواتر، المنزّل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، باللسان العربي، المتعبد بتلاوته.

والمصحف الورقي هو ما جُعِل جامعاً للصحف التي كتب فيها القرآن الكريم مع ترتيب آياته وسوره على الوجه الذي أجمعت عليه الأمّة أيام أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه.

فالقرآن الكريم هو كلام الله تعالى أي الألفاظ التي نزل بها الوحي والتي تكتب في المصاحف، أمّا المصحف فهو الشيء الذي يكتب عليه القرآن الكريم.

والمصحف الإلكتروني وبحسب توصيف المختصين ينقسم إلى نوعين: الأول؛ مصحف إلكتروني يعرض وفق نظام خاص به، ومستقل عن غيره من البرامج، ولا يمكن أن يستعمل ذلك النظام في تشغيل غير المصحف المبرمج وفقه، وهو ما يستعمل في المصاحف المستقلة في أجهزتها. والثاني؛ مصحف إلكتروني يعرض وفق نظام عام يكون محملا على جهاز  يعرض المصحف الإلكتروني من خلاله؛ كالمصحف المحمل على CD أو المحمل على الأقراص المرنة أو المخزن في القرص الصلب للكومبيوتر، أو المحمل على الهاتف المحمول، أو المعروض للتحميل على مواقع الإنترنت.

ولا يمكن اعتبار الوسائل المادية الورقية أو الإلكترونية بمجرد اشتمالها على آيات القرآن الكريم وسوره مصحفاً وتأخذ أحكام المصحف الشريف الفقهية، إلاّ إذا اتصفت بالمميزات التالية:

أن تحتوي على جميع آيات القرآن الكريم وسوره، مجرداً عن غيرها من الكلام، كالتفسير والترجمة والأحكام وغير ذلك من أقوال العلماء، وعلى هذا فالآيات من السورة، وكتب التفسير والفقه المشتملة على بعض الآيات القرآنية لا تأخذ أحكام المصحف أي القرآن الورقي. وقد قال الإمام البيهقي رحمه الله تعالى: (ولم يعرف أنه أثبت في المصحف الأول ولا فيما نسخ منه شيء سوى القرآن فلذلك ينبغي أن يعمل في كتابة كل مصحف).

أن يكون مكتوباً ومجموعاً كاملاً بين دفتين، ولا يكون متفرق الأجزاء، لأن الأوراق المنفصلة غير المجموعة بين لوحين لا تسمى مصحفاً، بل بعضاً منه. قال الإمام الزرقاني رحمه الله تعالى: (فكأن المصحف ملحوظ في معناه اللغوي دفتاه وهما جانباه أو جلداه اللذان يتخذان جامعا لأوراقه ضابطا لصحفه حافظا لها).

أن يكون مرتب السور والآيات حسب ما ثبت في العرضة الأخيرة للقرآن الكريم من المصطفى صلى الله عليه وسلم على الروح الأمين جبريل عليه السلام، وبالشكل الذي جاء في المصحف العثماني، ابتداء بسورة الفاتحة وانتهاء بسورة الناس، فلو كتب منكوس السور والآيات، أو حسب النزول، لخرج عن حدّ المصحف. قال الإمام الزرقاني رحمه الله تعالى: (وسواء أكان ترتيب السور توقيفياً أم اجتهادياً فإنه ينبغي احترامه خصوصاً في كتابة المصاحف لأنه عن إجماع الصحابة، والإجماع حجة، ولأن خلافه يجر إلى الفتنة ودرء الفتنة وسد ذرائع الفساد واجب أما ترتيب السور في التلاوة فليس بواجب إنما هو مندوب).

وقد اختلف الفقهاء المعاصرون في القرآن الالكتروني والذي منه المحمّل على الهاتف المحمول، هل يُعدّ كالمصحف الورقي وله أحكامه، أم أنّه مجرد آلة يستعان بها على تذكُّر الآيات ولا يأخذ أحكام القرآن الورقي، على قولين:

فذهب البعض إلى أن القرآن الالكتروني لا يُعدّ مصحفاً، ولا يأخذ أحكام المصحف بحال، لأنه إذا أغلق الجهاز أو تمّ انتهاء البرنامج ينتهي ظهور الآيات، وإنما هو مجرد آلة تساعد على تذكر الآيات وقراءتها.

وذهب آخرون إلى عَدِّه مصحفاً حال التشغيل فقط؛ لأن الآيات تكون ظاهرة في هذه الحالة.

والراجح لدي والله تعالى أعلم، أن القرآن الإلكتروني ومنه الموجود على الهاتف لا يُعدّ مصحفاً في ذاته ولا يأخذ حكم المصحف لأنه إذا أغلق الجهاز أو تم انتهاء البرنامج ينتهي ظهور الآيات، ولكونه يشتمل برامج  وإدراجات أخرى، ولا يمكن ضمان حفظه وترتيبه إلا بها، وهو في معنى المصحف ولكن ليس بمصحف كحال المصحف المطبوع بطريقة برايل للمكفوفين، فهو ليس بمصحف ولا يأخذ أحكام المصحف المحسوس الورقي وهو ما انعقد عليه إجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين.