الجمعة 24 أيار 2019

أبحاث ودراسات

من هو الكافر؟

من هو الكافر؟

خاص - lampress

التاريخ ,

قال الشيخُ عليٌّ الطنطاوي في كتابه "ذكريات":
كان من عادةِ رؤساءِ الجمهوريةِ في دمشق أنهم يدعون القضاةَ والعلماءَ، ومن يسمونهم برجالِ الدينِ إلى مائدةِ الإفطارِ في رمضان، وقد ذهبتُ مرتين فقط إلى دعوتين من الرئيسينِ هاشم بك الأناسي وشكري بك القوتلي، فجمع أحدهما بيننا نحن قضاة الشرعِ والمشايخِ ورجالِ الدين من النصارى، وكانت أحاديث مما يُتحدثُ به في أمثالِ تلك المجالسِ، أحاديث تمسُ المشكلاتِ ولا تخترقها، وتطيفُ بها ولا تداخلها، ففاجأنا مرةً واحدٌ من كبارهم يعتبُ علينا، إننا ندعوهم كفاراً.
فجزع الحاضرون ووجموا، وعرتِ المجلسُ سكتةً مفاجأةً، فقلتُ للرئيسِ: تسمح لي أن أتولى أنا الجواب؟ وسألتهُ: هل أنت مؤمنٌ بدينك؟ قال: نعم، قلتُ: ومن هم الذين تدعونهم مؤمنين بهِ: أليسوا هم الذين يعتقدون بما تعتقد؟ قال: بلى، قلتُ: وماذا تسمي من لا يعتقدُ بذلك؟ ألا تدعوه كافراً؟ فسكت.
قلتُ إن الكافرَ عندك هو الذي يرفضُ أن يأخذَ بما تراهُ أنت من أسس الدينِ، وأصولِ العقائدِ، وكذلك نحنُ فالناسُ عندنا بين مسلمٍ يؤمنُ بما نؤمنُ به من رسالةِ محمدٍ - صلى اللهُ عليه وسلم - ، وإن القرآن أنزلهُ اللهُ عليهِ، وآخرُ لا يؤمنُ بذلك فنسميه كافراً فهل أنت مسلم؟ فضحك وقال: لا ، طبعاً، قلتُ: وهل أنا في نظرك وبمقاييس دينك مؤمنٌ بما لدى النصارى أو كافرٌ به ؟ فسكت وسكتوا ، قلتُ : أنا أسألك ، فإن لم تجب أجبتُ عنك، أنا عندك كافرٌ لأني لا أعتقدُ بأن المسيحَ ابنُ اللهِ، ولا بأنهم ثلاثةٌ الأبُ والابنُ وروحُ القدسِ، والثلاثةُ واحدٌ، ولا بمسألةِ الفداءِ، ولا بامثالِ ذلك مما هو من أصولِ عقائدِ النصارى. وأنت عندي كافرٌ لأنك تقولُ بها، فلماذا تنكرُ عليّ ما تراهُ حقاً لك؟ إن ديننا ظاهرٌ معلنٌ، ليس فيه خبايا ولا خفايا ولا أسرار، والقرآنُ يتلى في كلِّ إذاعةٍ في الدنيا، حتى أنني سمعتهُ مرةً في إذاعةِ إسرائيل، والقرآنُ يقول: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ) المائدة: 17، ويقولُ في الآيةِ الثانيةِ: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ) المائدة: 73، فالكفرُ والإيمانُ إذن مسألةٌ نسبيةٌ، ما تسميه أنت كفراً أسميه أنا إيماناً، وما أسميه أنا كفراً تسميه أنت إيماناً، واللهُ هو الذي يفصلُ بيننا يومَ القيامةِ، فسكتوا.!!!!