السبت 25 أيار 2019

أبحاث ودراسات

ماهو الميبي (MEPI) برنامج الهيمنة الأمريكية

ماهو الميبي (MEPI) برنامج الهيمنة الأمريكية

إعداد: الشيخ أحمد نصار

التاريخ ,

الميبي(MEPI)  وهي الأحرف الأولى من (Middle East Partnership Initiative) أي "مبادرة الشراكة للشرق الأوسط" وهو مشروع الهيمنة الأمريكية في الوطن العربي، ويعني بالشرق الأوسط: الدول العربية إضافة للكيان الصٌهيوني! ويعبّر عن فلسطين بـ "الأراضي الفلسطينية" وهي التي احتلت عام 1967 دون ذكر الدولة الفلسطينية.

ظهر مشروع ميبي للعلن عام 2002م كمكتب رئيس من صلب إدارة شؤون الشرق الأوسط بوزارة الخارجية الأمريكية، وله مكتبان إقليميان تأسست منذ 2004م؛ أحدهما في تونس، والثاني في أبو ظبي، وله مكاتب فرعية في كل سفارة أمريكية في البلدان المستهدفة. ويغطي مكتب تونس المغرب العربي ومصر ولبنان وفلسطين المحتلة، أما مكتب أبو ظبي فيغطي الخليج وبقية بلدان المشرق. وميزانية كل مكتب تحتسب من ضمن المساعدات الاقتصادية الثنائية التي تقدمها الولايات المتحدة سنوياً لدول المنطقة وذلك تحت عنوان: "دعم البرامج والمشاريع التي تساعد على بناء التغيير الديمقراطي".

يُعرّف الموقع الرسمي لمشروع ميبي(MEPI)  نفسه بالتالي: "ميبي هي مبادرة رئاسية، تمثل تفاعل حكومة الولايات المتحدة مع أصوات التغيير في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يمولها الكونغرس لتوفير الموارد والخبرات بهدف تعزيز الإصلاح في جميع أنحاء المنطقة، وبشراكة مع منظمات غير حكومية؛ دولية ومحلية، ومؤسسات اقتصادية، وجامعات ومعاهد عليا، وأحيانا حكومات".

ويصف الموقع مشروع ميبي (MEPI): "هو حلقة لتطوير ودعم مشروع الشرق الأوسط الكبير، وبقية البرامج الإصلاحية، وهو جزء من السياسة الخارجية الأمريكية، للتعامل المباشر مع الإصلاحيين ونشطاء المجتمع المدني، وشركاء المبادرة، والمشاركين في برامجها، واعتماد الإرشادات والمعلومات الصادرة عنهم. ويساهم ميبي(MEPI)  في تنظيم المؤتمرات وتسهيل تبادل الزيارات وإعداد الندوات ودورات التكوين الداعمة للإصلاح وبواسطة مجموعة من المنظمات غير الربحية، التي تدعمها وزارة الخارجية الأمريكية".

وبالإجمال يعتبر ميبي(MEPI)  المكتب المدير والموجه لكافة الفعاليات السياسية والاجتماعية والثقافية والاعلامية والدينية... الموالين لسياسة الولايات المتحدة الأمريكية سواء أكانوا أفراداً أو أحزاباً أو مؤسسات أو جمعيات، وذلك لتنفيذ المخططات الأمريكية في تغيير عناصر الهوية الإسلامية والقومية لمجتمعات الدول العربية، والتطبيع مع الكيان الصهيوني، والتخلي الكلي عن القضية الفلسطينية، واندماج هذا الكيان مع الدول العربية في اتحاد اقتصادي وثقافي تحت مسمى الشرق الأوسط الكبير...

وأهداف ميبي(MEPI)  المعلنة أربعة: 

أولاً: دعم الديمقراطية. 

ويقصدون بذلك فرض العلمنة الكاملة وإلغاء التأثير الديني ومظاهره من القوانين الناظمة والإعلام؛ كإلغاء قوانين الأحوال الشخصيّة، ووقف البرامج الدينية في الوسائل الإعلام، وإلغاء التعليم الديني من المدارس، وفرض قوانين الحماية للحريات الجنسية المطلقة ..وغيرها.

ثانياً: الإصلاح الاقتصادي وتطبيق التزامات إتفاقية التجارة الحرة. 

ثالثاً: إصلاح التعليم 

ومنها اعتماد لغة التعليم الإنكليزية، وتعديل المناهج بما يتناسب مع المشروع.

رابعاً: تمكين المرأة، وتدريبها على القيادة، وتكوين القيادات النسائية الشابة في الأحزاب والمنظمات، والتعريف بحرية المرأة وبفرص التعليم في أمريكا.

وكل محور من هذه المحاور الأربعة يتضمن بدوره باباً خاصاً بتمكين المرأة، وذلك باعتباره أهم عامل في التغيير الفكري والاجتماعي والسيطرة السياسية والثقافية واستهداف الأسرة ... 

ومن جملة عناوين البرامج التي تناولها ميبي وموّلها في تدريب المجموعات الشبابية: 

1. برنامج قادة المجتمع المدني يتبادلون الخبرات، وقواعد تكوين الأحزاب السياسية، ومخاطبة الجمهور، واستخدامات الوسائل المعاصرة ...

2. برامج اقتصادية تتعلق بالقطاع الخاص وتمويل مشروعات وتطوير وتنفيذ السياسات الاقتصادية الحرة (الليبرالية)، ودعم التجارة الحرة، حسب شروط منظمة التجارة العالمية، والتركيز على النساء.

3. برامج منتدى المستقبل، وهو لتروج التطبيع مع الكيان الصهيوني والإمبريالية، وتنعقد هذه البرامج في البلدان العربية، وبحضور أثرياء العالم...

4. برامج الثقافة الجندرية، وتمكين المرأة والمطالبة بتنفيذ بنود معاهدة "سيداو"، ويدخل تحته مواضيع؛ رفع التمييز والعنف عن المرأة، حقوق المثليين (الشاذين جنسيا)، حرية المساكنة، تجريم الزواج المبكر وحرية الممارسة الجنسية ... 

ويتعاون برنامج ميبي(MEPI)  مع الليبراليين، وعدد من المنظمات والجمعيات العربية، وبعض الشخصيات الإسلامية المندسة أو الملوثة فكريا وعقدياً، وبعض اليسار العربي، وغيرهم ممن لا يرون حرجا في التعاطي مع هكذا برامج، والمشاركة النشيطة بها والدعاية لها، مقابل بعض التمويل، وبعض السٌفريات.

وأما المنظمات الغير الربحية التي تدعمها وزارة الخارجية الأمريكية لتنفيذ هذه البرامج، فمنها: مكتب الدراسات الإستراتيجية للشرق الأوسط، وأيركس، وفريدوم هاوس، وجامعة نيويورك، وبيرغهوف، والمركز الدولي للمشروعات الخاصٌة، ومؤسٌسة ييستر، ويو آس آيد، وهذه الأخيرة هي مؤسٌسة رسمية، حكومية أمريكية.

إن الهدف الحقيقي لهذا البرنامج الهيمني الأمريكي والمعروف بـ "ميبي"(MEPI)  بات واضحا وجلياً. فالمطالبة بالحريات والحقوق وغيرها من العبارات المستخدمة؛ كلمة حق يراد بها باطل، تنطلق بها الإمبريالية الأمريكية من المظالم السياسية والاجتماعية في العالم العربي، لتجعل منها ثغرة تستغلها ولتدخل باسم حقوق الإنسان، وباسم الدفاع عن الديمقراطية والمرأة ... وغيرها. ولكن هذه الأنظمة القائمة تحظى جُلّها بمساندة الولايات المتحدة، وغالبها يطبّع علاقاته مع الكيان الصهيوني، سراً أو علناً، وكلها معادية لكل مقاوم للاحتلال في فلسطين، وقد صفّقت هذه الأنظمة للعدوان الصهيوني على لبنان عام 2006م، ولم تحرّك ساكناً أمام القصف المكثف على غزة، كما لا تسمح هذه الأنظمة بالاحتجاجات الجماهيرية ضد العدوان والمجازر الصهيونية المتكررة على الفلسطنيين.

إن الاهتمام الأمريكي مُنصب من خلال "ميبي"(MEPI)  على تشكيل تيار مساند لها، في أوساط السياسيين والاقتصاديين والصحفيين والمثقفين والطلبة والشباب والنسوة وقادة الأحزاب والمنظمات غير الحكومية، وصناعة جيل مشبع بالقيم الإيديولوجية الليبرالية والتي تعتبر العلاقة مع العدو الصهيوني والاباحية تقدّماً فكرياً وإقتصادياً وحضارياً. وليحلّ هذا التيار بديلاً مناوئاً للقيم الإسلامية والقومية الشعبية السائدة في الوطن العربي، وللمعادين والمقاومين للصٌهيونية والإمبريالية الغربية وبالأخص الأمريكية.

وإن ما حصل في العالم العربي من ثورات سمّوها بالربيع العربي؛ مضمونها القتل والتدمير لكل شيء والسلب للمقدرات، كلها كانت من إعداد المخابرات الأمريكية المستندة على إنجازات "ميبي"(MEPI)  وتياراته وأجياله. فبرنامج "ميبي"(MEPI)  عبارة عن فرع من مشروع الشرق الأوسط الكبير، يُعنى بالجانب الإيديولوجي، وتخريب المجتمعات العربية من الداخل، وتكوين نخب خصوصا من الشباب، تتدرب على قيادة المؤسسات والأحزاب والمنظمات غير الحكومية، ووسائل الإعلام، متسلحة بأفكار تتنكر للتراث الإسلامي التقدّمي للإنسانية، وللجوانب النيرة من حضارتنا وثقافتنا وتاريخنا، فتجعل من التطبيع قيمة حضارية، وتحوّل السلام إلى رضوخ، وتتشبه بالمعتدي المحتل، وتجعله مثلها الأعلى، وتساند تدخلاته، حتى العسكرية منها، والإيمان بعدم قدرة الشعوب على تقرير مصيرها، والقناعة بأن الإمبريالية هي الوحيدة القادرة على تقرير مصيرنا، وأن مُثلها وقِيمها الإستعمارية هي أرقى ما وصلت له الإنسانية، أي الإقرار بالعجز والهزيمة، دون محاولة النهوض ومقاومة الإحتلال والإستغلال والإضطهاد.