الأربعاء 19 حزيران 2019

أبحاث ودراسات

الوطن والمواطنة في الإسلام بقلم  المفتي الشيخ أحمد محي الدين نصار

الوطن والمواطنة في الإسلام بقلم المفتي الشيخ أحمد محي الدين نصار

المفتي الشيخ أحمد محي الدين نصار

التاريخ ,

الحمـد الله، والصلاة والسلام على رسول الله الرحمة المهداة وآلـه وصحبه ومن والاه، وبعد،
إن حب الوطن شعور فطري، لم يُنكره الإسلام فقد روي أن عبد الله بن أم مكتوم قال بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بخطام ناقته عام الفتح: "يا حبذا مكة من وادي أرض بها أهلي وعوادي، أرض بها تغرس أوتادي أرضٌ أمشي بها بلادي". ولما قدم أصيل الغفاري على رسول صلى الله عليه وسلم من مكة سألته السيدةعائشة رضي الله عنها: "كيف تركت مكة". قال: "اخضرّت أجنابها وابيضت بطحاؤها وأغدق أزخرها وانتشر سلمها"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حسبك يا أصيل لا تحزنّا). وقد عبّر صلى الله عليه وسلم عن حب الوطن والارتباط الوجداني به بقوله لما همّ بالخروج من مكة: (ما أطيبك من بلد وأحبك إلي ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك).  
ومما يدلل على الارتباط الشعوري بالوطن وأهميته بالنسبة للإنسان، أن القرآن الكريم اعتبر إخراج الإنسان من دياره معادل للقتل الذي يخرجه من عداد الأحياء: (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا). كما أشار القرآن الكريم إلى الإخراج من الأرض كوسيلة عقاب وزجر للمفسدين فيها، مما يدلل بوضوح على موقع الوطن وأهميته بالنسبة للإنسان وأن الإخراج منه أمر ثقيل على النفس: (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ).
ولا يتصور وجود الوطن بدون مواطنين، يعيشون فيه معاً، فالمواطنون هم فئات الشعب على اختلاف مستوياتهم الثقافية والاجتماعية، يجمعهم وطن واحد له حدوده الجغرافية والسياسية وتاريخه ونضاله المشترك وقوانينه التي تنظم العلاقات بين هؤلاء المواطنين. فالمواطن كلمة تعني الإنسان مضافاً إليه مدلول من دلالات الوطن ليس الأرض بما فيها من موارد فحسب، وإنما الوطن في أوسع معانيه والذي يمنح المنتمي إليه الإقامة والحماية والانتماء والعمل والاستقرار وغير ذلك من الحقوق التي يتيحها الوطن للمواطن.
فالوطن بمفهوم السياسة الشرعية ليس موطن الولادة والنشأة فحسب بل هو البلد الذي له حدوده الجغرافية والسياسية الذي يضمّ جميع المسلمين، إلا أن ذلك حكم شرعي متعذر يعلّق اعتباره حتى وجوده، والواقع اليوم هو أننا أمة واحدة في دول متعددة بهويات سياسية مستقلة، لذلك كان اعتباره كحكم الممكن الذي يستصحب فيه التكليف بأحكام المواطنة، إذ المصلحة تقتضي منع تقسيم المقسم..
والمواطنة هي صورة من صور التفاعل الإنساني بين أفراد المجتمع الواحد من جهة والمجتمع الإنساني العالمي من جهة أخرى، والتي تقوم على أساس الحقوق والواجبات والإخاء وحب الخير للناس والحرص على منفعتهم والتعاون معهم بما يرضي الله. والمواطنة في الإسلام تستوعب جميع المواطنين في دياره دون إهدار حقوق الأقليات، ومن غير إثارة للنعرات القومية، وهي تضمن لجميع المواطنين حقوقهم المتمثلة بحقوق الإنسان لقيامها على قاعدة التسامح، فهي تحترم الواقع وليست مجرد شعارات، وهي أداة بناء واستقرار، لا وسيلة تهديم وتفريق وزرع مشكلات، إنها مفهوم يعتمد على أساس الحرية والمساواة الحقيقية وليست المزيفة.
ولما كان الإسلام ديناً عالمياً، إذ النبي صلى الله عليه وسلم أرسل رحمة للعالمين وخطابه لم يكن لأمة دون أمة ووطن دون آخر ولكن كان موجهاً للنفس البشرية وللضمير الإنساني وكانت أمته العربية لانحطاطها وبؤسها أحق من يبدأ به مهمته الإصلاحية. لذا كان مفهوم المواطنة في الإسلام، يتجاوز علاقة المواطن بوطنه الخاص إلى المجتمع الإنساني ككل، فالمواطنة عبارة عن مستويات ودوائر متعددة من العلاقات، تبدأ من علاقة المواطن المسلم بمجتمعه المحلي أي الوطن الخاص بحدوده السياسية المعروفة، مروراً بالمجتمع العربي فالإسلامي، انتهاءً بالمجتمع الإنساني العالمي، وهذه العلاقات حيث امتدت أنبتت حقوقاً وواجبات وتفاعلات محكومة بضوابط شرعية. 
وأما تربية المواطنة فتكون بالاهتمام بتوعية المواطن بحقوقه وواجباته تجاه مجتمعه المحلي الوطن الخاص ثمّ العربي فالإسلامي فالعالمي بعيداً عن المفاهيم الجاهلية القائمة على العصبية، وتبصيره بحدود وطبيعة علاقته مع الآخرين والقائمة على أساس حب وطن العقيدة والانتماء إليه والتضحية من أجله. 
وإن المواطنة الصالحة، تقتضي أن يتحلى المواطن بمجموعة من الصفات التي تجعله منتجاً فعالاً صالحاً لخدمة وطنه في حدود إمكاناته وقدراته الخاصة. ويقصد بفعالية المواطن أي سلوكه المعبر عن المبادرة الذاتية وحب العمل والحرص على المشاركة والتفاعل مع الآخرين، وتنبثق فعالية المواطن من خلال شعوره بأنه مخلوق مكرم وأنه مستعمر في هذه الأرض بأمر الله عز وجل: (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ). كما تتولد هذه الفعالية عن الإيمان بالبعث والحساب حيث جاء الربط بين سعي الإنسان الحثيث للعمل في الدنيا وملاقاة الله عز وجل في الآخرة: (يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ).