السبت 19 تشرين أول 2019

أبحاث ودراسات

أخلاقنا صلاح والشرعة العالمية فساد

أخلاقنا صلاح والشرعة العالمية فساد

السيدة آمنة السكافي

التاريخ ,

الأخلاق جوهر الإسلام وروحه السارية في جميع جوانبه، وقد قَصَر رسول الله صلى الله عليه وسلم أهداف رسالته عليه في قوله: (إنّما بعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق)، فكان انعدام الخلق انتشاراً للظلم، والظلم مؤذن بخراب المجتمعات، وبقاء الأمم ببقاء أخلاقها، والدعوة للأخلاق وحراستها وصونها من مهمات الرسل والدعاة والعلماء والمصلحين من بعدهم، ولا إصلاح من دون أخلاق، ولا أخلاق إلا التي أقرّها الإسلام وشرعها.
إن ما يقيّم به الناس كمصلحين إنما يكون من خلال سلوكهم الأخلاقي في الفكر والرؤيا والتعامل والعمل؛ فقد مدح الله نبيه صلى الله عليه وسلم بأخلاقه فقال سبحانه: (وإنك لعلى خلق عظيم). فالأخلاق أساس المعتقد لقوله صلى الله عليه وسلم: (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم أخلاقاً)، والأخلاق أساس تربية الضمير لقوله تعالى: (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر)، والأخلاق أساس السلوك الاجتماعي لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه). وأما من كان مصلياً وصائماً مزكياً ولكنه لا يمارس الخلق فكراً وسلوكاً وتعاملاً فهو فاسد ومفسد ولا يستحق المدح أو الاتباع، وقد ذُكر للرسول صلى الله عليه وسلم امرأة تُكثر من صلاتها وصدقتها وصيامها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها فقال: (هي في النار). كما أن الأخلاق الإسلامية لا تقتصر على الدائرة الإنسانية وإنما تشمل الدوائر الخلقية من نبات وحيوان وجماد، وقد بيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن امرأة دخلت النار بسسبب فسادها في هرّة حبستها حتى ماتت، لا هي أطعمتها وسقتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض، كما نهى النبيّ صلى الله عليه وسلم المسلمَ عن الإسراف في استخدام الماء ولو كان على نهر جار. فالأخلاق الإسلامية تميز بين سلوكين؛ أحدهما يحقق الخير، والثاني يجنّب الشر، وهي علم ومعرفة وتطبيق، وثواب وعقاب في الدنيا وفي الآخرة، قال تعالى: (إنّ الأبرار لفي نعيم وإنّ الفجار لفي جحيم)، وقال صلى الله عليه وسلم: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده).
إنّ اهتمام الإسلام بالأخلاق هو لأنها محور الحياة الإنسانية وعمودها الفقري، فهي أمر لا بد منه لدوام الحياة الاجتماعية وتقدمها مادياً ومعنوياً. فغاية الأخلاق الإسلامية هي الوصول إلى تحقيق السعادة، وهي الطريق إلى السعادة. ولهذه الأخلاق تحديات وآفات أهمها: الهوى والتقليد الأعمى، وهذا ما كان عليه كل شعب من الشعوب القديمة جاءتهم رسلهم بخلع الأوثان والإقرار بوحدانية الله، فكان جوابهم ما جاء في القرآن الكريم: (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أوَ لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون). وإن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق، ولم يتركهم لأنفسهم لأنهم لا يستطيعون التوصل إلى معرفة الفضائل الإنسانية والكمالات الخلقية كلها، فأرسل إليهم الرسل ليبصِّروهم طريق الخير فيتبعوه، وطريق الشر فيجتنبوه، ولتطبيق الأوامر الإلهية والنواهي، فمهمة الرسل إيجاد المجتمع الفاضل. هذا المجتمع الذي لم تستطع فلسفات العالم وعلى مر التاريخ من إيجاده بالعقل ولن تستطيع لا في الحاضر ولا المستقبل، بل وُجد بما أوحي على الأنبياء من تشريعات تنظم حياة البشر، وكان شرع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم آخرها، وهو القدوة المثلى والعظمى للأخلاق؛ فكراً ومنهجا وسلوكاً، وكذلك كان مجتمع المسلمين الأوائل. فالإنسان لا يستطيع أن يستغني عن مثل أعلى في سلوكه، ولا يمكن أن يتصور المرء إنساناً يعيش بلا ضمير يحاسبه إذا أخطأ ويلومه إذا استمر في الخطأ وتمادى في الشر.
وإن مؤسسة الأمم المتحدة بمواثيقها وادعاءاتها بالحضارة لا تدعوا إلى الأخلاق بل تريد سحقها في مجتمعاتنا كما سحقتها في الغرب، لقد أعطت الحضارة الحديثة الكثير من وسائل الترف، ولكنها سلبت أكثر مما أعطت؛ سلبت الإنسان الراحة والاستقرار النفسي حتى سمي هذا العصر بعصر القلق.
إن مؤسسة الأمم المتحدة بشرعتها ودعوتها فرض الحرية وحقوق الإنسان ورفع التمييز والعنف عن المرأة والمطالبة بتمكينها في نواحي المجتمع، هي عناوين في ظاهرها الخير والحق وفي مضامينها وتفاصيلها وأهدفها الشر والفساد والإفساد بحد ذاته. فهم وأعوانهم في مجتمعاتنا يستهدفون الأسرة في بنيتها والمجتمع في أخلاقه وثقافته وهويته الحضارية، ومن ذلك؛
1. دعوتهم إقرار قانون المساكنة؛ بحيث تصبح المرأة كما الرجل حرّة في اختيار من تساكن، فلا تلزم الزوجة بمساكنة زوجها ولا العكس، ولا يلزم الولد وخصوصاً البنت -وبعد بلوغها سن الثامنة عشرة- من مساكنة والديها.
2. ودعوتهم اعتبار الزواج قبل سن الواحد والعشرين جريمة توجب العقاب، في المقابل دعوتهم اقرار قانون يجيز للمراهقين وخصوصاً الفتاة ممارسة الجنس دون قيد الزواج ابتداء من سن الخامسة عشرة.
3. دعوتهم إلغاء قوانين الأحوال الشخصية المبنية على أساس الدين، واعتماد التشريعات المدنية المستنبطة من الشرعة الدولية، وإلغاء قانون المواريث. دعوتهم إعطاء المرأة الحق في الإدعاء أمام القضاء بالاغتصاب الزوجي وفي أي وقت ترى ذلك، وبناءً على دعواها يجرم الرجل مالم يكن له عليها دليل يفيد رضاها كالإفادة الموقعة منها تفيد رضاها.
4. دعوتهم اعتبار حصرية إلحاق الولد بنسب واسم عائلة الأب تمييزاً وعنفاً ضد المرأة، واقرار قانون –من منطلق مساواة المرأة بالرجل- يلحق الولد وبحسب التوافق بين الأب والأم باسم عائلة الأب أو عائلة الأم أو إنشاء اسم عائلة خاصة به.
5. دعوتهم إقرار قوانين تعطي الحرية بالممارسة الجنسية لأي إنسان مع أي كائن كان، فالعلاقة الجنسية دون زواج مباحة وليست جريمة، وسواء كانت هذه العلاقة بين رجل وامرأة أو بين رجل ورجل أو بين امرأة وامرأة، أو بين إنسان وحيوان، وتجريم المعترضين على ذلك.
6. دعوتهم وقف مناهج التربية الدينية في المدارس، واستبدالها بمناهج التربية المدنية والجنسية وحقوق الإنسان والمعرّفة بثقافة الجندر... 
هذا غيض من فيض مما يريدونه من أخلاق رذيلة وممارسات شاذة وقوانين منحرفة لتسحق الأخلاق الإسلامية وجوداً وتحجبها عن المجتمع فكراً وسلوكاً ومنهجاً. يريدون تفتيت المنظومة الأسرية المبنية على القواعد الأخلاقية، والغرق في المادية، والتوهان في جاهلية النظام العالمي الجديد... وفلا بد من الحذر منهم والتعاون على مواجهتهم ومقاطعة من يساعدهم من سياسيين وأحزاب ومؤسسات وجمعيات.. تخلّو كالغرب عن شرف العهد وصدق الكلمة، وتحولت العلاقاتهم من المبادئ إلى المصالح.
إن العالم اليوم بحاجة ماسة إلى الأخلاق، والمسلم هو صاحبها ورائدها وقائدها وهو مدعو إلى أن يسعد البشرية بتقديمها إلى الإنسانية؛ خُلقاً يعايش النفس فتنعم بالطمأنينة بعد الرعب والخوف، وتنعم بالسلام في ظلال الإسلام، وليكن البدء من النقطة الأولى من الفرد.

**مدير مركز المفتي جلال الدين الثقافي