الاثنين 22 نيسان 2019

أبحاث ودراسات

الاختلاط في التعليم دمار تربوي بقلم المفتي الشيخ أحمد نصار

الاختلاط في التعليم دمار تربوي بقلم المفتي الشيخ أحمد نصار

بقلم المفتي الشيخ أحمد نصار

التاريخ ,

لا يمكن للمؤسسات التعليمية أن تحقق أهدافها ومقاصدها التربوية والاجتماعية والحضارية، إلا في ظل شروط معينة ومواصفات محددة تجعل منها فضاءً خلاقاً للأخذ والعطاء، تتفتق فيه المواهب وتجد فسحتها ومجالها الرحب، ولا ريب أن على رأس تلك الشروط، جعل المحيط المدرسي محيطاً يتسم بالنقاء والبعد عن المثيرات والمشوشات التي تطمس الفكر وتعوق عملية الإبداع عن أن تسير في مجالها الصحيح، ورغم كثرتها في زماننا المعاصر فإن من أبرزها تسبباً بذلك الاختلاط في كافة مراحل التعليم، ولذلك يقرر د.ألكس كارليل قائلاً: "عندما تتحرك الغريزة الجنسية لدى الإنسان تفرز نوعاً من المادة التي تتسرب في الدم إلى دماغه وتخدره فلا يعود قادراً على التفكير الصافي".

 

لقد كان لمؤتمر مدريد للسلام والمنعقد عام 1991م الأثر البالغ في فرض نهج جديد في التعامل مع المجتمعات العربية، فمشروع السلام المزعوم مع الكيان الصهيوني يحتاج لتغيير في المفاهيم العربية والإسلامية، والمنظومة التعليمية التربوية والثقافية هي الأساس في هذا التغيير، ورجال السياسة في العالم العربي هم الوسيلة الأسرع في فرض منظومة التحلل من الهوية العربية والإسلامية وتفكيك الارتباط العقدي بين فلسطين والمجتمعات العربية وكسر روح المقاومة... لذلك فإنّ المتسلط العالمي لن يمكّن من التصدّر في الدول العربية إلا السياسي الذي يلتزم تنفيذ هذا المسار، وهذا السياسي بدوره لن يمكّن في بلاده أحداً من الوصول إلى المفاصل المؤثرة في المجتمع؛ إعلامياً أو اقتصادياً أو تربوياً بل وحتى في المؤسسات الدينية.. إلا من دان له بالولاء ووافقه في تبني مشروع فرض الهوية المشوّهة والمفككة للمجتمع باسم الشرعة الدولية.

 

وبعد مدريد كان مؤتمر السكان في القاهرة 1994م، ثم المؤتمر العالمي للمرأة في بكين 1995م، ثم الإعلان باسم الشرعة الدولية فرض رفع تحفظات الدول العربية عن كافة بنود اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة "سيداو" لفتح أبواب الإباحية على مصارعها، وتدمير الأسرة، وإلغاء التأثير الديني على الهوية فكريا وسلوكياً. وبهذا أصبحت الحكومات العربية ومنها لبنان ملزمة بتطبيق كافة بنود اتفاقية "سيداو" وإدخالها في قوانينها وإجراءاتها الحكومية دون اعتبار للدين أو العادات أو التقاليد أو الموروث الثقافي الأصيل. وقد تضمنت المواد العاشرة والحادية عشرة من الاتفاقية " المساواة المطلقة في التعليم ومناهجه .. والقضاء على جميع أشكال التمييز في فصل الطالبات عن الطلاب في المدارس والتوظيف والعمل، وفرض الاختلاط في تلك الأماكن".

 

والمضحك المبكي أن الغرب ومنذ تسعينات القرن الماضي، أي أثناء فرض الاختلاط على مجتمعاتنا، بدأ العمل جدياً على الفصل بين الجنسين في التعليم في مجتمعاته، فالكليات والمدارس تجاوز عددها عام 2010م المائة والخمسين مؤسسة تعليمية في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها، وأعداد كثيرة في أوروبا كذلك. هذا العمل الجدي في الفصل بين الجنسين في التعليم جاء بعد وقوف كامل على المشاكل التي جُنيت من وراء الاختلاط؛ من دمار أخلاقي ونفسي وشذوذ وأمراض وانتهاك لمكانة المرأة، ورأو أن الطالبة في المدرسة والجامعة لا تفكر إلا بعواطفها والوسائل التي تتجاوب مع هذه العاطفة، وتبين لهم في دراساتهم أن أكثر من 60% من الطلاب وخاصة الإناث منهم كان من أسباب رسوبهن يعود إلى تفكيرهن في الجنس أكثر من دروسهن ومستقبلهن.

 

فقد أجرت المؤسسة الوطنية للبحث التعليمي في بريطانية عام 2002م دراسة شملت 2954 مدرسة ثانوية منتشرة على أراضيها، وكان من أهم نتائجها أن أداء الطلبة الذكور والإناث أفضل دراسياً في المدارس غير المختلطة، وأن الفتيات كن أكثر استفادة من الفصل بين الجنسين في تنمية أدائهن، وأن المدارس غير المختلطة تحقق أفضل النتائج وأعلاها بشكل روتيني.

 

كما أظهرت دراسة أجرتها الوكالة التربوية الأمريكية أن الفتيات الأمريكيات في الفصول المختلطة أكثر عرضة للإصابة بالقلق والاكتئاب والتفكير في الانتحار والإقدام عليه؛ ففي المدارس الحكومية المختلطة تصاب واحدة من بين كل ثلاث فتيات في سنِّ الثانية عشرة بالقلق، وتصاب الثانية بالاكتئاب وتصبح فريسة لأعراضه السوداء. ونشرت صحيفة واشنطن بوست مقالاً مطولاً حول مضار الاختلاط في التعليم بتاريخ 14/5/2002م، وأوردت فيه الصحيفة تعليقاً لافتاً لمدير إحدى المدارس يقول فيه: "على الأولاد أن يتعلموا كيف يكونون أولاداً، وعلى البنات أن يتعلمن كيف يكنَّ بناتٍ، ولن يستطيعوا أن يفعلوا ذلك في الغرفة نفسها".

 

وتتالت الأبحاث والدراسات والإحصائيات وتصريحات علماء التربية من الأوروبيين والأمريكيين والتي تظهر خطر الاختلاط على العملية التربوية بل وعلى بناء الأجيال التي ستأخذ راية القيادة والبناء للمجتمعات والأوطان، وبسبب مثل هذه النتائج أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي بوش الابن تشجيعها لمشروع الفصل بين الجنسين في المدارس العامة، وصدر إعلان عن هذا المشروع في 852003م في السجل الفيدرالي، وصرح البيت الأبيض أن المدارس الابتدائية والثانوية التي تودٌّ الفصل بين الجنسين ستُمنَح تمويلاً يفوق المدارس التي ستختار الإبقاء على النظام المختلط.

 

إن دعاة الاختلاط في لبنان وكذا في العالم العربي لا تسوقهم عقولهم، وإنما تسوقهم شهواتهم، وهم يبتعدون عن الاعتبار بما وصلت إليه الشعوب التي تبيح الاختلاط والتحرر في العلاقات الاجتماعية بين الرجل والمرأة، كما أنهم وأمام شهوة السلطة وفساد المعتقد وانحراف المنهج، يخلصون في مهامهم تمكين اتفاقية "سيداو" ومنها فرض الاختلاط في التعليم، وعليه فقد باتت أكثر من 85% من المدارس الرسمية في لبنان تعتمد الاختلاط في التعليم، ولم يقتصر تأثيرهم على المدارس الرسمية بل تعدّاه إلى الجمعيات التربوية الخاصة والكبرى في المجتمع –كالمقاصد الإسلامية مثلا-، وكل ذلك دون التفات إلى ما وصل إليه أسيادهم من قناعة واعتماد الأصلح لمجتمعاتهم وهو منع الاختلاط في التعليم، فتقول ليزا رايرسون رئيسة جامعة ولز: "إن الجامعة النسائية تزيد الثقة بالنفس والطموح عند طلبتها بعكس الجامعات المختلطة"، وتضيف البروفيسورة  نانسي بيدي في دراستها المقارنة لمصادر النجاح في أكاديميات القرن التاسع عشر والمنشورة في المجلة الأمريكية للتربية في العام 1999م بأن "سر النجاح يكمن في وجود المدارس غير المختلطة"، وقد عرضت الجمعية الوطنية لتشجيع التعليم في أمريكا الدراسات التي قامت بها جامعة ميتشغان والتي تؤكد أن الفصل بين الجنسين في المدارس يعطي نتائج أفضل في المستوى التعليمي للبنات وللأولاد.

 

إن من آثار الاختلاط تلاشي الحياء الذي يعتبر سياجاً لصيانة وعصمة المرأة بوجه خاص، مما يؤدي إلى انحرافات سلوكية تبيح تقليد الغير تحت شعار التحرر والحرية ورفع التمييز والعنف عن المرأة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا لم تستح فانصنع ما شئت). وإن أي جريمة يُنهش فيها العرض ويُذبح فيها العفاف ويُهدر فيها الشرف ويُلوث فيها الفكر ويُنتشر فيها الفساد؛ إذا ما فتشت عن الخيوط الأولى التي نسجت هذه الجريمة فإنك حتما ستجد أن هناك ثغرة حصلت في السد المنيع الذي وضعه العليم الخبير بما أنزله من تشريع محكم بصدد طبيعة العلاقة بين الرجال والنساء، ويكفي في ذلك ما أورده تقرير لجنة الكونغرس الأمريكية عن تحقيق جرائم الأحداث، وأن من أهم أسبابها الاختلاط بين الشباب من الجنسين بصورة كبيرة، كما يمكن الرجوع إلى إحصائيات وزارة الصحة والخدمات الإنسانية ومكتب إحصاءات العدل التابع لوزارة العدل الأمريكية.

 

وإن النصيحة التي نقدمها لكل من بقي في قلبه ذرة من إيمان وهو مازال يسعى مع المفسدين في تمكين بنود "سيداو في المجتمع، هي إنذاره بقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.