الجمعة 23 آب 2019

أبحاث ودراسات

ذكرى أربعة أيوب في بيروت والعالم الإسلامي  وبيروت تحتاج إلى أيوب جديد

ذكرى أربعة أيوب في بيروت والعالم الإسلامي وبيروت تحتاج إلى أيوب جديد

المؤرخ د. حسان حلاق

التاريخ ,

شهدت بيروت المحروسة عبر تاريخها الطويل كثيراً من العادات والتقاليد التي اندثر بعضها، ولم يبق في الأجيال المعاصرة من يعرف شيئاً عنها. ومن العادات البيروتية التي اندثرت « ذكرى أربعة أيوب» حين كان أهل بيروت يقيمون منذ ما قبل الإسلام الذكرى تكريماً للنبي أيوب عليه السلام لشدة صبره واحتماله المصاعب والأمراض والشدائد التي مرت عليه، واستمر مؤمناً صابراً، مثلاً يحتذى في الصبر، وشاع في بيروت المثل القائل «يا صبر أيوب». ومن الآيات التي وردت في القرآن الكريم عن النبي أيوب (وأذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب) سورة ص، الآية 41. وفي قوله تعالى (وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين، فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وأتينه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين) سورة الأنبياء، الآية 83 – 84، كما ورد ذكره في سورة النساء الآية 163، وسورة الأنعام الآية 84.

وقيل أن النبي أيوب (( نُصح بالقدوم من فلسطين إلى بيروت وجبل لبنان للاستشفاء في مناخه الملائم. ومكث مدة على شاطئ بيروت من الرملة البيضاء حتى حنتوس (الإمام الأوزاعي حالياً). وكل مرة يسبح على شاطئ الرملة البيضاء سبع مرات على سبع موجات، لأن الرقم (7) من الأرقام المحببة والمباركة في جميع الأديان ومنها الإسلام، وبتكرار السباحة والاغتسال بالمياه العذبة بالقرب من «مية الدالية» مع الدعاء شفي النبي أيوب، ونصح في ما بعد بالتوجه نحو جبل لبنان لاستكمال شفائه، فصعد إلى منطقة نيحا الشوف حيث وجد المناخ الملائم، فأقام فترة يغتسل بمياه المنطقة حتى حصل الشفاء التام، ثم عاد إلى فلسطين حيث توفي. وكما أهل بيروت عملوا على تكريمه لمئات السنين بإحياء ذكراه، كذلك أهل نيحا أقاموا له ضريحاً ومزاراً باسم « النبي أيوب» وتقيم الطائفة الدرزية الكريمة عيداً سنوياً له يحتفل به أبناء المنطقة، كما يقومون بزيارته في عيد الأضحى المبارك، وفي المناسبات الدينية والاجتماعية. 

واعتاد البيارتة في حالة إصابة الرجال والنساء أو الشباب أو الأولاد بأي سوء (عدم الزواج، عدم القدرة على الزواج، عدم الإنجاب، القرينة، التلبس، و....) أن يتجهوا إلى شاطئ البحر، على أن يسبح المصاب سبع مرات على سبع موجات – اقتداء بالنبي أيوب – مع تلاوة القرآن الكريم على نية الشفاء أو تحقيق المبتغى.

وارتبطت بأربعة أيوب، حلوى اعتاد البيارتة طبخها – ولا يزالون – وهي «المفتقة» المؤلفة من :أرز وطحينة وسكر وعقدة صفراء مع رش الصنوبر فوق الصحون الممتلئة بها. وتصادف الذكرى الأربعاء الأخير من شهر نيسان من كل سنة، والمثل الشائع كما هو معلوم «مية نيسان بتحي الإنسان». كما اعتاد البيارتة بعدم الكنس والمسح في بيوتهم في هذا اليوم لئلا يفور النمل، مما يدعوهم للتشاؤم. 

وفي أربعة أيوب يتوجه البيارتة رجالاً ونساءً بمأكولاتهم وفي طليعتها المفتقة إلى منطقة الرملة البيضاء، كما أن الأولاد يطيّرون طياراتهم الورقية في السماء، وحتى قبيل عام 1958 كانت السيدة حدرج عيتاني (الست حدرج) تقود العائلات البيروتية من مناطق رأس بيروت والحمراء وعائشة بكار والزيدانية ورمل الظريف في تظاهرة حاشدة إلى الرملة البيضاء لهذه الذكرى العظيمة لنبي من الأنبياء زار بيروت ونزل فيها يسبق ذلك منذ ما بعد صلاة الفجر تذكير ودعوة الناس للمشاركة في الذكرى. كما تدعو السيدة خديجة لبش (خديجة سلام) وشقيقها حسين لبش الأهالي من مناطق البسطة التحتا والبسطة الفوقا، وبرج أبي حيدر والمناطق المحيطة بها للنزول إلى الرملة البيضاء للمشاركة في ذكرى أربعة أيوب. أما منطقة الطريق الجديدة، وأبو شاكر والمزرعة فقد كانت تترأس الدعوة السيدة أم زكور بُخاري (والدتها من آل دوغان)، فضلاً عن مظاهرات لأولاد وفتيان المناطق قبل عدة أيام لتذكير البيارتة بذكرى أربعة أيوب. 

والملاحظ أن النساء البيروتيات اللائي يتميزن بالقدرة والجرأة والقوة الشعبية هن ممن يترأس هذه التظاهرات الشعبية، لأنهن أكثر قدرة على التعاطي مع نساء الأحياء والأطفال والأولاد، وبدون هذه المجموعات الاجتماعية لا يمكن إقامة مثل هذه الذكرى. بالإضافة إلى المفتقة كان أهل بيروت يتزودون بالبطاطا المسلوقة والبيض المسلوق، والفول بالأرز والفول الأخضر، وأم قليبانة المشوية أو الخضراء والنعومة والترمس والكعك وغزل البنات وسواها. 

وهذا اليوم يعتبر «ظاهرة شعبية» انفردت بها بيروت مع المفتقة دون سائر المدن والحواضر اللبنانية والعربية. وشهدتُ هذه الاحتفالات لما كنت طفلاً، كنا ننـزل مع ذوينا وأقربائنا وجيراننا من الطريق الجديدة إلى الرملة البيضاء عبر الرمال والكثبان. ولم تكن في المنطقة أية أبنية أو بيوت، وكانت تمتد جغرافية أربعة أيوب من الرملة البيضاء حتى موقع المطعم الصيني اليوم. وأذكر أن آخر مرة احتفل أهل بيروت بهذه الذكرى في نيسان 1958، وفي أيار من العام ذاته وقعت أحداث 1958، وبدأت تتلاشى الذكرى التي كانت من الأجمل في بيروت المحروسة. والأمر الملاحظ أن ذكرى أربعة أيوب ما تزال تقام في أكثر من منطقة في العالم الإسلامي مثل منطقة العريش وفي مدن فلسطين، وما يزال قائماً حتى الآن ضريح النبي أيوب في استانبول تكريماً له ولذكراه.