السبت 24 آب 2019

أبحاث ودراسات

الإنتحار... هدم بناء الله

الإنتحار... هدم بناء الله

اللواء

التاريخ ,

كثرت في الأيام الأخيرة الأنباء الواردة عبر العالم بالمجمل، بما فيها العالم الإسلامي والعربي، حوادث الانتحار وخصوصاً في أوساط الشباب. هذه الظاهرة الخطيرة تحتاج الى دراسة وتدقيق لمعرفة الدوافع التي تدفع هذه البراعم البشرية الواعدة التي يعوّل عليها لحمل مسؤولية عمارة الأرض وتنميتها وازدهارها الى إنهاء حياتهم بهذه الطريقة المحزنة.

بتركيزنا على وضع حالات الانتحار في لبنان نرى أن هذا البلد يشهد تزايداً منها منذ عقد ونيّف، وقد وصل الى ذروتها في العام 2018 حيث وصل عدد المنتحرين فيه الى مئتين، أي أنه كانت هناك حالة انتحار في مجتمعنا العام الماضي كل 44 ساعة. هذه ليست الإحصاءات الأسوأ عالمياً إنما هي الأسوأ في تاريخ لبنان. ومن المعلوم إحصائياً أن مقابل كل حالة انتحار يوجد عدة محاولات انتحار، أي أن أكثر من ألفٍ من الناس يحاولون الانتحار سنوياً في لبنان.

من المعلوم أن الذي يقدم على الانتحار قد وصل الى حالة نفسية مرضية، لكن ما هو المتغيّر الحياتي أو الاجتماعي الذي حصل في العقدين الماضيين الذي أدّى ويؤدي الى زيادة حالات الانتحار في وطننا؟

 

تنوّع الأسباب

ربما هي متغيّرات حياتية واجتماعية كثيرة. إحداها هي تزايد دخول التكنولوجيا الى مجتمعنا، ومن الملفت أن أوروبا شهدت تزايداً مماثلاً في حالات الانتحار عند دخول التكنولوجيا والصناعة الى مجتمعها خلال الثورة الصناعية منذ قرنين من الزمن. ذاك أنه وجد حينها الكثير من الأوروبيين أنفسهم في حالة ضياع في أمرهم ضمن تحوّلهم من مجتمع زراعي الى آخر صناعي وتكنولوجي. وقد عانى الكثير منهم حينها من صعوبة في التكيّف مع هذا التغيير السريع في مجتمعهم وهويتهم. البعض منهم لم يستطع التكيّف بالسرعة الكافية لمحيطهم الجديد فلجأ الى الانتحار.

مع أن لبنان لا يعتبر بلداً صناعياً بالمعنى الدولي الاقتصادي إلا أنه بلد منفتح على الشرق والغرب، وكثير من وسائل التكنولوجيا قد دخلت مجتمعنا مؤخراً من ضمن موجة العولمة. منها الانترنت وسهولة وسرعة الحصول على معلومات (الصحيح منها والمغلوط)، وقنوات فضائية تلفازية عديدة تبثّ السليم وغير السليم من البرامج، وسائل تواصل اجتماعي عديدة منها الـ «واتساب» والـ «فايسبوك» ما يسمح للتواصل الصحي وغير الصحي، الى ما هنالك. تفتقد هذه الوسائل التكنولوجية الى مواكبة ورقابة أخلاقية لضبطها وتنظيمها وهذا الفقدان أغرق كثير من الناس في بحر من التأثيرات الاجتماعية السيئة. بالتالي بدأنا نرى مؤخراً خلطاً للقيم وتخبّطاً في الهوية وضياعاً في التوجّه. يضاف الى تلك التأثيرات الاجتماعية، عوامل اقتصادية وسياسية ضاغطة يواجهها مجتمعنا منذ سنوات مما يجعل البعض منا وخاصة الفئة الشبابية حائراً وقلقاً من الحاضر والمستقبل، ويؤدي ذلك أحياناً الى حالة من اليأس واللجوء الى ما لا يحمل عقباه.

إن كل ذلك لا يبرّر للإنسان التخلّص من حياته كحل لأزماته. الحياة أثمن من وضع اجتماعي أو اقتصادي معين، وتتعدّى قيمتها كل ما نراه من حولنا، إنها نعمة قائمة بحد ذاتها وستفارقنا هذه النعمة مهما طال أمدها عندما يقدر خالقنا ذلك، وعندها لن يكون هناك أسف على أي وضع دُنيوي مؤقت ولو طال أمده ولا على أزمة زاد ثقلها علينا، بل على عمر مرّ سريعاً وعلى زيارة الى هذه الدنيا لم نستفد كفاية من فرصتها. فلا تستعجل أيها الانسان اليائس من دنيا لم تقدّم لك ما تطمح إليه لكي تتخلص من حياتك، واعلم أنك أمين على أعظم بناء لله ولو قلَت قيمته في المعايير البشرية. إنك أمين على علاقة وجودك بوجود من حولك من أهل وأقرباء وحتى أبعاد – واعلم أن الله لا يكلّف نفساً إلا وسعها، وإن مع العسر يسرا، وأن الصبر سلاح وهب إلينا للتعامل مع مصاعب الدنيا.

الإيمان سبيل الحماية

إن الاعتماد على المعايير البشرية في تقدير قيمة حياتنا يجعلنا عرضة للخطر الوجودي لأنها معايير شائبة ومتغيّرة، فلنلجأ الى القيم والمعايير الإلهية الثابتة والواعدة بالجزاء الأكبر.

نعلم أن من يقدم على الانتحار قد وصل الى حالة يأس مدمّرة لا يرى حوله إلا سواد قاتم، ولكن اعلم أيها المقدم على الانتحار بأن ما تراه من حولك ليس كل ما في هذا الوجود وأن رؤيتك للأمور رؤية بشرية عرضة للخطأ وأن علمك ناقص وأن الأمل بالحياة لا ينتهي عند رؤيتك له. فكم من إنسان أخطأ بتصوّره لأمور الدنيا واكتشف خطأه في وقت لاحق، وكم إنسان دمّر حياته وحياة من حوله بسبب رؤية خاطئة؟ التاريخ مليء بأمثال هؤلاء.

الانتحار ليس حلاً لمشكلة ولا شجاعة من بطل، إنما هو هروب من مشكلة والهروب لا يتطلب شجاعة، إنما هو تهوّر في إيجاد حل لمشكلة واستخفاف وهدم لأعظم مخلوقات الله على هذه الأرض. إعلم أيها الإنسان أنك لم تأتِ الى هذه الحياة الدنيا بقرار من عندك وأن وجودك هنا هو بقرار وقدر إلهي وبالتالي مغادرتك إياه يجب أن يترك الى من وهبك هذا الوجود. وليس هو بأي وجود بل بأكرمهم لقوله تعالى {ولقد كرمنا بني آدم...} كما جعلنا أفضل خلائق الأرض وأسيادها. ولفضله تعالى أرفقنا بالرسالات السماوية والرسل الكرام لنعيش سعداء وسالمين.

في الختام, نذكر بعض آيات الله وأحاديث رسوله (صلى الله عليه وسلم) التي تنهى نهياً كاملاً عن الانتحار. قال تعالى في محكم التنزيل: {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} (سورة الإسراء 32)، وقال تعالى: {من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً}. (المائدة 32)

أما من أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فنذكر قوله عليه الصلاة والسلام: «من قتل نفسه بحديدة (أي انتحر بآلة أو ما يشابهها) فحديدته في يده يتوجاً (أي يطعن بها) في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً. ومن شرب سماً فهو يتحساه (يتجرعه) في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً. ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً» (البخاري ومسلم).

أ. كمال نحّاس