الجمعة 23 آب 2019

مقالات

الصراع والانقسام داخل تنظيم الدولة الإسلامية

الصراع والانقسام داخل تنظيم الدولة الإسلامية

المعهد المصري للدراسات

التاريخ ,

مقدمة

لم يكن الانحسار الميداني لتنظيم الدولة الإسلامية، وسقوط معاقله في العراق وسوريا ومقتل معظم قادته؛ التجلي الوحيد للأزمة التي باتت تعصف بصفوفه وتهدد وجوده، بل مَثَّل تصدع بنيته الأيديولوجية على وقع الانقسام الحاد بين قادته وشرعييه وجنوده أبرز مظاهر وتجليات هذه الأزمة، لاسيما وأن هذا الانقسام لم يكن بسبب تباين في المواقف والرؤى الفقهية أو الاستراتيجية أو التنظيمية وإنما نشب على خلفية تضارب في القناعات العقدية والمنهجية بما لا يسمح بأي مساحة للالتقاء والتعاون أو على الأقل تأجيل الخلافات إلى حين. سنحاول في سياق هذه الورقة فهم الانقسام العقدي الحاد الذي مسَّ صميم البنية الأيديولوجية لتنظيم الدولة الإسلامية على نحو موثق وشامل، مستفيدين مما نشره وسرَّبَه المنشقون من عناصر وقادة التنظيم من وثائق وشهادات، وما أصدرته مؤسساته المعتمدة من بيانات ونشرات وتعميمات، وهي المواد التي صار ممكنا من خلالها بناء تصور واضح عن أسباب وأبعاد الخلافات المنهجية داخله ومدى عمقها واتساعها، وسنعمل على مقاربة هذا الموضوع الشائك في ضوء الأسئلة الآتية:

متى ظهرت الخلافات داخل تنظيم الدولة وماهي طبيعتها؟

ماهي هوية التيارات المتنافسة داخله وماهي أفكارها وقناعاتها؟

ماهي أسباب وخلفيات الانقسام داخل التنظيم؟ وماهي أبعاده وتجلياته؟

ما موقع وموقف “الخليفة” من هذا الخلاف والانقسام؟

تهدف هذه الورقة إلى تسليط الضوء على زاوية في تنظيم الدولة الإسلامية طالما أراد لها التنظيم أن تبقى في الظل، حفاظا على تماسك بنيته وتوحد أنصاره واتباعه، وهي الزاوية التي تناسل فيها الخلاف والصراع بين قادته وشرعييه، واحتد فيها الشقاق بينهم إلى الدرجة التي تحول فيها التنظيم إلى تيارات كلامية متنافسة تراشقت تهم التبديع والتكفير فيما بينها.

وتكمن أهمية بحث ودراسة هذا الموضوع في اعتبار تنظيم الدولة الإسلامية فاعلا استراتيجيا فرض نفسه بقوة على الساحة الدولية، وكان لظهوره تأثير بارز على الخريطة السياسية للعالم، ولا شك أن أي تغيير أو تحول يطرأ على هذا الفاعل الاستراتيجي المهم هو تغيير جدير بالدراسة والملاحظة والتقييم، خصوصا إذا ضرب هذا التغيير عميقا في بنيته هذا الفاعل، وانعكس بالتالي على دوره وحضوره، وآفاق تأثيره ومستقبل وجوده، كما أن كل ما كتب حول موضوع الخلافات داخل تنظيم الدولة من تقارير وقصاصات إخبارية اختزلت المسألة في التنافس بين ما يسمى بالتيار الحازمي والتيار البنعلي بينما صارت الخلافات أشد تعقيدا وتشعبا من مجرد حصرها في تيارين متنافسين كما سنرى.

المحور الأول: جذور الخلافات وسياقات تشكلها

أولا: تنظيم الدولة ومبدأ التكفير

يعتبر تنظيم الدولة الإسلامية مؤسسة قائمة على مبدأ التكفير، فالتكفير هو بمثابة المحدد الرئيسي لوجود وهوية التنظيم، وكان هذا الأخير واضحا مع أنصاره وجنوده في تأكيده الملزم أنه لا يقبل “أن يظهر من بين جنودنا من يتوقف في تكفير أعيان هؤلاء الذين نقاتلهم ويقاتلوننا.. وإن ظهر فيرفع أمره إلى أمير مفصله ليُسْتَدْعَى ويُتَثَّبَت مما نُسِب له، ويُبَيَّن له حال هذه الفصائل إن كان يجهلها، فإن توقف بعد البيان فيحال إلى القضاء لاستتابته”[1] فالتكفير يحتل مكانة مركزية في بنية التنظيم الأيديولوجية، وقد تأسس وتمايز عن المكونات الجهادية الأخرى على أساس أنها مكونات “مرتدة” خارجة عن الملة[2]، وأنه الطائفة الناجية الوحيدة، فإذا استبعد التنظيم مفهوم التكفير، أو قلل من أهميته في نسقه الأيديولوجي ستصبح حينها الحدود بينه وبين المكونات الإسلامية الأخرى حدودًا باهتة، ولن يكون لخطاب التفوق و”الصفاء العقدي” الذي يدعي التفرد به أي معنى، فحسب أدبيات تنظيم الدولة يمثل “تكفير المشركين من الأصول العظام التي جاء بها الأنبياء والمرسلون”[3] والتكفير شرط من شروط الايمان لأنه من الكفر بالطاغوت الذي دعت إليه الآية الكريمة {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى}[4] وعلى أساس كفر المكونات الإسلامية الأخرى شيَّدَ تنظيم الدولة شرعيته، وبرر لعناصره وجوب قتال الطوائف الأخرى والقضاء عليها، وسنتعرض لمواقف يتم تخيير بعض قادة وعناصر التنظيم فيها بين تكفير بعض الشخصيات والكيانات أو القتل ردة[5]، ولذلك فقد صدرت الأوامر لمكتبة الهمة التابعة لتنظيم الدولة -وفق وثيقة مسربة- بإعطاء الأولوية لكتب العقيدة التي عليها مدار الكفر والإيمان أكثر من كتب الفقه واللغة أو غيرها من المباحث الشرعية[6].

إذا كان مفهوم التكفير بهذه الأهمية لدى تنظيم الدولة فإن أي اضطراب يمسه سينعكس بالضرورة على تماسك التنظيم ومردودية أدائه، ولأنه بهذه الأهمية فقد عمد التنظيم إلى استحداث عدة مؤسسات وهيئات هدفها الأساسي “صيانة” هذا المفهوم المركزي من تأثير نزعات “الإرجاء والتجهم”، وضبط الخطاب الشرعي وتدبيره بما يصب في مصلحة التنظيم وعقيدته القتالية، ومن بين هذه المؤسسات: “المكتب المركزي لمتابعة الدواوين الشرعية” و “اللجنة المفوضة” و”مكتب البحوث والدراسات” و”ديوان القضاء” و “لجنة الرقابة المنهجية” و”ديوان الدعوة والمساجد” و”المكتب الشرعي لديوان الجند” و”المكتب الشرعي لإدارة المعسكرات” و”مكتبة الهمة” و”ديوان التعليم”. ورغم كل هذه الهيئات والمؤسسات -التي سنتعرف على أدوار بعضها لاحقا- إلا أن التنظيم أخفق في تدبير الملف الشرعي خصوصا ما يتعلق منه بمسائل الكفر والايمان، وفشل في إلزام أتباعه بمواقف موحدة فعاش في السنوات الأخيرة على إيقاع فتاوى متضاربة أعقبتها مفاصلة حادة بين كبار أمراءه وقادته وشرعييه.

ثانيا: بداية الخلاف والانقسام

لا شك أن الخلافات بدأت في الظهور بعد تمدد تنظيم الدولة الإسلامية إلى سوريا في 9/04/2015، لكن هذا لا يعني أنها لم تكن موجودة قبل ذلك، إذ أن بعض المباحث العقدية شكلت دوما نقاطا للجدل والاختلاف بين منظري الجماعات الجهادية، وتحتوي مكتبة التيار الجهادي على العشرات من الردود والتعقيبات والاستدراكات المتبادلة بين شيوخ التيار، ونذكر هنا على سبيل المثال الكتاب الأشهر لأبي قتادة الفلسطيني “جؤنة المطيبين” الذي ألفه ردا على كتاب ظهر في نهاية التسعينيات حمل عنوان “كشف شبهات المقاتلين تحت راية من أخل بأصل الدين” وهو الكتاب الذي يرى مؤلفه كفر حركة طالبان وحرمة القتال في صفوفها. وكتاب أبي محمد المقدسي “النكت اللوامع في ملحوظات الجامع” الذي استدرك فيه على تأصيلات الدكتور سيد إمام في كتابه “الجامع في طلب العلم الشريف” كما أن جماعة الجهاد المصرية عدلت كثيرا في كتاب سيد إمام وأعادت نشره بعنوان “الهادي إلى سبيل الرشاد في معالم الجهاد والاعتقاد”، والجدير بالملاحظة هنا أن المباحث العقدية التي اختلف حولها هؤلاء المنظرون هي تقريبا نفسها التي استأنف شرعيو تنظيم الدولة الجدل حولها مجددا.

بعد الاحتلال الأمريكي للعراق وظهور الفصائل الجهادية المختلفة، لم يحدث أن كانت المسائل العقدية مثارا للنقاش وسببا للصراع بينها، ليس لأن هذه الفصائل تصدر حينها عن رؤية عقدية ومنهجية واحدة، بل لأن وجود الاحتلال الأمريكي وتمدد النفوذ الشيعي وَحَّدَ جميع التنظيمات والفصائل الجهادية تحت غاية واحدة “إخراج الاحتلال الأمريكي وحماية أهل السنة”، كما أن الهامش المتاح للنقاش على الفضاء الافتراضي للجهاديين عبر المنتديات الحوارية تمت مراقبته بصرامة من طرف مركز الفجر للإعلام الذراع الإعلامي لتنظيم القاعدة، الذي كان يملك حق منح وحرمان المنتديات الجهادية من التزكية، وعندما تظهر منتديات منافسة كمنتدى شبكة حنين ومنتدى البراق والتجديد ومداد السيوف فإنه سرعان ما يتم هجرها لأنها غير معتمدة من مركز الفجر، وإذا ما تجرأ أحد وطرح موضوعا مثيرا للخلاف في منتديات المركز فإن عضويته تتعرض للحظر والإيقاف[7].

عقب تمدد تنظيم الدولة الإسلامية إلى سوريا انفتح أمام التنظيم واقع جديد غير الذي ألفه في العراق، وكان لمعطيات وملابسات هذا الواقع دور كبير في إثارة الخلاف وتكريس الانقسام، ونحن هنا لا نقصد الخلاف الحاصل حينها بين تنظيم الدولة وجبهة النصرة ولا بينه وبين الفصائل الأخرى بل نقصد الخلاف المنهجي الذي استشرى داخل التنظيم نفسه، فبعد انتقال الثورة السورية إلى طور العسكرة وظهور الفصائل الجهادية، تقاطر إلى البلد آلاف المتطوعين الأجانب من مختلف الطبقات والشرائح والخلفيات المذهبية والثقافية واللغوية، ما خلق بيئة من الأفكار والقناعات والمواقف الشرعية المتنوعة وإن استوعبها تنظيم الدولة في البداية تحت شعاراته الكبرى وخطوطه العريضة، هذا التنوع لم يلبت أن خلق حالة من الاستقطاب والتمايز ومحاولة كل طرف فرض مواقفه على الطرف الآخر، لذلك سنجد أن أول منطقة في سوريا ظهر فيها الخلاف والانقسام في صفوف تنظيم الدولة هي منطقة حلب، لأن المدينة كانت محاذية للحدود مع تركيا وهي أول منطقة يتم استقبال المهاجرين فيها فور دخولهم إلى سوريا[8]، سنشير أيضا هنا إلى أن الكوادر الشرعية التي التحقت بتنظيم الدولة بعد تمدده إلى سوريا لم يكن بعضها محسوبا على التيار الجهادي من قبل، بل لم يسمع بعضهم بكبار منظري التيار إلا بعد التحاقه بالتنظيم[9]، وبعضهم الآخر لم يتبنَّ الأفكار الجهادية إلا بعد ثورات الربيع العربي[10].

لقد كان بعض خصوم تنظيم الدولة الإسلامية أيضا من ذوي القناعات الجهادية ويتبنون مواقف شرعية متقاربة –قبل المفاصلة الحادة- فكان الحكم عليهم من الناحية الشرعية أمرا معقدا وباعثا على الخلاف والتناقض بين قادة وأمراء تنظيم الدولة، وبالتالي امتد الخلاف والسجال إلى أدق وأصغر المسائل العقدية كالعذر بالجهل، والناقض الثالث لحسم الخلافات لأن المسائل الكبرى “كتحكيم الشريعة” و”جهاد الطوائف الممتنعة” و”الولاء والبراء” كانت محل اتفاق بين الجميع[11].

سابقا كان أي خلاف ينشب داخل التيار الجهادي يتم فورا تطويقه ضمن حدود ضيقة، وكان الفضاء الإلكتروني الذي يتداول فيه الجهاديون مواقفهم وآرائهم والمتمثل في المنتديات الجهادية مراقبا بعناية من قبل مجموعة من المشرفين اليقظين، الذين لا يترددون في تعديل أو حذف أي مشاركة لا تنسجم مع توجهات التيار الجهادي وتنظيم القاعدة بشكل خاص، هذا الأمر لم يعد قائما مع ظهور مواقع التواصل الاجتماعي التي أتاحت للجميع مساحة غير محدودة للتعبير عن الرأي بحرية، والوصول إلى جمهور المستخدمين بكل سهولة، هكذا وجد شرعيو وعناصر تنظيم الدولة نافذة لنشر مواقفهم ومخاطبة أنصارهم دون وصاية من أحد، فخرجت من ثَمَّ خلافاتهم عن نطاق السيطرة، وسنجد مثلا أن تغريدة واحدة على موقع تويتر من تركي البنعلي أحد شرعيي التنظيم كفيلة بإطلاق شرارة الانقسام الداخلي، وبداية مسار دموي دخل فيه التنظيم ولم يخرج منه بعد[12].

لقد صار إذن المجال التداولي الجهادي المغلق والمنيع مفتوحا ونهبا للمواقف والقناعات الشرعية المتضاربة في اللحظة السورية، ووجد تنظيم الدولة الإسلامية نفسه في مهب عاصفة عاتية من السجالات والمعارك الكلامية العصية على الحسم والتطويق، ولأن هذه السجالات ذات طابع عقدي فإن تجاهلها أو إرجائها يبقى إجراء غير وارد، لأن ذلك في عرف فرقاء التنظيم يعتبر تفريطا في العقيدة “الصافية”، وإعطاء للدنية في الدين.

ثالثا: مؤسسات الرقابة على الخطاب الشرعي

أمام فوضى الفتوى، والتسيب الأيديولوجي الذي وجد فيه تنظيم الدولة الإسلامية نفسه نتيجة وفرة الكوادر المهاجرة الذي حملت معها زخما من القناعات الشرعية المتضاربة، فقد عمد قادة التنظيم إلى استحداث مؤسسات كثيرة لضبط وتقنين الخطاب الشرعي ضمن جهاز بيروقراطي معقد ومتعدد الوظائف والتخصصات شيده التنظيم في سياق ترتيبه لشؤون “خلافة” امتدت على مساحات شاسعة وتضع يدها على موارد هائلة. يهمنا هنا ذكر المؤسسات التي ارتبط عملها بالجانب الشرعي، وعلى نحو خاص تلك التي دخلت معترك السجال والتنافس المنهجي داخل التنظيم.

لجنة الرقابة المنهجية: وهي لجنة أسسها وأشرف عليها أبو محمد فرقان مؤسس الجهاز الدعائي لتنظيم الدولة، ويعتبر شعبة المصري وأبو ميسرة الشامي أبرز أعضائها[13]، وتسمى أيضا بلجنة التقييم أو اللجنة المنهجية، وتتمثل مهمة اللجنة في استدعاء الشرعيين والدعاة أو مقابلتهم في مقار عملهم والقيام بتقييم شامل لهم يبدأ من مرحلة طلبهم للعلم إلى التحاقهم بالتنظيم، وسؤالهم عن موقفهم من بعض المسائل الشرعية الحساسة فيما يشبه “محكمة تفتيش”، ينتهي عملها برفع تقرير مفصل عن الشخصية قيد التقييم إلى “ديوان الخليفة” مذيل بتوصيات إما بتزكيتها أو سجنها أو استتابتها وقتلها[14]، وتعتبر لجنة الرقابة المنهجية من أخطر الهيئات التي سيطر عليها “تيار أبو محمد فرقان” كما سيأتي توضيح ذلك في فقرة لاحقة.

مكتب البحوث والدراسات: يعتبر مكتب البحوث والدراسات الجهة الرسمية الوحيدة المخولة بإصدار الفتاوى الشرعية المعتمدة من التنظيم، وكان سابقا يسمى بـ “ديوان البحوث والإفتاء” لكن وفي سياق الصراع والتنافس المنهجي تم تقليص صلاحيات المؤسسة وتحولت من “الديوان” إلى “المكتب”[15]، وتعتبر المعقل الرئيسي لتيار “البنعلي والقحطاني”. والمكتب “جهة مستقلة تعنى ببحث المسائل الشرعية، والإفتاء في النوازل والحوادث، وهو يتبع مباشرة أمير المؤمنين أو من ينوب عنه، وقد تم إنشاؤه بأمر مباشر منه”[16]

المكتب المركزي لمتابعة الدواوين الشرعية: وهي مؤسسة رقابية استحدثها تنظيم الدولة الإسلامية لإخضاع المفاصل الشرعية للمراقبة، وإصدار بيانات وتعميمات ملزمة، والمكتب هو من أصدر أول بيان أثار الجدل والخلاف داخل التنظيم[17].

اللجنة المفوضة: وهي من أهم مؤسسات تنظيم الدولة الإسلامية وأكثرها نفوذا بعد ديوان الخليفة، ومهمتها الإشراف على الدواوين والهيئات والمكاتب والولايات في كافة ربوع “الدولة”،[18]تموقعت اللجنة المفوضة في قلب الصراع المحتدم بين التيارات المنهجية داخل التنظيم، حيث تعاقب على إدارتها محسوبون على “تيار الفرقان” ثم “تيار البنعلي والقحطاني”، أصدرت اللجنة تعميمات متناقضة على فترات مختلفة، ما يعكس حدة التنافس وسعي كل طرف إلى إدارة اللجنة وجعلها منبرا لنشر مواقفه وتوجهاته[19].

مكتبة الهمة: وهي بمثابة دار نشر تابعة لتنظيم الدولة، والمسؤولة عن طباعة الكتب والنشرات والمطويات المعتمدة، وقد حاول كل تيار جعل المكتبة تعمل لصالحه عبر طبع ونشر كتاباته وأدبياته، إذ لا يمكن اعتماد أي مقرر دراسي سواء في المعسكرات أو في المدارس والمعاهد التعليمية ما لم يصدر عن مكتبة الهمة، وسنرى بعد قليل أن سيطرة “تيار الفرقان” على المكتبة ألجأ “تيار البنعلي والقحطاني” إلى وسائل بديلة لطباعة ونشر مؤلفاتهم بين الأنصار.

إضافة إلى المؤسسات والهيئات السابقة فقد اضطلعت مؤسسات أخرى بمهمة الرقابة على الخطاب الشرعي و”صيانة” مبدأ التكفير الذي قام عليه بنيان تنظيم الدولة الإسلامية مثل “ديوان الدعوة والمساجد”، و”ديوان التعليم” و”المكتب الشرعي لديوان الجند” و” المكتب الشرعي لإدارة المعسكرات” و” ديوان القضاء”.. كما أن “ديوان الإعلام المركزي” كان له دور “شرعي” فاق دور كثير من هذه المؤسسات كما سيأتي. لكن ورغم وفرة وتنوع الهيئات والمؤسسات التي عُهد إليها بمهمة ضبط وتدبير الخطاب الشرعي داخل تنظيم الدولة الإسلامية إلا أنها فشلت فشلا ذريعا في ذلك، بل كانت عاملا من عوامل تأجيج الصراع بين فرقاء التنظيم، وتحولت إلى معاقل يتمترس خلفها كل تيار من أجل النيل من التيار المنافس.

لم تكن مواقف الأطراف المختلفة في بداية الخلاف داخل تنظيم الدولة الإسلامية متبلورة وواضحة، ولم يصل التمايز والمفاصلة داخله إلى الدرجة التي هي عليه اليوم، فكان الجميع حينها يتحدث عن الصراع بين “تيار الحازمي” و”تيار البنعلي”، أما اليوم فإن الحديث عن الصراع بتلك الصيغة يعد اختزالا مخلا للأزمة داخل التنظيم، لاسيما وقد أخذت الأزمة أبعادا ومستويات أخرى مع مضي البنية الأيديولوجية للتنظيم إلى مزيد من التفكك والتشظي مع مرور الوقت، ويمكن تقسيم مستويات وأبعاد هذا الانقسام إلى بُعْدَيْن:

  1. البعد الأيديولوجي (الشرعي)
  2. البعد التنظيمي المؤسساتي

المحور الثاني: الانقسام الأيديولوجي (الشرعي) داخل تنظيم الدولة

نقصد بالبعد الأيديولوجي (الشرعي)، ذلك السجال الذي أخذ طابعا عقديا صرفا، والذي يحاول فيه كل طرف فرض مواقفه “الكلامية” والمنهجية، وجعلها عقيدة رسمية “للدولة”، وقد انقسمت هذه الأطراف إلى ثلاثة تيارات متنافسة، وليس إلى تيارين كما كان شائعا ومتداولا، تبعا لموقع كل منها من المسائل العقدية المثيرة للجدل، كـ “العذر بالجهل” و”الناقض الثالث” و”الشفاعة” و”أحكام ساكني دار الكفر الطارئ “وغيرها.

أولا: التيار الحازمي

ويسمى التيار الحازمي نسبة إلى الشيخ أحمد بن عمر الحازمي، وهو عالم سعودي ينحدر من مكة المكرمة، وخريج جامعتها (أم القرى) لازم الشيخ آدم الإثيوبي لعشرين سنة، وأخذ العلوم الشرعية من علماء المملكة العربية السعودية ومن بعض الوافدين إليها، تخصص الحازمي في علوم العقيدة واللغة العربية وله معرفة جيدا بعلم المنطق[20]، والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: كيف أثر هذا الشيخ المغمور وغير المحسوب على منظري الجماعات الإسلامية في التيار الجهادي وكيف أحدثت مواقفه الشرعية تصدعا في البنية الأيديولوجية لتنظيم الدولة الإسلامية؟ هذا ما سنوضحه في الفقرة التالية.

بعد سقوط نظام زين العابدين بن علي في تونس، تولد انطباع لدى قطاع عريض من الدعاة في العالم الإسلامي أن تونس بحاجة إلى جرعات مستفيضة من الدعوة وهي المنعتقة لتوها من قبضة نظام علماني صارم، اتخذ خيار الاستئصال وتجفيف المنابع سبيلا لحماية الهوية العلمانية للبلد، كان الشيخ أحمد بن عمر الحازمي من بين الشيوخ الذين وصلوا إلى تونس لإقامة أنشطة دعوية وتعليمية بها، كان غيره من الدعاة الوافدين من مصر والسعودية والكويت قد أقاموا مهرجانات دعوية شارك فيها عشرات الآلاف من المواطنين التونسيين الذي تفاعلوا بحماس واضح مع هؤلاء الدعاة الذين كانوا قبل ذلك نجوما في الفضائيات الإسلامية[21]. وإذا كان هؤلاء الدعاة قد تطرقوا في محاضراتهم ومواعظهم إلى مواضيع عامة من النوع الذي يلهب مشاعر الجمهور، فإن الشيخ الحازمي حمل معه إلى تونس أجندة دعوية مختلفة، فقد أقام الشيخ دورات علمية في مجال “العقيدة” تناول فيها أخطر مباحثها وأشدها حساسية كـ “شرح نواقض الإسلام” و”نَظْم الورقات” و”الأجرومية والأصول الثلاثة” و”كتاب التوحيد”، فترة الدورة أسبوعين، ساعتين كل يوم[22]، ولأنه اختار أحد مساجد حي الخضراء الشعبي بالعاصمة تونس الذي يرتاده السلفيون، فإن دوراته سيكون لها أبلغ الأثر بعد ذلك في صياغة قناعات من سيسمى لاحقا بالتيار الحازمي داخل تنظيم الدولة، فقد حضر دورات الحازمي بعض عناصر وكوادر جماعة أنصار الشريعة بتونس، وآخرون مستقلون لم ينضووا تحت لواء أي تنظيم.

أثناء دخول الثورة السورية مرحلة العسكرة وتأسيس الفصائل الجهادية توجه هؤلاء الذين حضروا دورات الشيخ الحازمي إلى سوريا حاملين معهم تأصيلات الشيخ واتخذوها عقيدة لهم، هل يعني هذا أن المجال التداولي الجهادي كان خاليا من الأدبيات العقدية التي تصلح للتبني؟ أو أن منظري التيار الجهادي لم يتطرقوا إلى مباحث العقيدة في مؤلفاتهم وإصداراتهم، حتى يأتي شيخ مغمور طالما نسب إلى المدرسة الجامية، ليعطي دورات علمية في العقيدة لأفراد وكوادر التيار الجهادي؟ كلا، فنظرة سريعة على قسم “عقيدة أهل الجنة” في موقع منبر التوحيد والجهاد مثلا كفيلة بتأكيد اهتمام شيوخ التيار الجهادي بمباحث العقيدة بل إن عامة كتاباتهم تدور في فلكها، لكن الذي ميَّزَ تأصيلات الحازمي وجعلها مقبولة لدى قطاع من الجهاديين هي طابعها الراديكالي ونَفَسُها المغالي، وهي التأصيلات القادرة على تلبية وإشباع نزعة الانطلاق والاندفاع الجامح لشباب وجدوا أنفسهم فجأة متحررين من أصفاد العلمانية، وحاملين لمشاعر الثأر منها ومن “أعداء الشريعة”، ولم يعد بالتالي الخطاب الجهادي المكبل “بثلاثينية” المقدسي، و”جؤنة” الفلسطيني[23] قادرا على استيعابهم واحتوائهم.

يمكن اختصار المسائل التي أثارت السجال والانقسام داخل تنظيم الدولة الإسلامية إلى المسائل التالية:

  • العذر بالجهل في مسائل التوحيد والشرك وتكفير العاذر
  • حكم المتوقف في المشركين (الناقض الثالث)
  • التكفير بالتسلسل
  • هل التكفير أصل من أصول الدين أم من لوازمه؟
  • حكم المتواجدين في دار الكفر الطارئ
  • الاستشفاع بالأموات هل هو من الشرك أم بدعة مفضية إليه؟
  • التحاكم اضطرارا إلى القوانين الوضعية[24]

لكن مدار الخلاف تركز حول “الناقض الثالث” من نواقض الإسلام العشرة التي قررها محمد بن عبد الوهاب، والمتمثل في كفر “من لم يُكَفِّر المشركين أو شَكَّ في كفرهم أو صَحَّحَ مذهبهم”[25].

يعتقد أحمد بن عمر الحازمي أن مدار الكفر والإيمان على عدة مسائل قسمها إلى ثلاثة أنواع[26]:

أ. النوع الأول: ما يتعلق بمسائل التوحيد والشرك وهذه لا يعذر فيها أحد بجهل أو تأويل سواء بلغته الحجة الرسالية (أقيمت عليه الحجة) أو لم تبلغه، واستدل بمجموعة من الآيات والأحاديث منها قوله تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه} فوصفه الله تعالى بالشرك حتى قبل أن يسمع كلامه، والآية الكريمة الأخرى {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة} فوصفهم الله بالكفر والشرك حتى قبل أن تصلهم البينة أي قبل أن تقام عليهم الحجة، إلى جانب الآيات والأحاديث فقد استند الحازمي إلى علوم اللغة من أجل تأصيل مواقفه، ووظف إحدى القواعد اللغوية ليؤكد أن كل من تلبس بنوع من الشرك أو الكفر فإنه يسمى كافرا ومشركا فقال: “يُمنع لغةً بإجماع أهل اللغة أن من قام به الوصف لا يشتق له منه اسم” بمعنى إذا اتصف أحد بوصف ما وَجَبَ اشتقاق اسم له منه، فمثلا من صام يسمى صائما ومن مشى يسمى ماشيا ومن صلى يسمى مصليا، وبالتالي من تلبس بشيء من الشرك أو الكفر يسمى مشركا وكافرا، ويرى الحازمي أن “لا عذر بالجهل في مسائل التوحيد والشرك”.

ب. النوع الثاني: يسمى بالمسائل الظاهرة وهي ما دون التوحيد والشرك من المعلومات من الدين بالضرورة، كتحريم الربا والزنا ووجوب الصلاة وغيرها، فكل من أنكر هذه المسائل وجب الحكم عليه بالكفر، لكن بعد إقامة الحجة عليه إذا كان حديث عهد بكفر أو نشأ في بادية بعيدة، وينكر الحازمي التصنيف المعروف عند العلماء (كفر النوع وكفر العين)، واعتبر أن موانع التكفير لا تمنع الحكم بالكفر بل ترفعه، أي أن المرء يكون كافرا فيُرفع عنه الكفر بوجود مانع من موانع التكفير.

جـ. النوع الثالث: سمَّاه الحازمي المسائل الخفية؛ وهي التي يدركها العالم وتخفى على الجاهل، وفيها ما هو مكفر كفرا أكبر مخرج من الملة، وهذا النوع فقط هو الذي تُراعى فيه القاعدة المعروفة “تحقق الشروط وانتفاء الموانع”.

ثمة مسألة أخرى مرتبطة بتأصيلات الحازمي، وكان لها دور بارز في تفشي الانقسام داخل تنظيم الدولة الإسلامية، وهي مسألة “التكفير بالتسلسل” وتعني “تكفير الكافر الذي قضت النصوص الشرعية بكفره وشركه، وتكفير من لم يكفره، وسميت بالسلسلة لأنها مرتبطة ببعضها كحلقات السلسلة المتصلة فكل حلقة مرتبطة بأختها لزوما من غير انفصال”[27]، والحازمي يرى التكفير بالتسلسل، ويعتقد أن من لم يكفر من تلبس بالشرك الأكبر لَحِقَه في الكفر، ومن لم يكفر هذا الذي لم يكفره كَفَرَ أيضا وهكذا، وهذه النقطة بالتحديد هي التي انفرد بتبنيها التيار الحازمي في “الدولة”، فبحسب الحازمي “لن يثبت لك إسلام ولا توحيد إلا إذا اعتقدت كفر المشركين وكفر من لم يكفر المشركين، لا بد من ذلك، وهذا التكفير عيني وليس بنوعي، بمعنى أننا لا نحتاج إلى إقامة حجة على من توقف في كفر المشركين، لأن هذه المسائل واضحة ظاهرة بَيِّنَة كالشمس، فلا نحتاج إلى إقامة حجة”[28].

يعتبر أبو جعفر الحطاب رائد هذه القناعات الجذرية داخل تنظيم الدولة الإسلامية، الذي شغل فيه منصب مسؤول التعليم وعضو اللجنة الشرعية قبل تأسيس الدواوين، ينحدر الحطاب من تونس لكنه أمضى سنوات عديدة في المملكة العربية السعودية، قبل أن يعود إلى بلده ويشارك في المشاريع الدعوية التي أشرفت عليها “جماعة أنصار الشريعة” بعد الثورة، في بداية 2013 غادر الحطاب إلى سوريا والتحق بكتيبة المهاجرين والأنصار التي كان يقودها عمر شيشاني، انضم إلى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام بعد إعلانه، كما دعا غيره من المهاجرين إلى الانضمام إليه ومبايعة البغدادي وألف في ذلك كتابا سماه “بيعة الأمصار للإمام المختار”، إضافة إلى كتب ومحاضرات أخرى ألفها دفاعا عن مواقفه الشرعية مثل “الكواشف الجلية على أن العذر بالجهل عقيدة الأشاعرة والجهمية” و”مذهب ابن تيمية في التكفير” و”الثمر الداني في الرد على الحدوشي والكتاني”، ولم يلبت أن جاهر أبو جعفر الحطاب بمواقفه اتجاه ما يراه مخالفات شرعية وصلت حد الكفر وقع فيها تنظيمه، مما أدى إلى اعتقاله وقتله تعزيرا في نهاية عام 2015[29].

لم يضع قتل الحطاب حدًّا للجدل الذي أثارته مواقفه وإنما كان بداية لظهور تيار يرى كفر البغدادي وكافة عناصر “الدولة الإسلامية” ووجوب “التبرئ منها ومفارقتها وعدم الانضمام إليها”[30]، تعامل “ديوان الأمن العام” بصرامة مع تيار أبو جعفر الحطاب وشن حملة اعتقالات وتصفيات شاملة وواسعة ضد كل من حمل أفكار الحطاب أو الحازمي أو خالد المرضي كما سنرى لاحقا، ويجادل أصحاب هذا التيار بأن: “الهالك العدناني والطاغوت البغدادي أخزاه الله يعلنان مرارا وتكرارا كفر الجيوش العربية وكفر الطواغيت بمختلف مسمياتهم كعبد الفتاح السيسي أو محمد مرسي لكنهم يتورعون عن تكفير من يواليهم من العوام الجهال”[31] ويصرون على أن “الحقد على الشيخ الحازمي” سببه نصرته للتوحيد وعدم إعذاره للمشركين بالجهل[32]، ومن أهم قادة ورموز هذا التيار: أبو جعفر الحطاب، أبو مصعب التونسي، أبو أسيد المغربي، أبو الحوراء الجزائري، أبو خالد الشرقي، أبو عبدالله المغربي[33].

ثانيا: تيار الفرقان

اخترنا اسم الفرقان لهذا التوجه العقدي داخل تنظيم الدولة الإسلامية، نسبة إلى القيادي في التنظيم “أبو محمد الفرقان”، الذي يرجع إليه فضل تكريس مجموعة من القناعات والمواقف الشرعية، وفرضها على عناصر وشرعيي التنظيم، مستغلا نفوذه وسيطرته على أهم أذرع التنظيم “ديوان الإعلام المركزي”، وأيضا قدرته على ممارسة الضغط على المؤسسات الأخرى للتنظيم بما فيها “ديوان الخليفة” و”اللجنة المفوضة” و”مكتبة الهمة”، وإشرافه على هيئات ومؤسسات أخرى مثل “لجنة الرقابة المنهجية”، هذا النفوذ الذي تمتع به الفرقان، مكنه من صياغة سردية جهادية، كان لها دور كبير في الصراع الذي قوض البنية الأيديولوجية لتنظيم الدولة.

يعتبر أبو محمد الفرقان واسمه الحقيقي وائل عادل حسين الفياض، مهندس الامتداد الرمزي لتنظيم الدولة في الفضاء الإلكتروني، وصانع منظومته الدعاية المعقدة. ورغم اهتمامه بالجانب الإعلامي للتنظيم إلا أنه دفع بقوة باتجاه تبني التنظيم لقناعات شرعية معينة. وكانت له ولرجاله داخل التنظيم مواقفهم الشرعية المتعلقة بالمسائل المنهجية والعقدية المثيرة للجدل. ومن أجل فرض هذه المواقف أشرف الفرقان على كتابه عقيدة تنظيم الدولة الإسلامية واعتمادها في كل مفاصل التنظيم الشرعية والعسكرية وطبعها في سلسلة كتب بعنوان “التوحيد الخالص” تحصينا للدولة من الأقوال الإرجائية الشاذة التي بدأت في الانتشار والتفشي[34].

يتبنى تيار الفرقان جزءً من تأصيلات الحازمي لكنه يختلف معها في جزئية أساسية وهي اطراد التسلسل في التكفير، غير أن رموز وشرعيي التيار ما فتئوا يحذرون من الحازمي ويعتبرونه “مبتدعا وجاميا قاعدا عن الجهاد”[35].

أحكم هذا التيار قبضته على تنظيم الدولة لفترة من الوقت، وقاد حملة تطهير واسعة ضد كل المعارضين لمواقفه، سواء كان هؤلاء المعارضون من “التيار الحازمي” حين أعدم رؤوسهم واعتقل العشرات منهم أو من “تيار البنعلي والقحطاني” الذين تبادل معهم السيطرة على مفاصل “الدولة” كما سنوضح[36].

نستطيع إجمال مواقف “تيار الفرقان” من المسائل المثيرة للخلاف في أنه يرى أن “تكفير المشركين مسألة ظاهرة في الدين، وقيام الحجة فيها هو بلوغ القرآن حقيقة أو حكما ومن لم يُكَفِّر المشركين بعدما بلغه القرآن فهو كافر مرتد”[37] ويعتقد –أي تيار الفرقان-أن “من توقف في تكفير الرافضة كلهم؛ علمائهم وعوامهم كَفَرَ ولا يرون التسلسل في ذلك”[38] بمعنى أن من لم يكفر الشيعة بعوامهم وعلمائهم كَفَرَ، إلا أن الذي لا يُكَفِّر من لا يكفر الشيعة لا يكفر، وعلى هذا الأساس كَفَّرَ هذا التيار باقي مكونات التيار الجهادي ومنظريهم مثل أبي محمد المقدسي الذي لا يرى كفر عوام الشيعة، و”يحكمون على الشخص في دار الكفر الطارئ بما يظهر منه، وذلك لالتباس الحال فيها”[39] وتعني هذه العبارة الخطيرة أن هذا التيار لا يحكم بإسلام ساكني دار الكفر الطارئ، ويقصدون بدار الكفر الطارئ، كل البلدان الإسلامية التي “لا تحكمها الشريعة فطرأ عليها الكفر”، ويعتبرون أهل هذه البلدان من “مجهولي الحال” أي ينبغي تَبَيُّن حال كل واحد منهم على حدة قبل أن يحكم عليهم بالإسلام أو الكفر، ووردت هذه العبارة بصيغة أخرى في مجلة النبأ التي تعتبر لسان حال هذا التيار “إننا لا نقول بأن الأصل في الناس في دار الكفر الطارئ هو الكفر وكذلك لا نقول إن الأصل فيهم هو الإسلام”[40]. ويمكن اختصار القناعات العقدية والمنهجية لتيار الفرقان كالتالي:

  • أن الحكم على المقيمين في دار الكفر الطارئ بالإسلام هو من بدع المرجئة، لأنهم –أي المقيمين-مجهولو الحال، فلا يحكم لهم بكفر ولا بإسلام، حتى يتبين حالهم.
  • أن التكفير أصل من أصول الدين.
  • لا يعذرون بالجهل في الشرك الأكبر والمسائل الظاهرة ويقصدون بالمسائل الظاهرة ما هو معلوم من الدين بالضرورة.
  • يكفرون من توقف في تكفير الطواغيت، بدون تسلسل في التكفير.
  • يكفرون المرشحين والمنتخبين دون إعذارهم لا بجهل ولا بتأويل.
  • طلب الشفاعة من الأموات من الشرك الأكبر وليست بدعة مفضية إلى الشرك[41].

يمكن القول إن معظم هذه التأصيلات تقترب كثيرا من تأصيلات أحمد بن عمر الحازمي، إلا أن “تيار الفرقان” يرفض بشكل قاطع أن تُنسب أفكاره للشيخ الحازمي، بل هاجمه أكثر من مرة، ودعا إلى حظر توزيع كتبه في المناطق التي يسيطر عليها تنظيم الدولة[42]، ولعل سبب التحفظ على الشيخ الحازمي راجع أولا إلى مسيرته العلمية والعملية “المشبوهة” فهو غير محسوب على “علماء الجهاد” ولم “يهاجر إلى دار الإسلام” ولديه مواقف مسجلة يؤيد فيها الحكومة السعودية، وبالتالي اتخاذه مرجعية علمية لتنظيم جهادي يجعل من السهل على من يريد ازدراء عقيدة هذا التنظيم أن يفعل بذلك، خصوصا خصوم تنظيم الدولة من الجماعات الجهادية الأخرى التي أفنى منظروها أعمارهم في المعتقلات وساحات المعارك. لذلك سنجد ان هذا التيار وعبر لجنة الرقابة المنهجية يتسامح مع من يتبنى كل تأصيلات الحازمي بشرط ألا يباشر عملا يشق به صف التنظيم[43].

من بين رموز وقادة هذا التيار النافذ داخل تنظيم الدولة الإسلامية إلى جانب رائده أبو محمد الفرقان نجد كل من:

أبو زيد العراقي: واسمه الحقيقي إسماعيل العيثاوي، يبلغ من العمر 55 سنة حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم الشرعية من جامعة صدام حسين، انضم العيثاوي إلى مجاميع المقاومة العراقية عقب الاجتياح الأمريكي للعراق في 2003، وعمل في صفوف تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين ثم دولة العراق الإسلامية، اعتقلته القوات الأمريكية وبقي في السجن خمس سنوات حيث أفرج عنه في 2013، خرج من السجن فوجد تنظيم الدولة في أوج قوته وتمدد، فتواصل مع قيادات التنظيم وتنقل بين “ولايات الشام” إلى أن التقى بأبي بكر البغدادي الذي عيَّنَه شرعيا في اللجنة المفوضة ومسؤولا عن كتابة التعميمات الشرعية والمناهج الدراسية للتنظيم، قوة شخصية العيثاوي وتاريخه “الجهادي” وخلفيته العلمية كلها اعتبارات وضعته لاحقا في منصب نائب “الخليفة” وهو أعلى منصب يمكن أن تتقلده شخصية في التنظيم، وبعد انحسار سيطرة التنظيم وخسارته لمعظم معاقله في سوريا والعراق، والاحتراب العقدي الذي عصف بصفه الداخلي وجد أبو زيد نفسه مطاردا من “ديوان الأمن العام”[44] التابع للتنظيم، فتمكن من الفرار والتسلل إلى داخل الأراضي التركية، ليتم اعتقاله هناك وتسليمه للسلطات العراقية التي أصدرت بحقه حكما بالإعدام.

أبو ميسرة الشامي: واسمه الحقيقي أحمد أبو سمرة، ينشط بعدة أسماء مستعارة، منها “أبو سليمان الحلبي” الذي يستخدمه في عمله بـ “ديوان الإعلام المركزي”، و”عبوة لاصقة” الذي أخرج به عدة مقاطع مرئية للرد على بعض الشيوخ و”إسقاط رمزيتهم” كما يقول، أما “أبو ميسرة الشامي” و”أبو سليمان الشامي” فيستعملهما لتوقيع مقالاته ومواقفه الشرعية، أبو ميسرة الشامي من مدينة حلب السورية، درس في الولايات المتحدة وتخرج من معهد ماساتشوستس، تخصص هندسة الكمبيوتر، اعتنق أفكار التيار الجهادي مبكرا وحاول الالتحاق بإحدى بؤر الصراع دون أن ينجح في ذلك، فقرر التخطيط لعملية في الولايات المتحدة، غير أن مخططه تم احباطه قبل أن يصل مرحلة التنفيذ فغادر التراب الأمريكي وعاد إلى مدينة حلب، ليصدر FBI بحقه مذكرة اعتقال في 2009، ظل أبو ميسرة في حلب إلى أن انطلقت فعاليات الثورة السورية وظهور الفصائل المسلحة، حيث انضم إلى جبهة النصرة ثم إلى تنظيم الدولة الإسلامية عقب تمدده إلى سوريا. بقي مغمورا في صفوف التنظيم وطالب مرارا بإرساله في عملية انتحارية، ولما قُبِلَ طلبه واستعد للقيام بها، التقى به عن طريق الصدفة أمير “ديوان الإعلام” أبو محمد فرقان، فأعجب بمهاراته الإعلامية والشرعية، فقَرَّبَه إليه وعمل معه على تطوير الجهاز الإعلامي للتنظيم، أسس أبو ميسرة مجلة “دابق” المشهورة وتولى إدارة تحريرها، وأشرف على إخراج مجلات أخرى كـ “قسطنطيني