الثلاثاء 23 تموز 2019

أبحاث ودراسات

ما حكم صيام يوم الشك؟

ما حكم صيام يوم الشك؟

المفتي الشيخ أحمد نصار

التاريخ ,
ما حكم صيام يوم الشك؟ وهل من صامه يعتبر مبتدعاً. الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه وبعد،، إن مفهوم يوم الشك مختلف في تحديده بين السادة العلماء؛ فقد اعتبر بعض أهل العلم أن يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان ولم يتراء الناس الهلال سواء كانت السماء صافية أو غير صافية، أو شهد برؤيته من لا تقبل شهادته. وذهب آخرون إلى أن يوم الغيم هو يوم الشك. ومنهم من قال أن العبرة باختلاف الناس، فإذا اختلفوا هل هذا اليوم من رمضان أو من شعبان سواء كان اليوم صحوا أو غيما، فهذا هو يوم الشك، وإلا فلا. وعليه فقد اختلفوا في حكم صيام يوم الشك على أقوال كذلك: فذهب بعض أهل العلم؛ إلى أنه يصام يوم الغيم ولا يصام يوم الصحو. وذهب آخرون؛ إلى وجوب صيام يوم الشك مطلقاً، مستدلين بحديثِ أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حيث قالَتْ: (لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ شَهْرا أَكْثرَ مِنْ شَعْبَانَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ) متفق عليه، وبحديث أم المؤمنين أم سَلَمة رضي الله عنها حيث قالَتْ: (لَمْ يَكُنْ يَصُومُ مِنَ السَّنَةِ شَهْرًا تَامًّا إِلَّا شَعْبَانَ يَصِلُهُ بِرَمَضَانَ) أخرجه أبو داود، والنسائيُّ. وذهب جمهور العلماء؛ إلى أنه يحرم صيام يوم الشك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غُبِّيَ -أي خفي- عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين) رواه البخاري. ولقول الصحابي الجليل عمار بن ياسر: "من صام اليوم الذي يُشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم" رواه الترمذي، وقد استُدل على تحريم صوم يوم الشك بقوله لأن الصحابي لا يقول ذلك من قبل رأيه فيكون من قبيل المرفوع. واستدلوا كذلك بحديث أبي هريرة الذي في الصحيحين: (لَا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمَهُ، فَلْيَصُمْ ذَلكَ اليَوْمَ) متفق عليه. وهذا القول هو الراجح والله تعالى أعلم. ويُحْمَلُ صيامُ الشهرِ كُلِّه فيما ورد من حديث أمهات المؤمنين عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما على صيام معظمه؛ إذ القاعدة في ذلك أن الأَكْثَرَ يَقُومُ مَقَامَ الكُلِّ، ومما يؤكد هذا المعنى ماروته السيدة عائشة رضي الله عنها حيث قالَتْ: (مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَاما مِنْهُ فِي شَعْبَانَ) متفق عليه، وعنها رضي الله عنها قالَتْ: (وَمَا رَأَيْتُهُ صَامَ شَهْرا كَامِلا مُنْذُ قَدِمَ المَدِينَةَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَمَضَانَ) رواه مسلم، ويُؤيِّدُه كذلك حديثُ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: (مَا صَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهْرا كَامِلًا قَطُّ غَيْرَ رَمَضَانَ) متفق عليه. وكذلك ينتفي التعارضُ بالجمع بين الأحاديث الدالَّة على مشروعيةِ صومِ معظمِ شعبانَ واستحبابِه مما ذكر سالفاً، وما جاء مِنَ النهي عن صومِ نصفِ شعبانَ الثاني كما في حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: (إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا تَصُومُوا) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة، بما وَرَدَ مِنَ استثناء في حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه بقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (لَا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمَهُ، فَلْيَصُمْ ذَلكَ اليَوْمَ)، أي: إلَّا أَنْ يُوافِقَ صوما معتادا، كمَنِ اعتاد صومَ التطوُّع: كصوم الإثنين والخميس، أو صيامِ داود: يصوم يوماً ويفطر يوماً، أو صومِ ثلاثةِ أيَّامٍ مِنْ كُلِّ شهرٍ؛ وعليه فإنَّ النهي يُحْمَلُ على مَنْ لم يُدْخِلْ تلك الأيَّامَ في صيام اعتاده، أي: مِنْ صيام التطوُّع. ويُلْحَق بهذا المعنى: القضاءُ والكفَّارة والنذر. وبعد ذكر الخلاف في حكم صوم يوم الشك، ورجحان القول بتحريم صيامه، إلا أنه لا يجوز أن يُتهم المخالف بالبدعة أو الضلال إذا كان مستنداً إلى أدلة القائلين بذلك أو كان متبعاً لمن يعتقد صواب هذ القول دون غيره. والله نسأل القبول والتوفيق.