الجمعة 23 آب 2019

أخبار لبنانية

تعطيل مجلس الضمان التحكيمي عمداً: يد شركات التأمين الخفية

تعطيل مجلس الضمان التحكيمي عمداً: يد شركات التأمين الخفية

المدن

التاريخ ,

منذ نحو شهرين تعرض (ع. ح) لحادث سير، وهو يقود سيارته على طريق بطشاي في منطقة بعبدا، أدى لإصابته بكسر في وركه، تحطمت أسنانه وأصيب برضوض في القفص الصدري. وعلى الرغم من أن خبير السير حمّل نسبة المسؤولية الأعلى للسيارة الأخرى، إلا أن (ع. ح) لم يتمكن من مغادرة المستشفى، إلاّ بعد أن وقّع على تعهد بدفع مبلغ 20 مليون ليرة (50 في المئة) من كلفة فاتورة الاستشفاء. ولمّا لم يكن يملك هذا المبلغ، فقد لجأ الى وزارة الصحة، التي تكفلت بالدفع.

 

تكثر حوادث السير التي تنتهي في غالب الأحيان بخلافات بين المتضررين وشركات التأمين. فيجد المتضررون أنفسهم بين خيارين، إما اللجوء إلى وزارة الصحة والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي خلافاً للقانون، وإما إلى المحاكم المدنية، بهدف المطالبة بحقوقهم. وكل ذلك بسبب تعطيل عمل "مجلس الضمان التحكيمي". وهو الجهة القضائية التي أُسند إليها النظر بالخلافات بين شركات التأمين والعملاء. أتى تعطيل المجلس بسبب اعتكاف القاضي الذي يترأسه. علماً أن هذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها تعطيل عمل المجلس، لأسباب منها ما يتعلق بانتهاء مدة ولايته، ومنها ما يتعلق باستقالة القاضي الذي يترأسه.

 

عمل مجلس الضمان التحكيمي

يتألف مجلس الضمان التحكيمي، الذي تشترك في تعيينه وزارتي العدل والاقتصاد، من قاض ومفوض حكومي وخبيري سير. الخبير الأول للكشف على الحوادث، والثاني للتحكيم بالحوادث التي كشف عليها الخبير الأول، بالإضافة إلى ممثل عن شركات التأمين. وهو عبارة عن محكمة مصغرة، مؤلفة من هيئتين ومتخصصة بمعالجة المشكلات الناتجة عن الخلافات بين شركات التأمين وعملائها. ويكتسب هذا المجلس أهميته من خلال آلية عمله والصلاحيات الممنوحة له. فاللجوء إلى المجلس يتم من دون الحاجة إلى محام، إذ يقوم المتضرر برفع لائحة إلى المجلس، فترد شركة التأمين بلائحة مضادة، فيمنح المتضرر فرصة الرد بلائحة ثانية. وبعدها، يصدر المجلس حكمه الذي يتم تنفيذه مباشرة، عبر دائرة التنفيذ. وفي حال رفضت الشركة الامتثال، يتم اقتطاع المبالغ المالية المتوجبة عليها من رصيدها الاحتياطي لدى وزارة الاقتصاد. وما يميز هذه الآلية هو أنها تتم خلال فترة زمنية لا تتجاوز الشهرين، وبكلفة دعوى تبلغ 5 آلاف ليرة فقط، وذلك بخلاف الدعاوى أمام المحاكم المدنية، التي تحتاج إلى فترات زمنية طويلة لإصدار أحكامها، مع ما يرافق ذلك من أعباء مالية مرتفعة نسبياً. علماً أن المجلس يمكنه الحكم بمبالغ تصل إلى 75 مليون ليرة. وعلى هذا الأساس فإن معظم القضايا التي كانت تحال إلى المجلس تحت هذا المبلغ، كان يتم ربحها من قبل العملاء والمتضررين. والأهم من هذا كله هو الصلاحية الممنوحة للمجلس بالتوصية التي يحق له أن يوجهها إلى وزارة الاقتصاد، بالطلب إلى شركات التأمين تخفيض عدد بوالص التأمين الإلزامي، أو منعها من إصدار مثل هذه البوالص، في حال كانت الشركة تتخلف عن الإيفاء بشروط العقود التي تبرمها مع العملاء..

 

شبهات حول اعتكاف قاضي المجلس

يوضح أحد الخبراء ممن يتعاملون مع القضايا المرفوعة إلى المجلس، أن قانون التأمين الإلزامي عندما بدأ تطبيقه في السنوات الأخيرة، كان يحمّل شركة التأمين نسبة 100 في المئة، بشكل لا يتجاوز الحد الأقصى للتغطية التأمينية، وذلك إلى حين البت بنسب تحمّل المسؤولية من قبل الجهة القضائية المعنية، أي مجلس الضمان التحكيمي. أما اليوم، فإن شركة التأمين تتحمّل نسبة 50 في المئة، أي النصف عما كانت عليه سابقاً! وفي حال وقوع خلاف، فإن الحسم يعود للمحاكم العدلية، التي قليلاً ما تصدر أحكامها لمصلحة المتضررين...

 

ويوضح الخبير أن تعطيل "مجلس الضمان التحكيمي" ينسف عملية تطبيق قانون التأمين الإلزامي برمتها، متحدثاً عن خطوة مثيرة للسخرية، تمثلت بالاستعاضة عن المجلس بمكتب شكاوى تم استحداثه في وزارة الاقتصاد، لتولي الخلافات الناتجة عن المشكلات بين شركات التأمين وعملائها. وهو مكتب لا حول له ولا قوة، ولا يملك أي صلاحيات، ولا سلطة قانونية له على شركات التأمين. ويمارس مهامه من باب ما اصطلح على تسميته بـ "المونة"!

 

وعلى هذا الأساس، يؤكد الخبير أن اعتكاف القاضي يثير العديد من التساؤلات والشبهات، حول دور خفي لشركات التأمين، خصوصا ان الاعتكاف، بعكس الاستقالة، يقفل الباب أمام تعيين قاض جديد، معتبراً أن هذا الاعتكاف تم عن قصد، بهدف تعطيل المجلس، مشيراً إلى أن الأسباب التي تذرع بها القاضي للاعتكاف، والمتعلقة بخلاف مع وزارة الاقتصاد، التي طلبت منه رقم حسابه لتحويل مستحقاته المالية لقاء مهامه في المجلس، فرفض واعتكف عن العمل لأكثر من سنتين، لافتاً إلى أن القاضي المذكور قدّم استقالته أخيراً، أي بعد تعطيل لا مبرر طوال المدة الزمنية المشار إليها..

 

تجميد تفعيل "الصندوق المشترك"

ويتحدث الخبير نفسه عن مسألة بالغة الأهمية متعلقة بـ "الصندوق المشترك"، المخصص لتغطية إصابات الحوادث التي تكون فيها السيارة مجهولة. أي عندما تتسبب سيارة ما بإصابات جسدية وتغادر مكان الحادث، فيتكفل الصندوق بالتعويض المتوجب قانونياُ، ولأن الصندوق ممول من شركات التأمين، لا يتم العمل على تفعيله. وهذا ما يثير المزيد من التساؤلات.

 

بغض النظر عن تفاصيل قانون التأمين الإلزامي والمراسيم التنظيمية الصادرة حول تطبيقه، وما يشوبها جميعاً من عيوب، وبالعودة إلى طبيعة مجلس الضمان التحكيمي وآلية عمله وصلاحياته، فإن هناك أسئلة تحتاج إلى إجابات من الجهات المعنية كافة: لماذا الاستهتار بقضايا الناس والسماح باعتكاف قاض كل تلك المدة، وتعطيل حل قضايا المتضررين بلا حسيب ولا رقيب؟ ولمصلحة من هذا الاعتكاف لتعطيل المجلس وتجميد تفعيل "الصندوق" المشترك، غير شركات التأمين الإلزامي المقدر عددها بسبع شركات، تحتكر التأمين الإلزامي وتحقق أرباحاً سنوية تتراوح بين 3 إلى 30 مليون دولار، وتسرح على "هواها"، في حين يتحمل العميل على نفقته الشخصية كلفة العلاج إذا ما تعرض للضرر، أو تتحمل وزارة الصحة والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي هذه الكلفة، بطريقة تنسف الهدف الأساسي لقانون التأمين الإلزامي، والمتمثل بتخفيف الأعباء المالية على الأطراف الثلاثة المذكورة أعلاه! والأهم من ذلك كله: إذا كان القانون قد حدد مهلة السنتين للنظر بالدعاوى أو القضايا المرفوعة إلى مجلس الضمان التحكيمي، فما مصير الدعاوى الموجودة لدى المجلس والتي مضى عليها الزمن بسبب اعتكاف القاضي؟