الجمعة 23 آب 2019

أخبار لبنانية

إضراب مصرف لبنان:

إضراب مصرف لبنان: "بروفا" ناجحة لسيناريوهات سيّئة

المدن

التاريخ ,

إضراب على مدى ثلاثة أيام عمل، امتدت من الجمعة الماضي حتّى الإثنين من هذا الأسبوع، كانت كافية ليشعر الجميع بثقل إقفال مصرف لبنان على الأسواق، وصعوبة غياب يده النشطة عنها. وبحلول يوم الإثنين، تحوّل الإضراب إلى شلل أصاب الأسواق بأسرها، ما جعله نوعاً من تمرين منح اللبنانيّين فرصة أن يروا آثار انهيار من دون أن يحدث الانهيار الكامل فعلاً. بمعنى آخر، كان مجرّد "بروفا" للأسوأ الذي لم يحدث بعد.

غياب سيولة الدولار
مع صباح الإثنين، استيقظ اللبنانيين على أخبار متداولة عن تقاضي أصحاب محلّات الصرافة أسعاراً مبالغاً بها مقابل شراء الدولار الأميركي، تراوحت بين 1535 و1550. كان ذلك مجرّد تطوّر بسيط، لظاهرة بدأ اللبنانيّون يرونها مع كل عطلة طويلة لمصرف لبنان، كعطلة الأعياد الأخيرة، حين يعمد بعض الصرّافين إلى رفع سعر شراء الدولار بسبب –أو بحجّة- إقفال مصرف لبنان، وعدم توفّر الدولارات منه للبيع. لكنّ عطلة الإضراب هذه المرّة كانت أطول، وهو ما جعل أسعارهم – وبالتالي أرباحهم- أعلى في اليوم الثالث من الإضراب (أو اليوم الرابع من إقفال باب مصرف لبنان مع احتساب عطلة الأحد الاعتيادية).

بعد ساعات قليلة في اليوم نفسه، بدأ القلق يساور آخرين من تداول صور لماكينات صرف آلي لبعض المصارف الصغرى، والتي لم يتم تعبئتها بالدولارات. وهو ما عزاه المتابعون إلى غياب السيولة النقديّة بالدولار من مصرف لبنان، بسبب الإضراب أيضاً. ومع انتصاف النهار تبيّن أن بعض المصارف الأخرى لم توافق على أخذ دفعات بالليرة اللبنانيّة لسداد سندات بالدولار الأميركي، بسبب امتناعها عن القيام بعمليّات صرافة من الليرة اللبنانيّة إلى الدولار الأميركي، أيضاً بسبب غياب السيولة بالدولار من مصرف لبنان المقفل.

وبالتوازي، شهدت حركة الشراء بين تجّار الجملة جموداً تاماً، مع توقّف العمل بالمقاصّة التي تقوم من خلالها المصارف بتبادل الشيكات وتحصيلها. كما توقّف معها عمل الحوالات بين المصارف، وغيرها من الأمور الأساسيّة بالنسبة للحركة التجاريّة في البلاد.

وفي السياق نفسه، كانت تخرج صرخة أصحاب محطّات المحروقات، الذين فرضت عليهم شركات التوزيع سداد الفواتير نقداً وبالدولار الأميركي، بسبب إقفال المصرف المركزي، وعدم القدرة على تحصيل الشيكات بين المصارف، وعدم القدرة عن توفير الدولارات بكميّة كبيرة. كان أصحاب محطّات المحروقات أمام معضلة تقاضي ثمن المحروقات بالليرة من زبائنهم، واحتياجهم إلى توفير الدولارات من الصرّافين بأسعار مرتفعة للدفع لصالح شركات التوزيع.

بداية الهلع
مع انتهاء النهار كادت الأمور تصل إلى مشارف حالة الهلع في الأسواق. وهو ما دفع بعض المصادر المصرفيّة إلى إطلاق تسريبات تعلن الاتجاه إلى تعليق العمل بالإضراب في اليوم التالي، لطمأنة الأسواق. لكنّ النفوس لم تهدأ، خصوصاً مع إعلان بورصة بيروت تعليق تداول الأسهم فيها. وبحلول المساء، كانت أخبار الإضراب والوضع المالي تملأ صفحات وسائل التواصل الاجتماعي، وأخبار الوسائل الإعلاميّة. وهو ما دفع الإضراب إلى أخذ حيّز واسع من النقاشات المرتبطة بالموازنة.

توقّع البعض أن يكون ما جرى عرض عضلات من قبل موظّفي المصرف المركزي، قبل أن تقدم السلطة على أي خطوة تطال مكتسباتهم، بينما اعتبرها البعض رسالة من المصرف المركزي نفسه إلى السلطة السياسيّة، ومن يعمل على التأثير على هامش عمله. وفي النتيجة، تم تعليق الإضراب حتّى يوم الجمعة المقبل. وكلمة "تعليق" تعني بوضوح إبقاء سيف الإضراب مسلّطاً على رقاب الجميع. وبالتالي، يكون كل ما جرى من ظواهر تلامس حدود الانهيار، مجرّد استعراض لما يمكن أن يحدث على نطاق أوسع، ولفترة أطول، في حال لم تنته المفاوضات في الأيام المقبلة إلى خاتمة سعيدة. أو ربما، كان الإضراب القاسي رسالة كافية لإنضاج اتفاق تمّ ولم نعلم تفاصيله بعد، وهو ما ستكشفه أيضاً الأيام المقبلة.