السبت 24 آب 2019

أخبار لبنانية

حكومة ضائعة بين الشارع والمصارف: الموازنة قد تُسقط الحريري

حكومة ضائعة بين الشارع والمصارف: الموازنة قد تُسقط الحريري

جريدة المدن الألكترونيّة - منير الربيع

التاريخ ,

أوحى تجديد اعتصامات العسكريين المتقاعدين، الاحتجاجية، أن نتائج اللقاء الرئاسي الثلاثي في بعبدا لم تتحقق كاملة. أو أن هناك المزيد من الثغرات، التي لا بد من سدّها بتكثيف الضغوط في الشارع، لتحسين الشروط. بعد اجتماع بعبدا، جرى التوافق على وقف الإضرابات والاعتصامات والاحتجاجات. لكن بمجرد إعلان العسكريين المتقاعدين "التعبئة العامة" مساء الخميس للتحرك يوم الجمعة والسبت، كان لا بد من قراءة مؤشر التصعيد، وعدم الوصول إلى توافق. وسريعاً ما تحرك المعلمون معلنين عن إضرابهم، وكذلك فعل موظفو الضمان، بينما لم يبد موظفو مصرف لبنان أي جديد، ربما بانتظار التطورات.

جلستان حاميتان
في السياق السياسي، ثمة من استشعر أن طلب رئيس الجمهورية من رئيسي الحكومة ومجلس النواب، بعدم منح الغطاء لأي تحركات في الشارع، والوصول إلى موازنة جدية في إجراءاتها التقشفية، لكن من دون الاقتراب من رواتب الموظفين وعلاواتهم وتعويضاتهم. إلا أن عودة العسكريين المتقاعدين إلى الشارع، وبعدهم موظفي الضمان الاجتماعي، ربطاً بالتحركات التي أعلن عنها المعلمون، أوحى كل هذا أن التنافس في الشارع قد عاد مجدداً. والهدف الوحيد هو الضغط على المصارف، لدفعها إلى تحمّل المسؤولية وإبداء استعدادها للمساعدة على إقرار الموازنة التقشفية.

كان الوزير جبران باسيل واضحاً طيلة الجلسات الفائتة، بأن النقاش الحامي لم يحصل بعد. وعكس كل التوقعات حول إنجاز الموازنة في جلسة الجمعة، فقد تم الاتفاق على عقد جلستين الأحد والإثنين، لاستكمال البحث وإقرار الموازنة. ما يعني أن البنود الأساسية والحساسة والحامية ستكون مؤجلة إلى هاتين الجلستين. وهذا ما دفع بالموظفين والمعلمين والعسكريين المتقاعدين للعودة إلى الشارع واستئناف تحركاتهم، لقطع الطريق على أي محاولة للاقتطاع من رواتبهم أو مخصصاتهم.

العسكر 
وفيما وافقت الحكومة وافقت على رفع الضريبة على فوائد الودائع المصرفية من 7 إلى 10 في المئة، لمدة ثلاث سنوات، وبعد هذه السنوات تنخفض مجددا إلى 7 بالمئة.. وافقت الحكومة على رفع سن التقاعد في الجيش، على أن يكون التقاعد بعد 23 عاماً بدل 18 عاماً. أما ضباط الاختصاص فقد تم إضافة 3 سنوات إلى مدة خدمتهم. وبالنسبة إلى الرواتب والتعويضات، فقد تُرك لقادة الأجهزة الأمنية تحديد الحالات التي يجوز فيها إلغاء التدبير رقم 3 ورقم 2 ورقم 1. وهذا يمثّل خلافاً أساسياً بين بعض الوزراء والقوى السياسية، التي ترفض المساس بهذه التدابير، لـ"أنها مسألة غير ممكنة" حسب مصادر عسكرية، وستؤثر سلباً على معنويات العسكر، ولن يكون هناك إمكانية للفصل بين العسكر على الجبهات والموجودة في الثكنات. وتكشف مصادر متابعة أن لقاءً عقد بين رئيس الحكومة سعد الحريري ووزيري الدفاع والداخلية، للبحث في إلغاء هذه التدابير، وكانت نتائجه سلبية. بينما وزير الدفاع الياس بو صعب لوّح بإلغاء العمل بأحد بنود قانون حفظ الأمن والنظام في لبنان، المتخذ في العام 1991، والذي بموجبه ينتشر الجيش في الشوارع، وبالتالي سحب العسكر عن الطرقات ومن المناطق. وكذلك تم إقرار تخفيض 15 بالمئة من المنح المدرسية ما عدا من يتبعون لتعاونية موظفي الدولة.

البنود الصعبة
ومن الواضح أن سياسة الحكومة في موازنتها تتجه لتكون على حساب الموظف لا على حساب رجال الأعمال والميسورين، خصوصاً أن لا تبرير لاتخاذ هذه الإجراءات في ظل إعفاء اليخوت من الضرائب، ومع عدم إقرار تخفيض رواتب النواب والوزراء، وسط معارضة العديد منهم، فيما يقترح آخرون منهم تخفيض رواتب النواب والوزراء حسب كل حالة، "لأن البعض منهم لا يملك سوى هذا الراتب للعيش"، ومع اعتبار أن السلطات العامة يجب أن تساهم في تخفيض عجز الموازنة.

البنود القاسية على طاولة مجلس الوزراء ستكون في الجلستين المقبلتين. إذ تشير معلومات إلى أن البنود الأساسية والحامية هي التي تتعلق بتخفيض الرواتب والأجور. وحسب ما تشير المعلومات، فإن هذه التخفيضات قد تُدبَّر عبر وضع شطور للرواتب، فيتم اقتطاع نسبة معينة من الرواتب التي تتخطى الأربعة ملايين ليرة مثلاً، على أن تنخفض النسبة للرواتب الأقل، وترتفع للرواتب الأعلى. وحسب ما تؤكد المعلومات فإن باسيل هو الذي يصرّ على تخفيض الرواتب والتعويضات والعلاوات، لسبيين، الأول أنه قال كلمة ولا يريد أن يتراجع عنها، وثانياً لأنه يريد إظهار نفسه للمجتمع الدولي أنه الوحيد القادر على الاندفاع لإجراء إصلاحات حقيقية، بما يرسخ صورة إيجابية عنه خارجياً! وهذا كان محور أساسي في اللقاء بين باسيل والرئيس نبيه بري في عين التينة.

الحريري والمصارف
بالطبع، هذه البنود ستؤدي إلى ازدياد منسوب الاحتجاج في الشارع. والهدف، حسب مصادر متابعة، هو الضغط على رئيس الحكومة سعد الحريري، عبر وضعه من قبل القوى السياسية الأخرى في خانة حليف المصارف. وهذه الضغوط إما تؤدي إلى تدخل المصارف لحلّ الأزمة، أو تتصاعد بوجه الحكومة والتهويل بإسقاطها في الشارع. الأكيد أن الحريري لن يسمح بمحاصرته في أي خانة وإحراجه فإخراجه. وهو حريص على استمرار التسوية الحكومية والرئاسية، وسيسعى للوصول إلى حلّ. لكن المعلومات لا تخفي حجم امتعاضه مما يجري، والتي يعتبرها عاملاً مهدداً لاستمرار التسوية. ما يشير إلى أنه سيسعى بكل قواه للوصول إلى مخرج ملائم، سواء عبر المصارف أو عبر إجراءات أخرى، جميعها على حافة الخطر، تماماً كخطورة الوضع التي تحتّم على الحريري الصمت في هذا الظرف الدقيق.