الجمعة 23 آب 2019

أخبار عربية ودولية

لماذا تفشل ثورات السودانيين ضد العسكر كل مرة؟

لماذا تفشل ثورات السودانيين ضد العسكر كل مرة؟

ساسة

التاريخ ,

في الوقت الذي اقتِيد فيه رئيس السودان المعزول عمر البشير إلى سجن كوبر الصارم، كانت مجموعة من النزلاء القُدامى للمبنى ذائع الصيت في القصر الجمهوري من أجل إجراء مفاوضاتٍ مع المجلس العسكري، في مفارقةٍ عكست تقلبات السياسة في السودان. لكنّ التقلبات لم تكن دومًا في صالح المتظاهرين؛ فلم تكد تمضِ أربعة أيامٍ على بيان الهزيمة الذي تلاه الجيش، حتى أعلن المجلس العسكري الجديد رفضه تسليم السُلطة للمدنيين، لكنه وافق بعدها على مضض بتشكيل مجلس سيادي مدني بأغلبية عسكرية يتحكم هو في اختيار أعضائه وصلاحياتهم.

والمفارقات مازالت حاضرة إلى اليوم؛ فقائد قوات الدعم السريع الفريق أول حميدتي الذي انحاز للثوار أواخر ديسمبر (كانون الأول) العام الماضي، أعلن – بعدما أصبح نائب رئيس المجلس العسكري – استعداداه لفض اعتصام القيادة العامة بالقوة، مُهددًا الثوار بمليشياته التي تُحاصر العاصمة؛ قبل أن يُنفذ تهديده بالفعل في ظل عجز تحالف «قوى الحرية والتغيير» الذي اعترف بوصوله لطريق مسدود في مفاوضاته مع «العسكر»، ليبدو جليًا أن الجيش ورث عن البشير مراوغته، ونافس الثوار في صمودهم.

هذا التقرير يرسم خيوطًا سوداء لنصف قرن من استئثار العسكريين بالحُكم في السودان وإفشال ثوراته.

مكايدات الأحزاب.. كيف فشلت أول تجربة ديمقراطية في السودان؟

«الحمد لله أن قام جيشكم المُخلص بتنفيذ خطته المباركة لإيقاف الفساد وإعادة النظام.. صبرنا على الحكومات حتى نفد صبرنا وهو المسلك الطبيعي لإيقاف الفوضى ووضع حد نهائي لها، ولا نرجو نفعًا ولا كسبًا، ولا نضمر لأحدٍ عداءً» بيان انقلابالفريق عبود عام 1958.

في عام 1946 شهد السودان صراعًا أيدلوجيًا بين كافة الأحزاب السياسية؛ فالاستقلاليون من «حزب الأمة» والشيوعيين، طالبوا بالانفصال عن مصر وتأسيس جمهورية وليدة، بينما سعى حزب «الأشقاء» برئاسة إسماعيل الأزهري – عاشق الوحدة مع مصر – للارتباط بمصر عبر الدعوة التي وجهها لقيام حكومة سودانية تحت التاج المصري، في تلك الأثناء كانت المملكتان البريطانية والمصرية تتصارعان حول اتفاقية الحكم الثنائي في الجنوب حتى وصل الخلاف بينهما إلى مجلس الأمن عام 1947.

 

وبوصول اللواء محمد نجيب إلى الحُكم عقب حركة الضباط الأحرار في يوليو (تموز) عام 1952، خفت صوت الأحزاب المطالبة بالانفصال، كون الجنرال المصري يحمل امتدادًا سودانيًا أكثر من موطنه مصر، حيث وُلد في الخرطوم وتلقى تعليمه بها. ويحكي نجيب في مذكراته «كنت رئيسًا لمصر» تفاصيل أهم اجتماع عقده مع جميع الأحزاب السودانية في منزله بعد ثلاثة أشهر فقط من سقوط المليكة والتي انتهت بتأسيس حزب «الحزب الوطني الاتحادي» برئاسة الأزهري.

في تلك الأثناء كان رئيس رئيس «حزب الأمة» المعارض عبد الرحمن المهدي – والد الصادق المهدي – يتفاوض مع الإنجليز لعرقلة الخُطط المصرية، وبينما أجبرت بريطانيا مصر بتوقيع اتفاقية تقرير المصير للسودان عام 1953، تقضي بتشكيل حكومة انتقالية لمدة ثلاث سنوات تنتهي بإجراء استفتاء شعبي، كانت المفاجأة أنّ «الحزب الاتحادي» الذي تشكّل في منزل محمد نجيب اكتسح خلال الانتخابات مقاعد مجلسي النواب والشيوخ، واستحوذ على كافة الحقائب الوزارية، وتشكلت الحكومة برئاسة إسماعيل الأزهري الذي افتتح أول تجربة ديمقراطية للبلاد.

وبالعودة للرواية السودانية، فإنّ الأزهري بوصوله للحُكم بدأ تدريجيًا التخلي عن فكرة الوحدة؛ فالأحزاب السياسية بكافة انتماءاتها اعتبرت أن الانفصال بدا حقيقة واقعية نظرًا لأنّ النظام الديمقراطي الانتخابي في السودان لا يتفق مع المنحى الشمولي الذي اتخذه الضباط في مصر، خاصة بعد إقالة محمد نجيب والتنكيل بالإخوان المسلمين والشيوعيين. بالإضافة لإهانة رئيس الوزراء المُنتخب من قبل القائمين على الملف السوداني في مجلس قيادة الثورة. وفي 19 ديسمبر (كانون الأول) عام 1955، أعلن الأزهري داخل البرلمان بموافقة جميع الأحزاب – بما فيها زعيم المعارضة – انفصال السودان بدون استفتاء شعبي.

الالتفاف حول الأزهري لم يدم سوى أيام، حتى بدأ السياسيون في ارتكاب أخطائهم التي قتلت أول ديمقراطية وليدة، فالمعارضة الممثلة في حزبي «الأمة» و«الأحرار» حاولت إسقاط حكومة الأزهري أكثر من مرة، ووصل الشقاق داخل الحزب الحاكم بين جناح الأزهري الليبرالي المعارض لتدخل الدين في السياسة، وبين جناح الطائفة الختمية الذي تحالف مع طائفة الأنصار الموالية لـ«حزب الأمة» لإسقاط رئيس الحكومة، ورسمت تلك الصراعات خريطة لتأثر السياسة بالطائفية الحزبية لأكبر حزبيين سودانيين.

وبعد سبعة أشهرٍ من إعلان الاستقلال؛ سقطت حكومة الأزهري إثر الصراع داخل الحزب الحاكم الذي انتهى بانشقاق الختميين وتأسيسهم «حزب الشعب الديمقراطي»، وبعدما تولى «حزب الأمة» المشهد عيّن عبد الله خليل رئيسًا للوزراء، ليكون أول رئيس حكومة ذا خلفية عسكرية، لكنّ التغيير لم يخدم المشهد لصالح العملية السياسية، فكافة الأحزاب فشلت في الاتفاق على صيغة توافقية للدستور، ووضع رؤية لملف التنمية، وحل أزمة جنوب السودان.

لم يصمد الحكم المدني الذي استمر ثلاث سنوات حتى بدأ عهد الانقلابات، واللافت أن أول انقلاب جاء بدعوة صريحة من سكرتير «حزب الأمة» للجيش بالتدخل بمباركة الخَتميين والأنصار؛ بدعوى فشل القوى السياسية في التوافق على رؤية «دولة ما بعد الاستقلال»، لذا كان الحل السريع هو الاستنجاد بالهوية العسكرية حل أفضل من سيناريو الفوضى، وفي نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1958، أعلن وزير الدفاع الفريق إبراهيم عبود سحب الثقة من رئيس الحكومة، وحل البرلمان الذي ألقى فيه بيانه الأول، وأصبح الازهري قيد الإقامة الجبرية، وبذلك فشلت أول تجربة ديمقراطية في السودان نتيجة الحنين للاستبداد.

 

حنينٌ للاستبداد.. هل وجد السياسيون «الحل» في انقلاب عبود؟

منذ خمسينات القرن العشرين شهدت أفريقيا 206 انقلابًا. نجح منها نحو 100 انقلاب، وبالحديث عن السودان باعتباره الدولة التي تحظى بنصيب الأسد في تلك المعادلة بواقع 15 انقلابًا نجح منها حتى الآن أربعة، لكنّ اللافت دومًا أنّ الجيش السوداني يروّج دومًا رسالة واحدة فور وصوله للسُلطة، ألا وهي: «السياسيون هم من يقومون بالانقلابات ونحن فقط ندعمهم»، وبعد يومٍ واحدٍ من الإطاحة بالبشير كرر المجلس العسكري الرسالة القديمة: «ما تم ليس انقلابًا بل استجابة لمطالب الشعب، ونحن تواصلنا مع القوى السياسية».

اللافت أنّ بيان انقلاب عبود يحمل النص نفسه لبيان المجلس العسكري الحالي: «جئنا لتخليص البلاد من الفوضى والاستبداد والعمل على بناء نظام ديمقراطي قوي»، لكنّ الحُكم العسكري الذي دام ست سنوات شهد حل الأحزاب ومصادراتها والتضييق على العمل السياسي، حتى ضد الطوائف الدينية التي باركت الانقلاب، وتحول «حزب الأمة» مرة أخرى إلى صفوف المعارضة.

بدأ الفريق عبود حُكمه بتغيير تقاليد الجيش السوداني الذي تأسس على مبادئ الجيش البريطاني بعدم تدخل العسكريين في السياسة، ليرسّخ بقوة للمثل الإنجليزي «الفيل داخل الغرفة» في إشارة للجيش الذي يدير العملية السياسية من وراء الستار، حتى أنه صبغ الانقلابات بالهوية المدنية الإيديولوجية في تجاهل صريح لهُويتها العسكرية.

جلب النظام الجديد عداوة الجميع بدءً بالقاهرة؛ التي دخل معها في صراع حول ترسيم الحدود، مرورًا بالقمع الداخلي الذي طال السياسيين، نهاية بجنوب السودان الذي قاد حربًا ضد السُلطة المركزية في الشمال بسبب سياسة التعريب القسري والأسلمة، وهو ما ساهم في خلق مناخ طائفي تعمّق في بلدٍ يعوم على عرقيات متنوعة.

اللافت أنّ السوادنيين حظوا بفرصة نادرة بإسقاط الحكم العسكري للفريق عبود في وقتٍ كان يحكم فيه العسكر معظم الأنظمة العربية، وبخلاف أن ثورة 1969 كانت أول ثورة ناجحة في التاريخ الحديث استطاعت الإطاحة بالحكم العسكري، واستطاعت الإطاحة به، إلا أنّ الحكم المدني لم يصمد سوى خمس سنوات حتى أطاح به انقلاب النميري عام 1964.

الحنين للاستبداد الذي يجعل الجيش دومًا في طرفي المعادلة بموافقة القوى السياسية يصفه الصحافي السوداني أسامة عبد الحليم لـ«ساسة بوست»: «الديمقراطية لم تفشل، ولكنها لم تأخذ الوقت الكافي في ظل قوى سياسية طائفية كانت تدعم الانقلابات مرارًا، وتسمح للعسكريين في كل مرة أن يكونوا جزءًا من تلك الأنظمة»، واللافت أنّ السودانيين عندما أُتيحت لهم فرصة تكرار التجربة الديموقراطية فقدوها بسبب الأخطاء القديمة.

 

الإمام النميري.. ماذا يحدث عندما يدخل الجيش صراع السياسة؟

في عام 1964 شهد السودان أول ثورة شعبية ناجحة ضد حكم إبراهيم عبود العسكري، وامتدت فترة الحكم المدني خمس سنوات انتهت بالانقلاب على حكومة الصادق المهدي، عبر البيان الذي أذاعه جعفر النميري وأصبح بموجبه حاكم البلاد، وكان السبب المُعلن للانقلاب هو فشل التجربة الديمقراطية في الحُكم التي أرجعها العسكريون لتعدد الأحزاب، والصراع الذي نشب بين الإسلاميين والشيوعيين على الدستور، والذي انتهى بحل «الحزب الشيوعي» وطرد نوابه من البرلمان والجمعية التأسيسية.

كان القرار الأول الذي اتخذه النميري هو تشكيل حكومة يسارية ضمت الشيوعيين، في الوقت الذي كان فيه النظام يشنّ حربًا على الإسلاميين؛ انتهت باعتقال قادتهم ومقتل زعيم الطائفة المهدية الإمام المهدي، وبدا الانقلاب في ظاهره ثورة قام بها الشيوعيون بمساعدة الجيش للانتقام من الإسلاميين، بالرغم من نفي الحزب لاحقًا صلته بالانقلاب.

النظام اليساري الجديد الذي رسم طريقًا علمانيًا شعاره «المطرقة والمنجل» –رمز الشيوعية – لم يلبث أن انقلب على نفسه بعد نحو عامين، عبر محاولة انقلاب فاشلة انتهت بإعدام رئيس «الحزب الشيوعي»، وعددًا من ضباط الجيش الشيوعيين. وفي عام 1976 فوجئ النظام بمحاولة انقلابٍ أخرى من الجيش شارك فيها هذه المرة الإسلاميون، ليضطر النميري لتغيير أيدلوجية نظامه السياسي من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، رافعًا شعار «المصحف والسيف»؛ فعقد مصالحة مع الحركة الإسلامية برئاسة زعيمها حسن الترابي، وانتهت الصفقة عام 1983 بإعلان قوانين سبتمبر (أيلول) لتطبيق الشريعة الإسلامية، والتي أصبح الرئيس الشيوعي بموجبها إمامًا للمسلمين لا يجوز عزله أو محاسبته، ولا يجوز كذلك نقض بيعته والخروج عليه، وهو ما يعني فشل أية ثورة على الإمام المدعوم من الجيش والمؤيد من السماء.

يقول (ر. تاج السر) أحد المقربين من رئيس حزب الأمة الصادق المهدي لـ«ساسة بوست»: «نجاح النميري في تأسيس نظام استبدادي جاء بسبب مرجعية الأحزاب الكبرى في السودان التي تأسست على الطائفية، وهي التي تعني الميل لإقصاء كل القوى السياسية الأخرى»، يبرر قائلا: «كل الانقلابات التي نفذها الجيش كان مشترك فيها أحد الخصوم السياسيين لطرف ضد آخر، ضمن المكايدات السياسية التي أفشلت المسار الديمقراطي».

وبعد عامين فقط من وضع القوانين التي حصّنت الإمام النميري بالنصوص القرآنية للبقاء، واجه النظام ثورة شعبية سُمّيت وقتها بـ«انتفاضة أبريل» عام 1985 والتي انحاز إليها المشير حسن عبد الرحمن سوار الذهب، وزير الدفاع آنذاك، ثم حكم لمدة عام في الفترة الانتقالية وسلّم الحُكم طواعية بعد انتخابات حرّة جاءت بحكومة الصادق المهدي، ومرة ثالثة تتكرر الفرصة النادرة لتأسيس حكم ديمقراطي في السودان، وإخراج الجيش نهائيًا من الصورة.

 

انقلاب البشير.. هل يدعم الجيش الفوضى للبقاء للأبد؟

انحاز الجيش للجماهير تزامنًا مع انتفاضة أبريل (نيسان) عام 1985، التي أطاحت بالرئيس النميري عقب انحياز المشير حسن عبد الرحمن سوار الذهب الذين كان وقتها وزير الدفاع لها، ثم حكم لمدة عام في الفترة الانتقالية، وسلّم الحُكم طواعية بعد انتخابات حرّة جاءت بحكومة الجزولي ثم حكومة الصادق المهدي، قبل أن يُطيح بها الجيش عام 1989، بدعمٍ من الجبهة الإسلامية القومية – الإخوان المسلمون – التي رأسها حسن الترابي.

يُلفت الخبير السوداني مصطفى أبو العزايم الانتباه إلى حدث متكرر صاحب الأشهر الأخيرة قبل حدوث أي انقلاب: «تاريخ الحكومات الديمقراطية في السودان يسير على نهجٍ واحد؛ فالحكومات الديمقراطية صاحبها انفلات أمني ثم انقلاب عسكري، وهو نفسه ما حدث قبل انقلاب عبود والنميري والبشير».

وسبق للجيش أن افتعل أزمة سياسية قبل أربعة أشهرٍ من انقلاب البشير، فالقيادة العامة للجيش السوداني أصدرت مذكرة لحكومة الصادق المهدي مثّلت اعتراضًا صريحًا علنيًا على الحكومة المنتخبة بسبب رفضها تطوير الجيش وتحديثه، في ظل الحرب التي يخوضها في جنوب السودان، والمؤسسة العسكرية الغاضبة منحت الحكومة أسبوعًا واحدًا لتنفيذ مطالبها قبل الانقلاب، والمذكرة جاء فيها: «كل ما سيرد من مقترحات وتوصيات يمثل الرأي العام العسكري بعد استقصائه بواسطة الأجهزة المختصة، وبعد إجماع آراء القادة في كل المستويات».

وكما تخلص النميري من الذين ساعدوه في الوصول للحكم كرر البشير التاريخ ذاته، فبحسب شهادات العسكريينفإن الجيش خلال العام الأول من الانقلاب، تخلص من كل أعداء الإسلاميين بما فيهم الأحزاب الإسلامية المعارضة، وبعدها خطط للإطاحة بشركاء الانقلاب، وعلى رأسهم الترابي، والمثير أنّ الذي تولى عملية إضعاف الحركة الإسلامية من الداخل، كان صلاح قوش مدير المخابرات السابق الذي أشرف عدة مرات على اعتقال الترابي وقيادات حزبه بتهمة التخطيط لانقلاب عسكري، ثم تطهير أجهزة الدولة من أتباع الحرس القديم.

استلهم البشير قبضة الجهاز الأمني الذي أسسه النميري، بالإضافة لاستمرار عمل «بيوت الأشباح» والتي تمثلت في كونها معتقلات سرية يُختطف فيها المعارضون، ويتعرضون للتعذيب لفترات طويلة والسجن دون محاكمات مدنية، وهو الجهاز نفسه الذي تكفل بملاحقة العمليات الانقلابية، وبقمع الاحتجاجات التي اعتادت الهتاف ضد النظام تزامنا مع سوء الأحوال الاقتصداية.

والفصل الأهم في القصة، هو أنّ الحياة السياسية في عهد البشير تخلصت بعد انشقاق «الحركة الإسلامية» في بروز إشكالية كبرى، فبدلًا عن أن يبحث الإسلاميون شكل علاقاتهم مع الدولة انخرطوا في صراع داخلي، ومن جهة أخرى خاض الإسلاميون المنقسمون صراعًا ضد الأحزاب الأخرى، وكان الرئيس السوداني هو المنتصر الوحيد في تلك الحرب.

على جانبٍ آخر، لم تكن المعارضة أشد تماسكًا، فقد اتبع معها البشير سياسة الشدّ والجذب بهدف بقائه في السُلطة، وحين اضطر الرئيس السوداني المخلوع لدخول أول منافسة على انتخابات الرئاسة عام 2000، حصل على أغلبية الأصوات وسط إقبال ضعيف بسبب المقاطعة، وحين أراد البشير تجديد ولايته بعد خمس سنوات عقد اتفاقًا مع المعارضة التي وحّدت صفوفها، واقتضى الاتفاق حينها تعديل الدستور بمشاركة أغلبية أحزاب المعارضة، والذي سمح في بنوده بتحديد فترة الرئاسية بولايتين فقط.

وتعترف المعارضة أن البشير انتصر عليها وأنه نجح في شق صفوفها، إثر دعوات التحاور الوطني معها برعاية أطراف دولية وأفريقية؛ فبينما يتّجه فريق للتحاور بزعم أنّ المُقاطعة لا تفيد، يتجه فريقٌ آخر بالقول بأن النظام أبرم أكثر من 50 اتفاقًا مع القوى المعارضة والمُسلحة، لكنه لم يلتزم بأي منها، وبالرغم من أن المعارضة أخيرًا تجاوزت ذلك الخطأ برفضها الحوار في آخر أيام النظام، إلا أنّ الأخطاء الاخرى كانت ما تزال حاضرة.

الفريق أول حميدتي.. «تاجر الإبل» الذي أضحى الرقم الأخطر في المعادلة السودانية

 

كيف تكررت الأخطاء القديمة في الثورة الحالية؟

كان الرئيس السوداني المخلوع عمر البشير مدعومًا من الأنظمة العربية والأفريقية على السواء، إلى جانب الجيش الذي تجاهل الاحتجاجات طيلة أربعة أشهرٍ، لكنّ أحداث خمس ليالٍ ضبابية قضاها الثوار في اعتصام القيادة العامة للجيش كانت فاصلة.

ورغم انحياز الجيش للمتظاهرين، إلا أن انتقال السُلطة كان شكليًا؛ فالمجلس الانتقالي حتى الآن لم يشمل أية شخصية مدنية ساهمت في الاحتجاجات؛ فرئيس اللجنة السياسية بالمجلس العسكري، عمر زين العابدين، نسب انقلاب الجيش منذ البداية لمثلث الحرس القديم المتمثل في وزير الدفاع ابن عوف، ورئيس الأركان كمال معروف، ومدير المخابرات صلاح قوش، وحتى مع إزاحة مثلث الحرس القديم، إلا أنّ الخليج ومصر ظلوا داعمين لبقاء المجلس العسكري الذي ماطل في تسليم السُلطة.

 

يقول الصحافي السوداني أسامة عبد الحليم لـ«ساسة بوست»: «أحد أكبر أسباب محاولة إجهاض الثورة خارجيًا تتمثل في أن القوى الثورية التي تشمل كافة الأحزاب على اختلاف أيدلوجياتها، كانت خياراتها دائمًا تميل الى التورط في المشكلات العربية»، ويشير عبد الحليم إلى موقف المتظاهرين من وجود القوات السودانية في اليمن، وقضية الحدود مع مصر.

الأحزاب أيضًا طالبت بإقصاء قوى بعينها في ظل تعنت الجيش في تسليم السُلطة، فبينما طالبت «قوى الإجماع الوطني» بتسليم السلطة لحكومة مدنية، ومشاركة المدنيين في المجلس الرئاسي الانتقالي مع المجلس العسكري،أعلنت «الجبهة الثورية السودانية» التي تضم عددًا من الحركات المسلحة رفضها تفاوض «قوى الحرية والتغيير» مع المجلس العسكري.

ومنذ اللحظات الأولى لسقوط النظام، وجّه «الحزب الشيوعي» الاتهامات للتيار الإسلامي وعلى رأسه «حزب المؤتمر» الذي أسسه حسن الترابي بمحاولة الانقلاب الأخيرة، كما هاجم «حزب الأمة» وعلى رأسه مريم الصادق المهدي، التي اتهمها الحزب في بيان رسمي بمحاولة اختطاف الثورة.

وفي أثناء انقسام الشارع في السودان، لوّح المجلس العسكري بعدم سماحه إقصاء معسكر السُلطة القديم المتمثل في «الحركة الإسلامية»، وهو ما يعني استمرار مرجعية الحركة بين قادة الجيش والمؤسسات التي تقود الثورة المضادة.

وحتى الآن يتوقف نجاح الثورة على تنفيذ ستة مطالب تتمثل في تصفية النظام السابق وتشكيل حكومة مدنية وهيئة تشريعية ومجلس رئاسي بأغلبية مدنية وتمثيل عسكري محدود، ومحاربة الفساد وإصلاح الاقتصاد وإعادة هيكلة جهاز الأمن القومي.