الأربعاء 19 حزيران 2019

مقالات

هل عضّت إيران أصابع النّدم على توقيعها الاتّفاق النووي؟

هل عضّت إيران أصابع النّدم على توقيعها الاتّفاق النووي؟

عبد الباري عطوان - رأي اليوم

التاريخ ,

السّؤال المطروح بقُوّةٍ هذه الأيّام في ظِل انخفاض حدّة التوتّر قليلًا في الأزمة الأمريكيّة الإيرانيّة هو عمّا إذا كانت احتمالات المُواجهة العسكريّة قد تراجعت جُزئيًّا أو كُليًّا في ظِل تصريحات التّهدئة من قبَل المسؤولين في الجانبين، وزِيادة جُرعة الوِساطات وتكاثُر أعداد الوسطاء الذين يطرُقون أبواب طِهران؟

نعم، احتمالات المُواجهة العسكريّة تراجعت قليلًا لأنّ الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب خسِر جميع رهاناته في إرهاب خصمه الإيراني وجرّه إلى مائدة المُفاوضات حسب شُروطه الـ 12 التي طرحها وزير خارجيّته مايك بومبيو، وتعني عمليًّا رفع الرّاية البيضاء استسلامًا، ووقف جميع التّجارب النوويّة والصاروخيّة الباليستيّة، والتخلّي عن الفصائل الحليفة في لبنان واليمن والعِراق وفِلسطين المحتلة، وأفغانستان التي تُشكّل العمود الفقريّ لاستراتيجيّتها الدفاعيّة السياسيّة والعسكريّة، والأوراق الأهم في يدها في زمن الأزمات.

لا بُد أنّ القيادة الإيرانيّة وهي تُشاهد هذه الحُشودات العسكريّة الضّخمة، وعلى رأسها الرئيس “المُعتدل” حسن روحاني، تعُض أصابعها ندمًا لتوقيعها الاتّفاق النوويّ وتجميد كُل طُموحاتها في هذا المِضمار، وهي التي كانت على بُعد بِضعة أشهر من امتِلاك رؤوس نوويّة.

 

***

هذا النّدم قد ينعكِس حتمًا في خطواتها المُقبلة حربًا أو سِلمًا، فإذا وجدت نفسها تخوض مُواجهةً مع “العدو” الأمريكيّ مثلما جاء هذا التّوصيف على لِسان روحاني، مهندس الاتّفاق النوويّ، فإنُها ستخوضها وحُلفاؤها كما لو أنّها الحرب الأخيرة، وتُلقي بكُل ثُقلها العسكريّ فيها، وبما يُؤدّي إلى إلحاق أكبر كميّة من الألم بخُصومها، أمّا إذا نجحت الوِساطات، وأدّت إلى نصب طاولة المُفاوضات، فإنّها ستكون آيران هذه المرّة أكثر حذرًا، و”بُخلًا” في تقديم التّنازلات حتّى لو كانت بمُقابل، والتّأكيد على حُصول ضمانات مُؤكّدة بعدم التّراجع أو الانسِحاب مرّةً أُخرى من الاتّفاق.

الإيرانيّون أثبتوا أنّهم كانوا أكثر استعدادًا للحرب في الأيّام الأولى لهذه الأزَمَة، فبدلًا من أن يكونوا هُم الطّرف المُرتبك، وِفق الحِسابات الأمريكيّة، قاموا بإرباك الخصم الأمريكيّ وحُلفائه عندما أخذوا زِمام المُبادرة، وحرّكوا زوارق خشبيّة نصبوا عليها صواريخ باليستيّة قادرة على تدمير حاملات طائرات وسُفن في الخليج، وأوعزوا لحُلفائهم في العِراق بفرش عضلاتهم، وتوجيه صواريخهم نحو القواعد الأمريكيّة حيث يتواجد 6000 جندي أمريكي، ومن المُؤكّد أنّ الطائرات الحوثيّة المُسيّرة التي ضربت مُنشآت النّفط السعوديّة ليست بعيدةً عن هذه الأجواء، فالصّديق وقت الضّيق.

الرئيس ترامب يعيش أزمةً من صُنع يديه في منطقة الخليج، ويبحث عن أيّ صيغة لإنقاذ ماء وجهه، بعد أن فشلت كُل رهاناته على الاستِسلام الإيرانيّ، والدليل الأبرز في هذا الخُصوص قوله، ووزير دفاعه بالإنابة، إنّهما لم يحشدا هذه القُوّة العسكريّة في الخليج من أجل الحرب وإنمّا “درء مخاطر” أيّ هجمات إيرانيّة ضِد الأمريكيين.

إنّه الكذب وهذا ليس جديدًا عليه، فإذا كانت أمريكا لا تًريد الحرب فِعلًا، فلماذا كُل هذه الحُشود والتّهديدات العلنيّة المكتوبة المُرافقة لها بالعمل على تغيير النّظام، أو تغيير سًلوكه كحدٍّ أدنى، أمريكا لن تستطيع تغيير النّظام الإيراني، وإيران لن تُغيّر سُلوكها وِفق الشّروط الأمريكيّة.

إيران منعت سُقوط الدولة السوريّة، ولا نستبعِد أنّها ستُسقط ترامب في الانتخابات الرئاسيّة المُقبلة، مثلَما أسقطت الرئيس جيمي كارتر، ومنعت فوزه بولايةٍ ثانيةٍ، فهل تحل اللّعنة الإيرانيّة على ترامب مثلَما حلّت على سلفه كارتر؟

خوض الحُروب مسألة تبدو سهلةً بالنّسبة إلى الدول العُظمى، إقليميّةً كانت أو دوليّة، خاصّةً عندما يكون الطّرف المُستهدف هو الأضعف نظريًّا على الورق، ولكن ما هو أصعب هو “اليوم التّالي”، وهُناك العديد من النّماذج المُرعبة في هذا الإطار مثل الحرب السوريّة، والحرب الليبيّة، والحرب الأفغانيّة، والحرب العِراقيّة، والحرب اليمنيّة، والقائِمة تطول.

النّموذج المُشرّف الذي يجب أن يَحتَذِي به القادة الإيرانيّون هو درس كوريا الشماليّة، وكيفيّة تعاطي زعيمها كيم جونغ أون مع ترامب وإدارته، ولو جرى الاقتداء بهذا النّموذج مُبكرًا، وقبل توقيع الاتّفاق النووي، ربّما لما وجدت إيران نفسها في هذا الموقف الحالي، ولكن أن تأتي مُتأخّرًا أفضل كثيرًا من أن لا تأتي أبدًا.

***

خِتامًا نقول إنّ التّصعيد في الأزمة الحاليّة جاء على أرضيّة الجولة الثّانية من العُقوبات الاقتصاديّة على إيران عُنوانها صِفر صادرات نفطيّة، ومن المُفارقة أنّ الصّادرات النفطيّة تتدفّق في مساراتها الطبيعيّة، وتتحرّك النّاقلات النفطيّة الإيرانيّة حاملةً خيراتها وسط السّفن الحربيّة الأمريكيّة، وتحت سمع وبصر قاذفاتها العِملاقة “بـ52” بينما ناقلات حُلفائها رابضة ومعطوبة في ميناء الفجيرة، ممّا يعني أنّ كُل تهديدات ترامب بالحرب الاقتصاديّة كبديلٍ للحرب العسكريّة هي مُجرّد أوهام، وفُرصها في النّجاح تبدو محدودةً ومحفوفةً بالمخاطر أيضًا.

حتّى الآن نستطيع أن نقول إنّ ترامب خرج خاسِرًا، ومعه كُل حُلفائه الذين قرعوا طُبول الحرب، وعلّقوا آمالًا عريضةً عليها.. ونحنُ الآن في انتِظار فتح بيت العزاء للقِيام بالواجب.. والأيّام بيننا.