الأربعاء 19 حزيران 2019

متفرقات

ماذا يسأل الأطفال كثيرًا عن الموت؟ وكيف تجيبهم؟

ماذا يسأل الأطفال كثيرًا عن الموت؟ وكيف تجيبهم؟

ساسة

التاريخ ,

في أي شيء يفكر طفل في الرابعة من عمره؟ في اللعب ربما، أو الحلوى، أو أصدقائه. لكن قد يفكر الأطفال في الرابعة من عمرهم في الموت. لكن لماذا؟ فمن السهل أن نقتنع أن أفكارًا خفيفة تملأ رأسهم الصغير، ولا تعيقهم عن الاستمتاع بالحياة أو التمتع بنومٍ هادئ ليلًا. لكن حينما يفكرون في الموت؛ كيف نتصرف حيال ذلك؟ هل هو خطأ من جانبنا، أو إننا ربما لسنا على دراية كافية بما يدور في عقلهم كما كنا نظن.

في مقال نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، تحكي لنا الكاتبة جيسيكا جروس عن تجربتها الشخصية في التعامل مع أسئلة طفلتها ذات الأربعة أعوام عن الموت.

عقل غير هادئ

تقول جروس أنه عندما كانت ابنتها في الرابعة من عمرها، بدت وكأنها تسأل باستمرار عن الموت. لم تكن هناك أية مناسبة لهذه الأسئلة، إذ لم تفقد العائلة فردًا أو حيوانًا أليفًا مثلًا، كما تقول جروس. وتذكر أن ما لم يرق لها كان الأسلوب الجاد والواقعي لطفلتها في سرد هذه الأسئلة.

وعند الجلوس لتناول العشاء، أحيانًا تُفاجأ جروس بسيلٍ من الأسئلة بنبرة صوت حيادية تمامًا. إذ تسأل الطفلة: «متى ستموتين»؟ أو «هل ستموت جدتي أولًا لأنها عجوز»؟ وهكذا. حاولَت جروس أن تتماشى مع نبرة الصوت الهادئة لابنتها وترد على أسئلتها بصدق، ولكن أحيانًا كل ما يرغب فيه المرء هو أن يتناول سلطته دون أن يكون مضطرًا للتفكير في نهايته المحتومة، بحسب تعبيرها.

في ذلك الوقت كانت جروس قلقة بعض الشيء من أن يكون هناك خطبٌ ما بالطفلة، فعندما تكون في أفضل حالاتها تبدو كواحدةٍ من أتباع الثقافة القوطية، التي حتمًا ستكون مولعة بفرقة «The Cure» في سنوات مراهقتها.

وفي أسوأ حالاتها كشفت أسئلتها عن معاناتها من شعور مزعج بالقلق أخذ في الظهور من خلال تعلقها بالموت. هدأت مخاوف جروس بعض الشيء عندما تحدَّثَت مع آباءٍ وأمهاتٍ آخرين، إذ علمت حينها أن أطفالهم -دون سن المدرسة- اعتادوا كذلك السؤال بكثرة عن الموت في أوقات غير ملائمة.

 

تقول جروس إن الكثير من الأسئلة الخاصة بالتربية تتلخَّص في الآتي: هل هذا أمر معتاد أو هل من مشكلة؟ وبناءً على هذه الأسئلة قرَّرَت أن تكتب من حين لآخر مقالات متسلسلة تشرح فيها أسباب حدوث أشياء معينة لطفلك في فترة نموه أو لجسمك أو علاقاتك. استعانت جروس في هذا المقال بثلاثة أطباء نفسيين، اثنتان منهم أجرتا أبحاثًا عن الأطفال ومفهومهم عن الموت، وعن الأسباب التي تدفع الأطفال دون سن المدرسة للتساؤل بكثرة عن الموت، وأخيرًا عن الطريقة الأمثل للإجابة عليهم.

لماذا يبدأ الأطفال بالتساؤل عن الموت في مرحلة الروضة؟

تجيبنا الدكتورة لورين نيكيربوكر، التي تعمل طبيبة نفسية للأطفال في مركز لانجون لدراسات الطفل بنيويورك، والحاصلة على درجة الدكتوراة، عن هذا السؤال، فتشرح أن سن الحضانة بشكل عام هو السن الذي ينشأ فيه سؤال «لماذا» لدى الأطفال.

يغفل الكبار أو لا يلقون بالًا في بعض الأوقات لحقيقة مهمة، وهي أن أطفالهم محاطون بالموت طوال الوقت؛ فالشخصيات الكرتونية تموت، وأوراق الشجر كذلك، والنملة التي سحقوها في ساحة اللعب أيضًا تموت.

يدفعهم فضولهم لمعرفة العالم لمراقبة ردود أفعالنا حيال أسئلتهم عن الموت. يلاحظون شحوب وجوهنا لدى سماعنا لأسئلتهم ويثير ذلك فيهم الرغبة في التعمق في ذلك الموضوع.

ما الذي يفهمه الأطفال عن الموت في سن الرابعة؟

حدَّد الأطباء النفسيون أربعة مفاهيم فرعية عن الموت، تستعرضها الدكتورة سالي بيفيل هانتر، الأستاذة المساعدة الإكلينيكية بجامعة تينيسي في مدينة نوكسفيل. أول هذه المفاهيم هو «انعدام القدرة» أي أن جسدك لم يعد يعمل بعد الآن.

المفهوم الثاني هو «العمومية» ما يعني أن كل الكائنات الحية تموت. المفهوم الثالث هو «اللاعودة» أي أنك بمجرد أن تموت لا يمكنك العودة مجددًا إلى الحياة. وأخيرًا «الحتمية» وهي أنك لا تستطيع تفادي الموت.

يفهم الأطفال هذه المفاهيم في أعمارٍ مختلفة ويتوقف ذلك على قدراتهم الإدراكية وتجاربهم الحياتية. وفقًا لدكتور بيفيل هانتر، أول ما يفهمه الأطفال في سن الرابعة من هذه المفاهيم الفرعية هو «انعدام القدرة» لأنه أوضح هذه المفاهيم وأكثرها مباشرةً، من السهل على الأطفال في سن الحضانة تفهُّم أنه عندما تموت تتوقف ذراعاك وساقاك عن الحركة، ويتوقف قلبك عن الخفقان.

لكن مفهوم «أننا سنموت جميعًا» أصعب في الفهم لطفل في الرابعة من عمره، أو لنكن صادقين مع أنفسنا، هو مفهوم صعب استيعابه أيضًا من شخص في السابعة والثلاثين من عمره. ولكن وفقًا لبيفيل هانتر، سيتمكَّن جميع الأطفال من استيعاب هذه المفاهيم الأربعة من سن 7 وإلى سن 10 سنوات.

 

كيف أجيب عن أسئلتهم الكثيرة حول الموت؟

لا تنمقي حديثك

تنقل جروس النصحية من الدكتورة دنيا بولتوراك، طبيبة الأطفال النفسية بمدينة برمنجهام بولاية ميتشغان، بعدم فعل ذلك، فالأطفال من سن الثالثة وحتى سن السادسة يفهمون ما هو ملموس فقط ويعجزون عن فهم الأفكار المجردة.

إذا قلتِ لإحداهن على سبيل المثال «لقد رحل جدّك» بدلًا من «مات جدّك»، قد تفكر «هل تقصد أن جدي رحل إلى مكانٍ ما؟ هل هو في رحلة؟ هل عبر حدود كندا؟». باتباعِك هذا الأسلوب قد تزيدين من ارتباكها وعدم فهمها. لذلك تنصحكِ الدكتورة بولتوراك باستخدام تعبير «مات» حتى وإن كان وقعه قاسيًا.

حاولي أن تجيبي عن أسئلتها ببساطة ووضوح

نصيحة أخرى تنقلها جروس في مقالها عن الدكتورة بولتوراك هي عدم تجاهل أسئلة الأطفال مهما جعلتك غير مرتاحة. أما الدكتورة بيفيل هانتر فتنصحِك بعدم الدخول في تفاصيل كثيرة مع الأطفال في ذلك السن، على سبيل المثال: إذا سألتكِ طفلتِك «متى ستموتين»، يمكنك أن تقولي لها: «أحاول أن أعتني بنفسي جيدًا وأن أكون حذِرة، وأخطط لأن أعيش عمرًا طويلًا إلى أن أكبر جدًا في السن». وإذا كان لدى أطفالكِ أي أسئلة إضافية بعد ذلك فسيسألونها.

ماذا إذا كان فضول الأطفال تجاه الموت لا نهاية له؟

تقول جروس إن في هذه الحالة، تنصحكِ الدكتورة بيفيل هانتر باصطحابهم إلى المقابر، فقد فعلت ذلك بنفسها مع أطفالها. تروي بيفيل هانتر تجربتها فتقول: «تجوَّلنا في المكان وقرأنا الأسماء المكتوبة على شواهد القبور، ونقشنا على الصخور. قرأنا أيضًا الأرقام المكتوبة على هذه الشواهد وتحدثنا عن أعمار هؤلاء الناس عندما ماتوا».

وتعتبر جروس أن هذه التجربة لأطفالِك آفاقًا يحصلون منها على إجابات لأسئلتهم المُلِحة.

 

ماذا إن أقلقت فكرة الموت أحد الأطفال؟

تقول الدكتورة بولتوراك: «سأؤكِّد لهم أن كل شيء في عائلتنا على ما يرام، فنحن أصحاء ونعيش في أمان. وبعدها سأحاول أن أوجه اهتمامهم لشيءٍ آخر». تنصحكِ بولتوراك بأن تجرِّبي خدعة الإلهاء الكلاسيكية هذه بعدما تردين على أسئلتهم بوضوح، كأن تقولي لهم: «هيا نرسم! أو لم لا نقرأ كتابًا؟».

ولكن في حالة إن أطال طفلك التفكير في هذه الأمور لدرجة أصابتك بالقلق لأن قلقه يؤثِّر على جودة حياته، تنصحكِ بولتوراك بالتحدُّث إلى طبيب الأطفال الخاص بكِ، لأن التدخُّل المُبكِّر جيدٌ للأطفال الذين يعانون من القلق والتوتر.

عند وفاة أحد أفراد العائلة

بحسب ما قالته جروس، فإن أنسب طريقة ليتذكَّر بها الأطفال الحزانى ذويهم بحسب الدكتور نيكربوكر والدكتورة بولتوراك هي المشاريع الفنية، وذلك تأكيدًا منهما على واقعية تفكير الطفل في سن الحضانة، لذا قد يساعدهم العمل على سجل قصاصات يضم ذكرياتهم مع ذويهم ولحظاتهم المميزة.

إن كانت معتقداتك الدينية تتضمن حياة بعد الموت

تقول جروس إن الدكتورة بيفيل هانتر تنصح بألا تحاولي الإجابة عن أي سؤال يسألونك إياه بكل صراحة، سواء كانت حياةً بعد الموت أو قيامة، كما في قصة «عيد الفصح». وتنصح كذلك بعدم الإفراط في الشرح وعدم التطوُّع بإجابةٍ عن أسئلة لم يسألوها.

أما الدكتورة بولتوراك، وهي مسيحية كاثوليكية، تقول إنها تتحدَّث مع أطفالها عن الجنة وتحاول قدر إمكانها أن تجعل حديثهم بسيطًا وذا وقع خفيف. مرَّت بولتوراك بتجربة فقد، مات والدها مؤخرًا وقد كان مُقرَّبًا لأطفالها واعتاد أن يجلب إليهم الحلوى في كل مرة يزورهم فيها. وعندما مات قالت لهم: «من المحتمل أن يكون جدكم في الجنة الآن مع المسيح متسببًا له بتسوُّس الأسنان».