الأربعاء 19 حزيران 2019

أبحاث ودراسات

الصراع الغربي حول جنوب ليبيا في عهد السلطان عبد الحميد الثاني

الصراع الغربي حول جنوب ليبيا في عهد السلطان عبد الحميد الثاني

تركيا بوست

التاريخ ,

نشر مركز طروس لدراسات الشرق الاوسط دراسة تحت عنوان الصراع الغربي حول جنوب ليبيا في عهد السلطان عبد الحميد الثاني وتنشر تركيا بوست نص الدراسة

كانت الدولة العثمانية تدرك بأن  إقليم فزان وما وراءه من بلاد السودان هو المجال الحيوي لتوسع النفوذ السياسي والاقتصادي لسلطاتها ، وذلك لوجود مصر في الشرق بقوتها الحديثة في عهد أسرة محمد علي، وتونس في الغرب وقد كانت تحكمها الأسرة الحسينية التي تربطها في الوقت نفسه علاقات متينة مع ولاية طرابلس،وقد زاد اهتمام العثمانيين بمراكز التجارة الصحراوية في غدامس، وغات، ومرزق، وما وراءها من أسواق بلاد السودان، بداية من فرض السيادة العثمانية المباشرة على مرزق عام  1842م ،  وغدامس عام  1843م ،  وغات عام  1872م ، ومن ثم على باقي دواخل الولاية، وكان العثمانيون يتطلعون إلى أن تصبح الطرق التجارية مع بلاد السودان تحت سيطرتهم ليتمكنوا من فرض الأمن والاستقرار.1

 مع ظهور الحركة السنوسية في ليبيا أصبحت  تشاد من  ضمن نفوذها المدعوم من الدولة العثمانية، ولقد دارت بين الليبيين بقيادة الحركة السنوسية وفرنسا القوة القادمة لاستعمار المنطقة معارك كثيرة سقط فيها كثير من الليبيين شهداء دفاعا عن ليبيا وتشاد وعن بيضة الإسلام ، ومن أشهر هذه المعارك معركة بئر علالي في عام 1901، ولم يتوقف الجهاد الليبيين في تشاد ضد فرنسا إلا في عام 1911م عندما جاءت ايطاليا واحتلت ليبيا.

عندما وصل السلطان عبد الحميد للحكم ، كانت الدولة قد فقدت العديد من ولاياتها، إضافة إلى مشاكلها الداخلية ، استغلت فرنسا هذا الظرف فقامت باحتلال الجزائر وتونس ، بالاتفاق مع باقي الدول الأوروبية لاقتسام ولايات الدولة العثمانية، وأخذت تسعى للسيطرة على الجنوب الليبي بحجة مطاردة المتمردين الهاربين من الجزائر وتونس.

في21 مارس 1899م،عقدت فرنسا اتفاقية مع بريطانيا تمت بموجبها تسوية الخلافات بين الدولتين، حيث تنازلت فرنسا لبريطانيا عن بحر العرب ودار فور ، وأُعطيت هي الحق في التوسع في شمال شرق بحيرة تشاد ، وبهذا يكون إقليم فزان من ضمن الاتفاق الذي عقد بين الدولتين .2

علمت الدولة العثمانية بهذه الاتفاقية من برقية تلقتها من سفيرها في باريس بتاريخ 23 مارس من نفس العام، والتي أعلنت عنها بعض الصحف ، وأدركت الدولة العثمانية أن احتلال فرنسا للمناطق الواقعة شمال شرق بحيرة تشاد سيستغرق زمناً طويلاً . استناداً على هذا الخبر، أبلغ الباب العالي سفراءه في كل من لندن وباريس بتاريخ 28 مارس 1899 ، بأن مناطق كانم ، وواداي ، وتيبستي ، وبرنو ،وشرق بحيرة تشاد ، وطرق القوافل بين مرزق وبحيرة تشاد قد غدت هدفاً للمطامع الفرنسية، وهذا يمس بالمصالح العثمانية ، ثم قامت في يونيو 1890، بإبلاغ الدولتين بفرض سيادتها على تلك المناطق ، وعلى السفراء تانك الدولتين بأن يعرضوا ذلك على وزراء خارجيتهم، وأن يستفسروا منهم على ما نصت عليه الاتفاقية الآنفة الذكر، وقد طلب منير بك سفير الدولة العثمانية في باريس توضيحات من فرنسا 3. جاء الرد الفرنسي بأنهم لم يفكروا بإلحاق الضرر بالدولة العثمانية لا من حيث حقوقها ، ولا من حيث وحدة ممتلكاتها، وأنهم مستعدين لعرض ذلك على البرلمان، وأن مساعي فرنسا ليس لها علاقة بأراضي ولاية طرابلس الغرب ، بل إن الأراضي التي تسعى فرنسا للسيطرة عليها هي أراضى تقع حول بحيرة تشاد،وقد احتج السفير العثماني على ذلك ، باعتبار أن الأراضي التي تمتد من الشمال إلى الجنوب بحسب قرار مؤتمر برلين تابعها للدولة العثمانية  وأن حقوقها عريقة بسيادتها تلك المناطق.

كان رد الخارجية الفرنسية بأن قرار مؤتمر برلين يقول: إنه لفرض الحقوق على تلك الأراضي يجب الاستيلاء عليها أولاً ، وإبلاغ الدولة المعنية رسمياً بذلك ، وهذا ما لم تفعله الدولة العثمانية فيما سبق ، وقد قال منير بك أيضاً إن فرنسا لم يكن لها أي سلطة ما بين كانم وطرابلس الغرب. فأجاب ديلكاس وزير الخارجية الفرنسي بأن تلك المناطق قد زارتها البعثات وأن رجالها سيبدأون بالاستقرار هناك قريباً. وجاء في رد السفير أيضاً ، أن قوافل طرابلس الغرب منذ القدم تمر بتلك المناطق ولم يكن هناك أي دليل على إنكار السلطة العثمانية عليها ذلك المرور، وأنهى الوزير الفرنسي المناقشة بقوله أن الدولة العثمانية ليس لها مصالح اقتصادية في تلك المنطقة، أما فرنسا فستقوم بتطويرها ، وتزودها بالسكة الحديدية ، كما تتعهد بعدم المساس بقوافل طرابلس. أخيراً قال السفير إن دولته تفرض حقوقها ، وأنه سيعرض على حكومته مبررات فرنسا لعقد تلك المعاهدة. أرادت الدولة العثمانية أن تعرف مدى تمسك ألمانيا وإيطاليا بهذه المعاهدات، ولذلك طلب وزير خارجيتها من سفيره في برلين أن يحيطه علماً برأي الحكومة الألمانية في المعاهدة الفرنسية ـ الإنجليزية التي تمس بالمصالح الألمانية في الكاميرون ، وبمصالح الدولة العثمانية في المناطق الليبية البعيدة عن الساحل ، فأجاب وزير خارجية ألمانيا بأنه ليس قادرًا على التصريح بشيء مادام لم ير نص المعاهدة ، لكنه يعتقد أن المعاهدة هي بين دولتين ، ولا تمس حقوق دولة ثالثة.4

كان هدف  ألمانيا في ذلك الوقت هو إبعاد فرنسا عن أوروبا، لذلك قامت بتشجيعها على احتلال الجزائر وتونس والتغلغل في إفريقيا.

أما في إيطاليا التي كانت ولاية طرابلس آخر أمل لها بعد احتلال فرنسا لتونس ، فإنه عندما استفسر السفير التركي في روما من وزير خارجية إيطاليا عن الأمر رد الوزير قائلاً: إن خبر المعاهدة كان مفاجئاً ، وأنه لم يطلع على نصها بعد، وأن سياسة إيطاليا هي المحافظة على وحدة ممتلكات الدولة العثمانية وأنها لن تغض الطرف عن تضررها، ويجب على الدولة العثمانية أن تتحرك للمحافظة على حقوقها. فاستيلاء فرنسا على ما وراء ليبيا سيحطم المواصلات التجارية بين ليبيا ووسط أفريقيا ولذلك يجب على الحكومة التركية أن تبلغ احتجاجها سريعاً ، وأجاب السفير بأن الحكومة التركية ستبلغ نظيرتها ، وأن المحاولات قد بدأت لدى الدول ذات العلاقة وكان هذا دليلاً على أن إيطاليا لم تكن ترغب في تلك المعاهدة، وساورها القلق إزاء احتلال دولة أخرى للدواخل الليبية؛ لأنها ترى نفسها صاحبة تلك البلاد مستقبلاً، ولذلك أخذت تحرض الدولة العثمانية وتقول بلهجة تهديد ووعيد أنها لن تبقى محايدة إذا لم تتحرك الدولة العثمانية، بيد أن إيطاليا غيرت موقفها هذا بعد مدة من الزمن، وكما سنوضح فيما يلي؛ فقد أخذت فرنسا تحسن العلاقات بها لتكسب الحرية في تحركاتها في المغرب والمناطق الليبية البعيدة عن الساحل ، وقدم السفير الفرنسي في روما بارير (Barier) ،ذو السياسة المتطرفة تعهداته لإيطاليا ، كما صرح وزير خارجية إيطاليا عند لقائه بالسفير التركي في روما بتاريخ 8 إبريل 1899 بأن المعاهدة لن تمس طرق قوافل السودان، ولكن مذكرة الباب العالي في 30 أكتوبر 1890 تبالغ في تضخيم مساحة الدواخل الليبية، وليس للدولة العثمانية أي دليل على سلطتها على تلك المناطق. في ذلك الوقت كانت الصحف الحكومية في إيطاليا وفرنسا تنشر تصريحات مفادها أن فرنسا لن تعادي إيطاليا في تحقيق آمالها في ليبيا، فأبلغ الوزير الإيطالي السفير التركي في روما عند محاولته كسب مساندة إيطاليا سياسياً في السيطرة على الدواخل الليبية، أن استيلاء فرنسا على تلك المناطق لن يمس مصالح إيطاليا في شيء، وأنه لا يتعهد بأي شيء في هذا الخصوص ؛ لأن هذا الأمر يخص الباب العالي فقط ، وأضاف يقول: إن فرنسا تحرض إيطاليا على احتلال ليبيا ، لكن إيطاليا لن تفعل ذلك، وقد صرح الوزير بذلك في البرلمان، وبأن المذكرة التركية في 30 أكتوبر مبالغ فيها، ولم يكن هناك أي أساس للسلطة التركية على الرغم من أن الباب العالي يعزز قواته في ليبيا ضد إيطاليا، ولم يفد جواب السفير بأن تعزيزات القوات في طرابلس ليست ضد إيطاليا، أما من جهة الدواخل الليبية فلم يرد على الدولة العثمانية بشأن احتجاجها بواسطة الدول المعنية، وهذا ما يعني اعترافاً بحقوق الدولة العثمانية. في النهاية لفت السفير نظر الباب العالي إلى أن إيطاليا اتخذت سكوت فرنسا ذريعة، وأن الحزب الاستعماري الإيطالي سيتحرك عندما يقوى ، وبذلك نرى أن ايطاليا في البداية قد احتجت على معاهدة 21 مارس 1899 وحرضت الدولة العثمانية على التحرك ، وأعلنت أنها تبقى محايدة، حيث إنها كانت متخوفة من استيلاء فرنسا على طرابلس بعد موافقة إنجلترا، ولكن عندما تعهدت حكومة فرنسا لإيطاليا بأنها لن تستولي على طرابلس، ولن تغير طرق القوافل التجارية السودانية، وأنها ستساند إيطاليا في احتلالها ذلك البلد، فقد غيرت ايطاليا سياستها ضد فرنسا.5

كان لمنير بك، السفير العثماني في فرنسا دور كبير في فضح تلك المعاهدة ، والاحتجاج  ضدها، واعتبر أن الدول الأوروبية استغلت عدم تحرك الباب العالي ضد اتفاقيات بريطانيا مع مصر ومصوع واحتلالها للسودان .

من الملاحظ أن فرنسا حاولت إقناع حكومة الباب العالي والدول الغربية أن منطقة جنوب ليبيا منفصلة عن ولاية طرابلس الغرب وليس لها علاقة بها .

احتجت الدولة العثمانية لدى حكومة المملكة المتحدة ، فبعث السفير التركي في لندن مذكرة اعتراض إلى اللورد سالسبوري كتابيا من غير أن يلتقيا ،فأجاب وزير خارجية انجلترا بأن معاهدة 21 مارس 1899م لا تمس حقوق أي دولة وأن انجلترا متمسكة بحقها في حكم مصر، وبعد دراسة هذا الجواب نلاحظ أن انجلترا تعترف بحقوق السلطان على مصر والسودان، وتلمح إلى ضرورة الاعتراض والتحرك ضد فرنسا،  لكن وضع الدولة العثمانية لم يكن يسمح بالاعتراض على فرنسا ربما من أجل الحصول على مساندة فرنسا عند تحرك إيطاليا لاحتلال طرابلس الغرب، كما تعهد السفير الفرنسي في اسطنبول في أول يونيو عام 1900م بأن الروايات التي تروج حول محاولة سيطرة فرنسا على منطقة فزان غير صحيحة وأنّ فرنسا لا تقبل أي عدوان على ولاية  طرابلس الغرب، ولذلك لم تصر الدولة العثمانية على الموضوع، وكانت ترى أن المشكلة الأساسية في إفريقيا ليست مشكلة الدواخل الليبية؛ بل هي حماية ليبيا من العدوان ، وبرغم تقرير السفير في باريس الذي أوصى بالتنبه إلى أن فرنسا تقصد بتعبيرها الدواخل الليبية ، فزان فقط، ولا تعترف بحقوق السلطان إلا على ولاية طرابلس الغرب وفقا لمذكرتها المؤرخة في 5 يونيو عام 1899م، وقد اتضح ذلك في البرلمان، وهي لا تهتم بمقولات السفير العثماني بفرنسا حول الدواخل الليبية؛ لأنها لم تكن حقيقة ، وأما التعهدات الشفهية فهي غير كافية.6

 على ضوء ما تقدم ، نقول: أن تمسك الدولة العثمانية بموضوع الدواخل الليبية كان مرتبطا بالعلاقات بين ايطاليا وفرنسا وبالاحتلال الايطالي المتوقع لولاية لطرابلس الغرب.

يرى الباحث أن أوضاع الجنوب الليبي في ذلك الوقت بشكل خاص، وليبيا بشكل عام،هي نفسها ظروفها الآن، حيث الصراع بين الدول الأوروبية من أجل السيطرة على مصادر الثروة في ليبيا، خاصة بين إيطاليا التي تعتبر ليبيا بحكم أنها مستعمرتها السابقة حق شرعي لها، وفرنسا التي تسعى لإحكام سيطرتها على الجنوب الليبي كي يكون امتداداً لسيطرتها على باقي دول إفريقيا،وتستغل فرنسا  حاليا عدم استقرار ليبيا بعد الربيع العربي ، وتعمل على  زرع الفتن بين القبائل العربية والتبو ،كما أن ظروف تركيا الحالية تشبه إلى حد كبير ظروفها في عهد السلطان عبد الحميد، من حيث انشغالها بالمشاكل الداخلية والأخطار المحيطة بها من دول الجوار.

 

  1. وثائق ارشيف وزارة الخارجية الفرنسية، ملفات ولاية طرابلس الغرب، رقم 123، 23/8/ 1899
  2. Abdurrahman Çaycı, Büyük Sahra’da Türk-Fransız Rekabeti (1858-1911), TTK Yayınları, Ankara

1995, s. 3.

  1. Y.MTV. nr.226/34,8 Zilkade 1319.
  2. İlber Ortaylı, İkinci Abdülhamit Döneminde Osmanlı İmparatorluğunda Alman Nüfuzu, Ankara. Üniversitesi Siyasal Bilgiler Fakültesi Yayınları No: 479, Ankara 1981, s. 10.
  3. cıt.p 11
  4. Abdurrahman Çaycı, Op.cıt. p 16
  5.