الأحد 22 أيلول 2019

أبحاث ودراسات

تعرّف على العائلة التركية التي تعتني ببردة النبي محمد

تعرّف على العائلة التركية التي تعتني ببردة النبي محمد

يحظى مسجد الخرقة الشريفة، وعمره أكثر من 160 عاماً، بآلاف من الزائرين في شهر رمضان لرؤية البردة الشريفة.

تجمَّع المئات عند مدخل أحد المساجد في حي الفاتح العتيق بإسطنبول في يوم رمضاني عليل النسمات من أيام شهر مايو/أيار, بينما كان في الخارج أصحاب المحلات يعرضون مجموعة من التمور وزجاجات مياه زمزم.

 

انبعث الأذان من مكبر للصوت مثبت بالمسجد، فانطلقت النساء المحجبات والرجال الذين يرتدون الطواقي مسرعين إلى الداخل بمزيجٍ من الخشوع والإثارة.

 

يزور آلافٌ من المسلمين من جميع أنحاء العالم هذا المسجد أثناء شهر رمضان كل عام، ليروا واحداً من أكثر الأعمال الفنية قيمة في التراث الإسلامي، بردة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- والمسماة "الخرقة الشريفة". ويحمل المسجد، الذي يبلغ عمره 160 عاماً، والذي يستضيف هذا الأثر التاريخي المقدس، الاسم ذاته.

 

بُنِيَ المسجد على شكل مُثمَّن ليمثل عدد القطع التي تتألَّف منها البردة، وقد صُمِّمَ بحيث يستطيع الناس المشي عبر الممرات لرؤية البردة في طوابقه العليا من دون إزعاج المصلين في الطابق السفلي.

 

وقالت سميرة كولدال، الأمينة العامة لمؤسسة مسجد الخرقة الشريفة، والتي تعتني بهذا المسجد: "يزور المسجد أكثر من مليون شخص كل عام أثناء شهر رمضان. كان لدينا 20 ألف زائر في أحد أيام الأحد الماضية".

 

وقالت كولدال لموقع TRT : "في غضون ثلاثة أسابيع فحسب كان لدينا زوار أكثر من الكثير من المتاحف الأخرى في تركيا".

من داخل مسجد الخرقة الشريفة

من داخل مسجد الخرقة الشريفة (Habertürk)

 

 

السليل الـ59

 

الأسرة التي تعتني بالخرقة الشريفة مثيرة للاهتمام مثل المسجد ذاته، وذلك لأنَّ أفراد هذه الأسرة هم أحفاد مباشرون لحضرة أويس القرني، أحد المعاصرين للنبي محمد-عليهالصلاةوالسلام- الذي أهداه هذه البردة.

 

كانت الأسرة تحافظ على هذه القطعة الأثرية الثمينة من جيل إلى الذي يليه على مدار 13 قرناً.

 

وقال بريس سمير، السليل الـ59 لأويس القرني: "كنت في المسجد منذ أن كان عمري 3 أو 4 سنوات، فرأيت كم كانت أسرتي تعتز بالبردة ورأيت رغبتها في السماح للناس برؤيتها أيضاً".

 

وتابع سمير، البالغ من العمر 45 عاماً والمولود في إسطنبول ويعمل مهندساً ميكانيكياً، "مهمتنا في غاية الشرف، كم عائلة في العالم تعرف نسبها وصولاً إلى 59 جيلاً؟".

 

صلة خاصة

 

فتنت قصة أويس القرني العلماء المسلمين لعدة قرون، إذ يشغل مكانة خاصة في الإسلام، ويعتبر صحابياً من صحابة النبي - عليه الصلاة والسلام- على الرغم من عدم لقائهما قط.

 

ذلك أنَّ القرني، المولود في اليمن، قد انطلق إلى المدينة لرؤية النبي، لكنه اضطر إلى العودة لرعاية أمه المريضة, ولما علم النبي بأنَّ الرجل المخلص لأمّه قد غادر دون اللقاء به، طلب من اثنين من أخلص أصحابه هما عمر وعلي - رضي الله عنهما- توصيل عباءته إلى أويس اليمني.

بردة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- التي أهداها إلى التابعي أويس القرني في جامع الخرقة الشريفة في إسطنبول

بردة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- التي أهداها إلى التابعي أويس القرني في جامع الخرقة الشريفة في إسطنبول (AA)

 

وفي حين أنَّ الظروف لم تسمح للقرني بلقاء النبي شخصياً، فالكثير من الناس يقولون إنهما قد التقيا روحياً، وهو ما رفع من مكانة القرني بين الصوفيين.

 

لكنَّ هذه البردة جلبت شهرة وزواراً، وهو أمرٌ لم يعجب القرني، الذي كان شخصيةً انطوائيةً وانعزالية وفقاً للتراث الإسلامي.

 

وقد سافر القرني، في آخر حياته، إلى شماليّ العراق حيث سقط في معركة صفين مقاتلاً إلى جانب علي رضي الله عنه، صهر النبي، والخليفة الرابع من الخلفاء الراشدين، ضد الخليفة الأموي معاوية، بالقرب من مدينة الرقة المعاصرة شماليّ سوريا عام 657هـ.

 

عاش نسل القرني في العراق حتى القرن الثامن، وكانوا لا يزالون محافظين على البردة، حتى أجبروا على الانتقال إلى غرب تركيا، في مدينة كوش آداسي الخلابة المطلة على بحر إيجة.

بردة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- التي أهداها للتابعي أويس القرني في جامع الخرقة الشريفة في إسطنبول

بردة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- التي أهداها للتابعي أويس القرني في جامع الخرقة الشريفة في إسطنبول (AA)

 

وقال سمير: "ليست لدينا أي وثائق تشرح سبب وصولنا إلى كوش آداسي. ويبدو أنَّ العائلة رأتها آمنة وقررت الاستقرار هنا، وبقوا هناك حتى عام 1611".

 

سمع السلطان أحمد، خليفة المسلمين في ذلك الوقت، بأمر البردة وقرر الحصول عليها، وذلك في عام 1611، لكنَّ مستشاريه ورجال الدين نصحوا بشدة بالعدول عن ذلك، قائلين: إنَّ ذلك سوف يكون انتهاكاً لرغبة النبي. وكذا فقد انتهى به المطاف بدعوة العائلة للعيش في إسطنبول.

 

سمحت العائلة للناس برؤية البردة كل رمضان على مدار الأعوام المائة التالية، لكن مع ازدياد شعبيتها وزيادة عدد الزوار، أصبحت التكلفة والإدارة صعبة التحمل.

 

وفي نهاية المطاف بنى السلطان عبد الحميد الأول، الذي حكم الإمبراطورية العثمانية في القرن الثامن عشر، مبنى صغيراً لاستضافة البردة في حي الفاتح، ولكن سرعان ما ازدحم هذا المبنى.

 

وتابع سمير: "لم يكن هذا المكان متسعاً بما يكفي للعدد المتزايد من الزوار. هذه المرة قرَّر السلطان عبد الحميد بناء مسجد ودائرة للخرقة الشريفة بجوار المسجد، وهكذا فإن البردة هنا منذ عام 1851".

 

أضاف سمير: "تعتبر دائرة الخرقة الشريفة مكاناً مميزاً. هذا المكان يشعر الناس فيه بالقرب منالنبي محمد عليه الصلاة والسلام، نشعر بالسعادة عندما نرى أننا وسيلة اتصال روحي بين النبي والناس. إنه شعورٌ لا يوصف".