الأربعاء 19 حزيران 2019

أخبار عربية ودولية

لملك عبد الله الثاني بين تحدّيات الإقليم وترتيب فوضى الداخل.. هل ينزاح العقد الاجتماعي ببطء فعلاً؟.

لملك عبد الله الثاني بين تحدّيات الإقليم وترتيب فوضى الداخل.. هل ينزاح العقد الاجتماعي ببطء فعلاً؟.

رأي اليوم

التاريخ ,

شهد نظام الحكم في الأردن خلال العام الأخير موجات مختلفة من الشد والجذب والتي لعبت شخصيات قريبة منه في الداخل الأردني وأخرى بعيدة عنه وخارجية أدوارا فيها، ورغم ان النظام ظهر ممثلاً برأسه “الملك عبد الله الثاني” قوياً في عيد جلوسه العشرين على عرش المملكة، إلا أن ذلك لا يمنع من أن مظاهر خلل لا تزال تشوب المشهد قد تسحب من رصيده داخلياً.

الملك اليوم تخلص عمليا من بعض رموز التشويش من مؤسسات أمنية وسياسية استغلت الجو الحراكي خلال العام الماضي للتحشيد والتجييش ضده شخصيا وضد عائلته الصغيرة، والتخلص من مثل هذه العناصر قد يمثل إنجازا عمليا ويقلل منسوب الغضب، ولكن الى حين، اذ لا يزال كثير من الأردنيين ينتظرون تغييرات حقيقية تنعكس على أسلوب حياة أكثر حماية لحرياتهم ومصالحهم.

التشويش على العرش من داخل البلاد ساهمت فيه شخصيات مقربة من القصر والعائلة، ومعها عناصر أمنية تحالفت مع ما اصطلحت الحكومة على تسميته “معارضة الخارج” بالتزامن مع دعم من عشائر وعائلات غاضبة من المشهد السياسي المحلي لاسبابها الخاصة أيضا. المعلومات في السياق تتضارب حين يبدأ الحديث عن دعمٍ أو غطاءٍ خارجي لهذه التحركات، ولكن استبعاد مثل هذه الجزئية عن المشهد قد تكون أضرارها على الأغلب أعلى من اخذها بعين الاعتبار والتحليل.

الترتيبات الأمنية التي دعمها وأشرف عليها عاهل البلاد بنفسه في دائرة المخابرات العامة، والتي تزامنت معها تغييرات سياسية في قصره وبين صفوف مستشاريه من جهة وفي الحكومة من جهة أخرى، كلها هدفت لتقليل منسوب الفوضى في التسريب والتضليل وأحياناً الكشف عن تفاصيل تحتمل الكثير من الجدل. كل هذا يقوّي بوضوح العرش الذي يمسك بزمامه الملك عبد الله، ولكن من الواضح ان عاهل الأردن ذاته يدرك ان التعويل على ذلك وحده قد يهدد بفوضى جديدة ومن نوع أكثر قسوة.

ذلك يفسر حراكا ملكيا واسعا في شهر رمضان الماضي بين الناس والمؤسسات التي تحمي الفئات المستضعفة كالأيتام ودور المسنين ومراكز الاستشفاء، بالإضافة للمسات إنسانية هنا وهناك، ولكن ذلك بعين النقد لا يكفي أيضاً، وفي الشارع من يمنع المحتجين عن الوصول للمركز الوطني لحقوق الانسان، ويعتقلهم، ثم تتسبب الاعتقالات الجديدة والقديمة بتقارير حقوقية جديدة من نوعها على عمان العاصمة التي لطالما كانت تنافس في إقليم منغلق بحرية “سقفها السماء” كما اعلن عاهل البلاد ذاته في بداية حكمه كقاعدة من قواعد المملكة الرابعة.

التقرير الأخير لمنظمة “هيومن رايتس ووتش” قبل أيام قال إن السلطات الأردنية تستهدف بشكل متزايد النشطاء السياسيين ومناهضي الفساد بتهم تنتهك حقهم في حرية التعبير، مطالبة إياها بالتوقف عن ذلك والاستماع لمطالب الشارع كما حصل قبل عام. مثل هذه الانتقادات يفترض ان لا تكون في الأردن، خصوصا وان الحراك الذي انطلق قبل عام، كان له الفضل في تقوية مواقف الدولة الأردنية بما فيها الملك شخصيا في مؤتمرات مثل مؤتمر مكة ولا حقا في التفاوض مع صندوق النقد الدولي والأوروبيين ومؤتمر لندن.

يدرك عاهل الأردن ذلك جيداً، ولا يحتاج المشهد المحلي الصغير في ديموغرافيته وجغرافيته ومفاعيله في بلاده للكثير من التدقيق للانتباه الى ان الامن الاقتصادي والضمان الحرياتي هما اهم عاملين حافظين للنظام من الداخل (وهذان عاملان مهمان للشارع إلى جانب ما تقوم به السلطات من ضمان الامن بمفهومه التقليدي) في بلد كالمملكة الأردنية القائمة وسط طوقٍ من الازمات الإقليمية التي لا تزال قائمة وترتد موجاتها على عمان وبقية المحافظات الأردنية كل يوم.

بهذا المعنى، فإن “العقد الاجتماعي” الذي أراد رئيس الحكومة الحالي الدكتور عمر الرزاز مراجعته بضوء اخضر ملكي منذ استلامه لمهامه والذي تتم ازاحته ببطء شديد وعناية نحو النموذج القائم على المواطنة دون اعلان واضح، ينبغي له بكل الأحوال ان يقدّم أولوية حماية حريات الأردنيين المعارضين بذات القدر الذي يحمي فيه حرية الموالين الذين نشطوا خلال اليومين الماضيين بالتغني بالإنجازات الملكية في عيد الجلوس العشرين. حماية حقوق الجانبين وعدم التعرض للشق الأول منهم يحمي بالضرورة مصداقية النظام في بلاده، وهو ما يحصنه مجددا امام أي موجات خارجية محتملة بما فيها صفقة القرن ومؤتمر المنامة وغيرها التي لا يكاد يجد في سياقها من يعارض مواقفه تجاهها.

قبل عام فقط، كان عاهل الأردن قد خرج قوياً جداً من حراكٍ بدا العرش الأقرب اليه ومن انتصر لصالحه في اقالة حكومة الدكتور هاني الملقي بعد الغضب الشعبي العارم الذي تمثل بحراك الدوار الرابع المتواصل، حتى انطلقت لاحقاً سلسلة تقارير وتحليلات تحمل تأويلات ان الحراك كان بغمزة ملكية وغطاء من القصر. حتى هذا التحليل والتأويل، بات عبئاً اليوم على من حملوا على عاتقهم اسقاط قانون ضريبة الدخل قبل عام، ببساطة لانهم يشعرون ان الغطاء الملكي لم يعد يشملهم، وهذا بحد ذاته يحمل احتمالات ارتدادات سلبية لاحقة.

بكل الأحوال، كما غطى القصر عودة وزير الداخلية الشرس سلامة حماد والذي يتحمل بنظر المعارضين عبء التضييق على الحريات خلال الآونة الأخيرة والمناورات في الاعتقالات والتعرض للصحفيين، على الأرجح انه (أي القصر نفسه) بات يتحمل مسؤولية التخفيف على الشارع في الشق الحرياتي على الأقل، بصورة تضمن مصالح الملك وعرشه قبل ان تضمن مصالح المعارضين المتحمسين لايصال عريضة تطالب بحماية حقوقهم وحرياتهم للمركز الوطني لحقوق الانسان الذي تموله الحكومات أساسا وفق قانونه المنشور على موقعه الالكتروني.

بهذه الصورة يضمن القصر ان تفرغ الملك للسياسة الخارجية المعقّدة أصلا لن يحمل في طياته مخاطر اشتعال داخلي جديد، في وقت يصر فيه المراقبون على ان رماد الحراك في عمان لا زال تحته نار قد تشبّ في أي لحظة.