الثلاثاء 23 تموز 2019

أخبار عربية ودولية

فورين بوليسي: ليس أفضل من مبارك.. هكذا تغيَّرت مصر في عهد السيسي إلى الأسوأ

فورين بوليسي: ليس أفضل من مبارك.. هكذا تغيَّرت مصر في عهد السيسي إلى الأسوأ

ساسة

التاريخ ,

في الشهر القادم، تحل ذكرى ثورة 25 يناير (كانون الثاني) في مصر، التي أطاحت الرئيس الأسبق حسني مبارك بعد 30 عامًا متواصلةً في الحكم. كان الشعب قد فاض بالفساد المستشري وتدهور الاقتصاد والتلاعب المتكرر بنتائج الانتخابات وانغلاق الأفق السياسي. لكن بعد ثماني سنوات من الثورة التي خرجت من رحم انتفاضات الربيع العربي في المنطقة، هل تغيَّرت مصر؟

يوضح ستيفن كوك، الزميل الأقدم في زمالة «إيني أنريكو ماتي» لدراسات الشرق الأوسط وأفريقيا في مؤسسة «مجلس العلاقات الخارجية»، أنَّ الوضع السياسي في مصر لم يتغير كثيرًا عن السنوات الماضية، بل ازداد سوءًا بعض الشيء من ناحية درجة القمع.

ففي مقاله الذي نشرته مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية، أشار كوك إلى تصريحاتٍ أصدرها الرئيس عبد الفتاح السيسي في الأسابيع الماضية، رأى أنَّها فاقت في غرابتها تصريحات نظيره الأمريكي ترامب في حملته الانتخابية عام 2016. إذ قال السيسي في خطابٍ متلفز: «كان الوضع هكذا، ونحن كنا هكذا، ورغم أنَّ الوضع كان هكذا، اتجهنا نحن هكذا. وهذه هي المعجزة». وبعدها بأيام، في خطابٍ آخر، طالب المصريين بممارسة التمارين الرياضية وخسارة الوزن الزائد، مضيفًا أنَّه «حتى في الإعلام نضطر لاختيار ضيوفٍ يهتمون بأجسادهم».

 

تساءل كوك إن كان سبب هذه التصريحات هو انهيار السيسي تحت الضغط المذهل الذي يتضمنه منصب الرئاسة في مصر، التي تبدو صعبة المراس. لا شك أنَّ السيسي رسخ قبضته السياسية على السلطة بعض الشيء منذ توليه منصبه، لكنَّ كوك يرى أنَّه من الصعب المجادلة بأنَّه يحكم البلاد بالفعل. ففي الأشهر الستة الماضية، عانى المصريون نقصًا في المياه ومحصول البطاطا. وبدلًا عن مواجهة المشكلات التي حددتها مؤخرًا مقررة الأمم المتحدة المعنية بالحق في السكن، هاجمتها الحكومة وقمعت الأشخاص الذين التقت بهم في أبحاثها.

بحسب كوك، يواجه السيسي أساسًا مشكلةً في السلطة؛ إذ يبدو عاجزًا عن استخدام السلطة الموجودة في يديه، لكنَّ مؤيديه يحاولون حل تلك المشكلة بزيادة سلطته؛ إذ يسعون لتعديل دستور 2014 وتمديد فترته في المنصب، أو ربما إلغاء الحد الأقصى لتولي منصب الرئاسة. وجديرٌ بالذكر أنَّ المسؤولين المصريين ومؤيدي السيسي تعهدوا من قبل أنَّ هذا لن يحدث، زاعمين أنَّ مصر قد تغيَّرت، لكن لم يصدقهم أحد، والآن يبدو هذا الشك مبررًا، وسط المساعي التي تهدف إلى بقاء السيسي في منصبه بعد انتهاء الفترتين اللتين يحددهما الدستور كحدٍ أقصى. ويرى كوك أنَّ هذه المحاولات تعد تطوراتٍ غير مفاجئة في الشرق الأوسط، نظرًا لأحداث السنوات الماضية. وبينما قد يعتقد البعض أنَّ التاريخ يعيد نفسه بهذا الشكل، يختلف كوك مع ذلك، ويوضح أنَّ مصر لم تنحرف من الأصل عن مسارها الاستبدادي الذي كانت عليه، حتى مع كل الأحداث التي شهدتها السنوات الثماني الماضية.

يشرح كوك الوضع الحالي في مصر، قائلًا إنَّ مؤيدي السيسي مصرون على ضرورة تمديد فترته في المنصب لتدعيم كل التغييرات «الإيجابية» التي حققها منذ توليه السلطة في يوليو (تموز) 2013. ويزعمون أنَّ الاقتصاد يتعافى، والبنية التحتية تخضع للتطوير، وأنَّ الدولة استعادت استقرارها ومكانتها الدولية. وأوضح الكاتب أنَّه في العالم الذي يعيش فيه هؤلاء، تحقَّق كل ما وعدت به حملة «مصر الجديدة» الإعلانية، من سلام ورخاء ونمو، أو في طريقه للتحقُّق بشرط استمرار السيسي في مساره الحالي بخطىً ثابتة. ويزعم معارضو السيسي أيضًا بحسب كوك أنَّ مصر قد تغيَّرت، لكنَّهم يرسمون صورةً قاتمةً لواقع مصر الجديدة هذه، واقع يُبنى فيه هذا الاستقرار المزعوم على الخوف المنتشر من أجهزة الأمن التي تتمتع بحصانةٍ مطلقة. ويقول المعارضون: إنَّ المصريين يعانون للعيش بسبب غلاء الأسعار الذي نتج عن رفع الدعم. ويضيف كوك أنَّ المؤشرات الإيجابية للاقتصاد الكلي التي تتفاخر بها الحكومة، وخاصةً مؤشرات النمو، تُخفي القروض الهائلة التي استدانتها الدولة حتى تتحسن تلك الأرقام.

 

يتفق كوك مع منتقدي السيسي، ويرى أنَّ مصر تشهد قمعًا شديدًا، وأنَّ التفاؤل الذي يتحدث عنه مؤيدو الرئيس يعبر عن قدرٍ هائل من السذاجة، لكنَّه مع ذلك يوضح أنَّ الجانبين مخطئان؛ فمصر لم تتغير كثيرًا كما يظن كلاهما. وبينما قد يجادل البعض بأنَّ الجيش في مصر السيسي أصبح يتمتع باستقلاليةٍ أكبر، وانخرط أكثر في الاقتصاد والسياسة، فإنَّ هذا لا يعد صحيحًا إلا لو كانت المقارنة بين الوضع الحالي ووضع مصر تحت حكم السادات ومبارك. ويوضح الكاتب أنَّ الوضع الحالي له سابقة. فما بين 1954 و1967 اضطلع الجيش كذلك بدورٍ ضخم في السياسة والاقتصاد.

الفارق الأهم بين عصر السيسي وحكم من سبقوه وفقًا لكوك هو درجة القمع واستخدام القوة ضد الشعب. فالمصريون لا يشعرون بالولاء للسيسي؛ لأنَّه لا يتبنى رؤيةً إيجابية ولا يحقق وعوده. ويعتمد هو ومسؤولوه على الاعتقالات والتخويف والعنف لإخضاع مصر لإرادتهم، بل حتى القتل.

يقارن كوك بين السيسي وأسلافه. ويوضح أنَّ عبد الناصر مثلًا كانت لديه رؤية، وكان يحظى بإعجاب بل وحب الكثيرين. أمَّا السادات، الذي عانى لإقناع المصريين بالتحوُّل إلى الاقتصاد التجاري وبما كان يصفه بـ«دولة المؤسسات»، لأنَّه لم يكن صادقًا على الأرجح في تأسيسها، فقد كان «بطل العبور» في حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، ولهذا كان يمتلك الشرعية لفترةٍ من الوقت. وهناك أيضًا مبارك، الذي لم يكن يمتلك رؤيةً خاصة به، لكنَّه مع الوقت تعلَّم كيف يدير الدولة. وبينما شهدت مصر قمعًا رهيبًا في عهود الرؤساء الثلاثة، إلَّا أنَّ حكم السيسي يتسم بدرجةٍ من القمع والقسوة لم تعهدها مصر من قبل. ويدافع مؤيدو الحكومة عنها وعن الرئيس زاعمين أنَّهما يحاولان حماية الدولة من الإخوان المسلمين ومن التطرف، لكنَّ كوك يشير إلى أنَّ القمع طال الجميع، الطلاب والصحافيين والنشطاء والأجانب، وليس فقط أعضاء الجماعة.

 

الجماهير تحيي عبد الناصر بعد عودته من الإسكندرية، حيث أعلن تأميم قناة السويس عام 1956.

لكن عدا عن ذلك الاختلاف في درجة القمع، لم تتغير مصر كثيرًا عما كانت عليه في السنوات السابقة بحسب كوك، الذي يستشهد في هذا الصدد بتعليقٍ ساخر لمعارضٍ قال فيه: «السيسي هو مبارك بعد تناول المنشطات». ويرى كوك أنَّ التشابه في الأوضاع يمتد لما قبل عصر مبارك أيضًا، حتى لو كان بعض المراقبين يعتقدون أنَّ تاريخ مصر الجديدة قد بدأ يوم 25 يناير (كانون الثاني) 2011، يوم «الغضب» الذي شهد بداية عملية إطاحة مبارك.

يوضح كوك أنَّ السيسي هو التطور الطبيعي للنظام الذي نشأ منذ أعلن الضباط الأحرار عام 1953 إلغاء الملكية وتحوُّل مصر إلى جمهورية. فحسبما يرى، هذا النظام نجح في إعادة إنتاج نفسه بعد تحدياتٍ كبرى عديدة شهدتها الدولة، مثل هزيمة يونيو (حزيران) 1967 في حرب الأيام الستة، ووفاة عبد الناصر، واغتيال السادات، والثورة التي أطاحت مبارك. بعد كل هذه اللحظات المهمة في تاريخ مصر، عادت الدولة إلى وضعها المعتاد، وهو الاستبداد. وهؤلاء الرؤساء جميعًا لم تكن لديهم نظرياتٌ سياسية مكتملة، وإلَّا لم يكن عبد الناصر ليطالب برحيل الأمم المتحدة من سيناء في مايو (أيار) 1967، ولم يكن السادات ليخطط لرفع الدعم في يناير 1977، ولم يكن مبارك ليمنح ابنه دورًا بارزًا هكذا في إدارة الدولة.

بدلًا عن تلك النظريات السياسية، يرى كوك أنَّ مصر بها مجموعةً من المؤسسات السياسية التي تعمل على خدمة مصالحها الخاصة وتعكس النظام الاجتماعي السائد. ولهذا، مع تغيُّر الرؤساء ودرجة القمع، ظلَّت السياسات كما هي على مدار 65 عامًا.

 

لكنَّ كل هذا لا يعني أنَّ السيسي منيعٌ بحسب كوك. فوفقًا لاستطلاع رأيٍ أجراه مؤخرًا جيمس زغبي، مدير ومؤسس المعهد العربي الأمريكي، يشعر المصريون بدرجةٍ كبيرة من عدم الرضا تجاه الوضع القائم. وحتى الجيش، أقدس مقدسات المصريين، لم يعد موثوقًا به كما في الماضي بحسب الاستطلاع. إلا أنَّ كوك يشير أيضًا إلى أنَّ هذا لا يعني أنَّ هناك تغييرًا وشيكًا، أو أنَّ هذا التغيير إن تحقق سيكون ثورةً تطيح الأنظمة الاجتماعية والسياسية القائمة التي تخدم مصالحها الخاصة. فهو يرى أنَّ الثورات هي ظواهر نادرة. والنظام في مصر يعوق ويقوض جميع جهود التغيير الأخرى الممكنة الأخف وطأة.

ويختتم كوك تقييمه للوضع بأنَّ الوضع السياسي في مصر كما كان دائمًا، وضعٌ استبدادي قاتم، يحول دون تحقُّق آمال «العيش والحرية والعدالة الاجتماعية» التي نادت بها ثورة يناير. وحين تحل ذكرى تلك الثورة خلال الأسابيع القادمة، وينقسم المصريون ما بين نادمٍ على ما راح ومحتفلٍ بما أُنجِز، ستكون بيانات الحكومة عن الإنجازات التي حققتها مثل هوس السيسي الذي يسيطر على مصر منذ 2013، دون أساسٍ حقيقي.