الجمعة 23 آب 2019

أخبار لبنانية

بعد قبرشمون... هل يتصالح اللبنانيون مع سيدر وماكينزي

بعد قبرشمون... هل يتصالح اللبنانيون مع سيدر وماكينزي

لبنان 24

التاريخ ,

ليست صدفة أن تتزامن جلسة "غسل القلوب" في بعبدا بين المتخاصمين مع جلسة مالية وإقتصادية سبقت المصالحة السياسية، لأن ما بين الجلستين، التي فصلت بينهما ساعة، رابطًا مهمًّا، لما بين الأثنين من علاقة لها فواصل مشتركة مع المستقبل، إذ لا إستقرارًا إقتصاديًا إذا لم تتوافر له مناخات سياسية وأمنية مؤاتية، وإذا لم ترافقه إجراءات حاسمة تحول دون تكرار ما حصل في قبرشمون، وإذا لم يصاحبه مناخ سياسي ملائم يوحي بالثقة، التي تُعتبر العامل الأساسي لتشجيع المستثمرين، من الخارج والداخل، لوضع أرجلهم على أرض صلبة وغير قابلة للإهتزاز مع أول هبّة ريح، بإعتبار أن أي مشروع إقتصادي لن يبصر النور إذا لم يُعطَ أصحابه ضمانات كافية من الناحيتين الأمنية والسياسية.

 

ولأن هذا الهاجس كان يقلق الجانب الفرنسي المعني أكثر من غيره بمشاريع "سيدر" كان تحرّكه على مستويات عدّة، مع الداخل ومع الخارج، وبالأخص مع الجانب الأميركي في محاولة منه للضغط على جميع المعنيين في لبنان لإعادة التموضع إلى مساره الطبيعي من خلال "الرسائل" الواضحة المعاني والأهداف التي تضمّنها بيان السفارة الأميركية، وترك لهم خيار قراءة ما بين سطوره، خصوصًا أن الإدارة الأميركية جادّة في تصعيد مستوى العقوبات، التي أقتصرت حتى الأن على قيادات في "حزب الله"، فكانت مصالحة "الضرورة" في بعبدا برعاية رئيس الجمّهورية ميشال عون بالذات، وأدّت كنتيجة فورية وسريعة إلى الإتفاق بين القوى السياسية على ورشة عمل إقتصادية ـ مالية تُنقذ لبنان من آتون الإفلاس المُنتظر وما له من تداعيات كارثية على المواطن. هذا القرار تمّ تجسيده في قرارات إجتماع بعبدا الإقتصادي ـ المالي الذي جمع ثلاث قوى رئيسية في البلاد وحظي بدعم باقي القوى الأخرى.

الرئيس سعد الحريري، وبعد إجتماع بعبدا الإقتصادي المالي صرّح أن المجتمعين وصفوا بشكل دقيق الأوضاع المالية والإقتصادية الحالية، وقاموا بطرح حلول لها. وأعلن عن جّملة خطوات أساسية سيُعمل على تطبيقها في المرحلة المُقبلة والتي تُساهم في تفعيل الإقتصاد وتعزيز وضع المالية العامّة والمباشرة بمناقشة تقرير ماكينزي والملاحظات المُقدّمة عليه من الأطراف كافة. كما عدّد أهم الخطوات التي تمّ الاتفاق عليها.

إذًا ومما تقدّم، فإن هناك ثلاث خطط ستقوم الحكومة بتنفيذها: خطّة ماكينزي، مشاريع "سيدر ومُقرّرات اجتماع بعبدا المالي والإقتصادي، إلاّ أنه من الواضح أن مشاريع "سيدر" وخطّة ماكينزي لنُ تعطي نتائج مباشرة أو ملموسة قبل العام 2021، والسبب يعود إلى أن القرارات في ما يخصّ مشاريع سيدر لا تعود إلى الحكومة اللبنانية وحدها. وبحسب مؤتمر "سيدر"، تقوم الحكومة اللبنانية بتقديم المشاريع مع الجدوى الإقتصادية وفي المقابل وبعد الموافقة على التمويل، تقوم لجّنة مُشتركة بين لبنان والدول المُقرضة بالإشراف ومتابعة تنفيذ المشاريع. إذا أولوية المشاريع وتقييمها تقوم بهما الحكومة والموافقة على التمويل يتمّ من قبل ممثلي الدوّل المُقرضة والإشراف على التنفيذ يتمّ من قبل اللجنة المُشتركة. هذه الآلية تتطلّب وقتًا وبالتالي فإن البدء بالمشاريع سيتطّلب بعض الوقت على ألا يتمّ لحظ تداعيات إيجابية على الأرض إلا بدءًا من العام 2021.

أما على صعيد خطّة ماكينزي، فهي ستخضع لمناقشات في مجلس الوزراء على أن يتمّ إقرار الخطوات المُتفق عليها وجدّولتها في خطّة زمنية تبقى رهينة إيجاد التمّويل لها وتتعلّق بنسبة كبيرة بمسار مشاريع "سيدر". لذا لن يتمّ لحظ تداعيات إيجابية لهذه الخطّة إلا إبتداءً من العام 2021 نظرا إلى البعد الإقتصادي العميق لبعض الإجراءات المُقترحة.

وحدها إجراءات إجتماع بعبدا المالي والإقتصادي، لها مفعول فوري مع بدء تطبيق هذه الإجراءات التي يُمكن وصفها بالإجراءات الإنقاذية.
وعليه، فإن المطلوب لبنانيًا التصالح أولًا مع الذات، فلا يعود الفساد عنوانًا ظرفيًا ومرحليًا ومجرد "كليشيهات" غبّ الطلب، وثانيًا التصالح مع "سيدر" وماكينزي، لأن هذه المصالحة هي أهمّ من أي مصالحة أخرى، إذ من دونها سيبقى الوطن عرضة لشتى التقلبات المزاجية.