الأحد 22 أيلول 2019

أبحاث ودراسات

كعبة إيران ولعبة الإعلام الفتنوي

كعبة إيران ولعبة الإعلام الفتنوي

ساسة

التاريخ ,

عشرات الفيديوهات المنشورة على موقع «يوتيوب»، والأخبار المنثورة عبر صفحات المواقع الإخبارية تفيد بأن إيران بنت «كعبة» على أراضي الجمهورية الإسلامية لتغنيهم عن زيارة «كعبة مكة»، وأن الحج بدأ إليها بالفعل. وفي المقابل ثمة عشرات البيانات الرسمية وغير الرسمية التي تكذب هذه الأخبار، وتصفها بأنها «مختلقة، ولا أساس لها من الصحة، وتهدف إلى تشويه صورة إيران والإيرانيين». 

في خضم سيل الأخبار والتكذيبات يتمسّك كل فريقٍ بروايته، ويستدلّ كل طرفٍ بتسجيلات مرئية ومسموعة تؤكد بما لا يدع مجالا للشك – وفق مقاييسه – أنه صادق وخصمه كاذب، ورغم مرور العام تلو العام تتجدد المناكفة وتعود الحرب الكلامية خضراء جذعة، وكأنها وُلِدت للتو. 

تحاول السطور التالية تتبُّع أصل أسطورة «كعبة إيران»، واستكشاف جذوة النار التي أطلقت كل هذا الدخان، وتفسير الدوافع الدينية والسياسية التي تقف وراء بقاء مثل هذه المناكفات الطائفية على قيد الحياة، رغم مرور الشهور وكر السنين.

 

«صرخة البراءة».. ومن الفتاوى ما قتل!

في البدء كانت «صرخة البراءة»، هذا الإعلان الذي كان قائد الثورة الإيرانية، روح الله الخميني، يكرره على مسامع الحجاج الإيرانيين كل عامٍ منذ مطلع الثمانينات قبل انطلاقهم لأداء مراسم الحج العبادية/السياسية، وأوجزه في عام 1986 قائلًا: «لزم حجاج بيت اللّه الحرام في هذا التجمُّع الجماهيري العام، والسيل البشري العارم، الجهر بأعلى أصواتهم بنداء البراءة من الظالمين». 

 

الكعبة المشرفة في مكة المكرمة

وكأنه نذيرُ جيشٍ، كرر الخميني الفتوى بتفصيلٍ أكبر في عام 1987، قائلًا: «إعلان البراءة من المشركين، الذي يعد من أركان فريضة الحج التوحيدية وواجباتها السياسية، يجب أن يقام بأبهى صورة وأعظم جلال على شكل تظاهرات ومسيرات.. وعلى الحجاج المحترمين من الإيرانيين وغيرهم المشاركة، وبتنسيق تام مع المسؤولين في بعثة الحج، في جميع المراسم المقامة، وإطلاق نداء البراءة من المشركين، وملاحدة الاستكبار العالمي، وعلى رأسهم أمريكا، قرب بيت التوحيد».

وقد كان ذلك العام مشهودًا؛ فبناءً على فتاوى الخميني انطلقت يوم الجمعة 31 يوليو (تموز) 1987 «مسيرة البراءة من المشركين» التي تنظمها دائرة شؤون الحج الإيرانية سنويًا، بمكبرات الصوت واللافتات وصور قائد الثورة، وسرعان ما انتهت باشتباكٍ عنيف مع الشرطة السعودية والحرس الوطني؛ ما أسفر عن مقتل 402 شخصًا، بينهم 275 حاجًا إيرانيا، و85 شرطيًا سعوديًا، و42 حاجًا من جنسيات أخرى.

على خلفية الحادث، قطعت السعودية علاقاتها الدبلوماسية مع إيران، وقللت عدد الحجاج الإيرانيين المسموح لهم بالمشاركة في موسم الحج من 150 ألفًا إلى 45 ألفًا. وفي المقابل، أعلنت الجمهورية الإسلامية مقاطعتها الحج في المواسم الثلاثة التالية.

حج بدون إيرانيين.. الجمهورية الإسلامية تقاطع مكة للمرة الثانية

هدأت الزوبعة تدريجًا، ثم بعد قرابة ثلاثة عقود تجددت المقاطعة الإيرانية مرة أخرى حين أعلن وزير الثقافة الإيرانيعلي جنتي في أواخر مايو (أيار) 2016 أن الإيرانيين لن يحجوا إلى مكة المكرمة تلك السنة؛ بسبب «القيود» التي تفرضها السعودية عليهم. 

 

وتأكد الموقف الرسمي الإيراني في يونيو (حزيران) 2016، على لسان سعيد أحادي، رئيس «منظمة الحج والعمرة الإيرانية»، مؤكدًا أن الجمهورية الإسلامية لن ترسل حجاجًا إلى مكة المكرمة في ذلك العام.

جاءت المقاطعة الإيرانية هذه المرة على خلفية حادث منى يوم 24 سبتمبر (أيلول) عام 2015، الذي أسفر عن مقتل 769 شخصًا، كان لإيران منهم نصيب الأسد بـ464 حاجًا، وإصابة 934 آخرين، إثر سقوط رافعة في المسجد الحرام، وهو ما يجعلها أسوأ كارثة تقع في موسم الحج منذ 25 عامًا، بحسب البيانات الرسمية التي أعلن عنها وزير الصحة السعودي خالد الفالح.

وفي مواجهة اتهام السلطات السعودية لعناصر الحرس الثوري الإيراني بالوقوف وراء حادثة منى، قال المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي إن «سوء الإدارة» وإجراءات «غير ملائمة» كانت وراء الحادث المفجع، وهدد المدعي العام الإيراني سيد إبراهيم رئيسي بملاحقة السعودية قضائيًا بموجب القانون الدولي. 

«كعبة إيران».. مجسم تعليميّ أم مناكفة سياسية؟

مهَّدت تلك المواجهات المناخ لنمو بذور مناكفةٍ سياسية دينية أخرى، بدأت قبل حادثة منى بأيام، واستمرت بعدها لسنوات، ولا يزال صداها يتردد حتى الآن، مفادها أن إيران قررت بناء كعبة خاصة بها في «قم» بدلًا عن كعبة جموع المسلمين في مكة المكرمة. 

انتقل الخبر من ألسنة رواد مواقع التواصل الاجتماعي، إلى لوحة مفاتيح الفريق ضاحي خلفان، نائب رئيس شرطة دبي، الذي كتب تغريدةً عن مجسمٍ الكعبة في إيران قائلًا: «سمعت أن إيران تنوي أن تجعل من قم أم القرى الجديدة وتبني كعبة هناك.. الفكرة مش بطالة.. أحسن شيء يوم لهم قبلة وأم قرى تخصهم»، ثم ألحق بها تغريدة أخرى: «اليوم لا علاج لفوضى المهددين لأمننا القومي إلا بتحالف عربي يردع العابثين بأمن أمتنا العربية».

وسرعان ما رد موقع «العالم» الإيراني نافيًا نفيًا قاطعًا بالقول: «على طريقته المعهودة في كتابة تعليقات حول أخبار لا أساس لها من الصحة، وفي أسلوب يثير السخرية من صياغته اللغوية الركيكة كتب ضاحي خلفان، نائب رئيس شرطة دبي، عن أنباء ادعى أنها تناهت إلى سمعه تفيد بوجود نية لدى إيران لبناء كعبة خاصة بها، فما كان منه إلا أن رحبّ بالفكرة وأثنى عليها».

لم تنتهِ الضجة عند هذا الحد، بل تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي في يوليو (تموز) 2017 فيديو يُظهِر عددًا من الإيرانيين يطوفون حول نموذج مماثل للكعبة، ويؤدون مناسك الحج. وقال موقع «بغداد بوست» إن المحاكاة الإيرانية لموسم الحج وصلت إلى ارتداء زي مشابه لملابس أفراد الأمن في المملكة، وسط «ترديد شعارات طائفية خلال الطواف لتشويه الحجّ».

حتى بعد مرور شهر، كان الإعلامي المصري مظهر شاهين لا يزال يتحدث عن الفيديو، قائلًا: «إن الخبر يحمل إحدى دلالتين: إما أن يكون هذا المجسم مجرد نموذج لتدريب الحجاج والمعتمرين بشكل عملي، وهذا لا بأس فيه ويحدث حتى في المدارس للأطفال، وإما أنها كعبة حقيقة يحجون إليها ويعتمرون، وهذا نوع من العبث والتهريج، ونكون أمام أناس فقدوا ما تبقى من عقولهم».

لكن موقع «العالم» الإيراني، عاد وكذب الخبر مرة أخرى قائلًا: «أطلقت بعض المواقع المشبوهة المغرضة كذبة ليست بجديدة سعت من خلالها تشويه سمعة الجمهورية الإسلامية والافتراء على الحجاج الإيرانيين والمسؤولين عن بعثات الحج الإيرانية إلى الديار المقدسة بزعمهم أن الإيرانيين بنوا كعبة جديدة في بلادهم».

وأوضح الموقع أن «الفيديو والصور خاصة بدروس تعليم أحكام الحج يلقيها وبشكل تفاعلي عملي تطبيقي رؤساء بعثات الحج لتسهيل فريضة الحج حين وصول الحاج الإيراني إلى الديار المقدسة، كما أن التقليد متبع في العديد من البلدان الإسلامية لتهئية حجاجها لكي يؤدي مناسك الحج بشكل صحيح».

وتابع بيان التكذيب الإيراني: «في شبكات التواصل الاجتماعي نجد الكثير من الواجهات الدعائية الفاشلة تطلق أكاذيبها وافتراءاتها على دول أو واجهات تعاديها، لكن لم نر تلفيقات وافتراءات ساذجة بهذا المستوى الهابط.. تسعى لتحويل دروس تأهيلية وتثقيفية في أحكام الحج إلى أكاذيب ومهاترات لا أخلاقية تافهة».

«مكة أفضل أم كربلاء؟» النار التي تسببت في إطلاق الدخان

رغم التعميم الخاطئ الذي ينطوي عليه المثل القائل «لا دخان دون نار»، إلا أنه قد يسلط الضوء على أحد أسباب انتشار هذا اللون من الأخبار. ذلك أن «كعبة إيران» التي تثير الجدل في كل موسم حج، وإن كانت مجرد مجسم لتدريب الناس على المناسك، إلا أنها تستدعي في الواقع خلافًا شهيرًا بين السنة والشيعة حول أفضلية مكة على بقاع الأرض. 

وهذا الخلاف شهيرٌ، ومنشورة بخصوصه فتاوى عبر وكالة أنباء «الحوزة»، التي يشرف عليها مركز إدارة الحوزات العلميّة، ويديرها مفيد الحسيني الكوهساري، ملخصها: «وردت عندنا روايات يظهر منها أفضلية كربلاء على مكة، بل على الكعبة أيضًا». وهي الإجابة ذاتها المنشورة بإسهابٍ على صفحات مركز الأبحاث العقائدية، الذي يشرف عليه جواد الشهرستاني.

 

مسجد وضريح الإمام الحسين بن علي في كربلاء

وحين طُرِح السؤال ذاته على ياسر الحبيب، أجاب عبر موقعه الرسمي بوضوح أكبر: «الثابت هو كون كربلاء المقدسة أفضل بقاع الأرض؛ لورود النصوص الصريحة في ذلك، ولا شك ولا ريب في كونها أفضل من مكة المكرمة، وليس ثمة معارض صريح لتلك النصوص إذ لم يرد نص في تفضيل مكة على كربلاء».

فإذا كانت مكة في نظر الشيعة ليست أفضل البقاع، وكربلاء خير منها، فقد يقول قائل: لماذا لا تكون الأخبار المتناثرة حول بناء كعبة إيرانية جديدة في قم صحيحة؟ وحتى إن ثبت عدم دقة الحدث، سيبقى الخلاف المذهبي أثقل من أن تمحوه بيانات التكذيب.

ما يضع المزيد من الوقود على نيران الخلاف الطائفيّ أن وسائل الإعلام سلطت الأضواء في عام 2016 على تدفقمليون زائر إيراني إلى محافظة كربلاء العراقية لأداء «زيارة عرفة»، وربطتها التحليلات بـفتوى مرشد إيران علي خامنئي بتحويل حج الإيرانيين إلى كربلاء عوضًا عن مكة المكرمة. 

في ظل هذا المناخ المتوتر، لا يمثل فارقًا أن تصدر السفارة الإيرانية في الكويت تكذيبًا تقول فيه: «نفيدکم علمًا والقراء المحترمين بأنه لا يوجد مثل هذه الفتوى إطلاقًا، لا في هذه السنة، ولا في غيرها، وهذا قول زور وافتراء»، إذ سيظل رواد وسائل التواصل الاجتماعي يتحدثون في كل موسم للحج عن كعبة إيران، وستظل المناوشات قائمة ما بقيت الأرض بين السنة والشيعة حول أفضلية كربلاء ومكة.