الأحد 22 أيلول 2019

أبحاث ودراسات

رغم العقوبات الغربية.. كيف حققت إيران اكتفاءها الذاتي من الدواء؟

رغم العقوبات الغربية.. كيف حققت إيران اكتفاءها الذاتي من الدواء؟

ساسة

التاريخ ,

لمدة 13 عامًا بدأت عقب غزو الكويت عام 1990 فرضت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة عقوبات خانقة على العراق؛ تسببت بحلول وقت الغزو الأمريكي في عام 2003 في مقتل ما لا يقل عن 200 ألف إلى 500 ألف طفل دون سن الخامسة. حتى برنامج «النفط مقابل الغذاء» – الذي كان يهدف ظاهريًا لتخفيف معاناة المدنيين الإنسانية مع الإبقاء على الحصار المحكم – لم يستطع إنقاذ العراقيين من الموت.

على نحوٍ مشابه بدأ الكونجرس فرض العقوبات على إيران بعد أزمة رهائن السفارة الأمريكية في طهران عام 1979. ومنذ ذلك الحين اتسع نطاق العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة تدريجيًا خلال السنوات اللاحقة، وتعددت أسبابها.

تأثر صناعة الدواء الإيرانية بالعقوبات الغربية

مثلما كان الحال في العراق قبل فرض العقوبات، كانت إيران تتمتع بأحد أكثر أنظمة الرعاية الصحية تقدُّما في الشرق الأوسط، بيدَ أن هذه المنظومة بدأت تتدهور تحت وطأة العقوبات، على نحوٍ مشابه لما حدث في العراق. وواجهت صناعة الدواء الإيرانية، شأنها شأن العديد من القطاعات الأخرى، ضغوطات كبيرة، أسفرت عن نقص المواد الخام اللازمة للتصنيع. 

أما الأدوية التي كانت إيران تستوردها من الغرب، فاختفت من أرفف الصيدليات بمعدلات تنذر بالخطر. حتى أن صحيفة «نيويورك تايمز» ذكرت أن عائلات مرضى السرطان اضطروا إلى السفر مئات الأميال بحثًا عن الأدوية، لكن دون جدوى في كثير من الأحيان. كما أدت العقوبات إلى شلّ صناعة الأدوية المحلية في إيران؛ مما أدى إلى تعطيل إنتاج الأدوية المكافئة، وإجبار طهران على استيراد الأدوية والمواد الخام ذات الجودة الأقل أو المشكوك في فعاليتها.

ومع اختفاء مستلزمات التخدير الحديثة، اضطر الأطباء إلى استخدام عقاقير عفا عليها الزمن لإجراء العمليات الجراحية، رغم تحذير محمد مهدي غيامات، رئيس «الجمعية الإيرانية لأطباء التخدير»، من الآثار الجانبية الخطيرة المترتبة على ذلك. 

 

وتقلصت أدوية الهيموفيليا إلى ثلث مستوياتها السابقة، وحذر مقال نشرته صحيفة «التايمز» البريطانية في 21 نوفمبر (تشرين الثاني) 2012 أن مخزون الطوارئ لدى إيران على وشك النفاد في غضون ثلاثة أشهر حتى مع إجراءات التقنين التي تتخذها الحكومة، وهو ما عرَّض حياة 6 ملايين مريض للخطر. وبحلول عام 2016، شمل النقص 73 دواء، 44% منها أدوية أساسية وفق تصنيف «منظمة الصحة العالمية».

حتى بموجب الاستثناء اللاحق للأدوية الضرورية من العقوبات، وجد المصدرون الأمريكيون صعوبة في إيجاد البنوك الراغبة في تمويل هذه المعاملات؛ بسبب العقوبات الصارمة المفروضة على البنك المركزي والمصارف الإيرانية. هذا الوضع المتأزم لخصته «صحيفة نيويورك» تايمز في 2 نوفمبر 2012، بالقول: «لا يوجد أي بنك أمريكي أو أوروبي يرغب في إجراء معاملات مالية مع إيران، بصرف النظر عن المنتجات المعنية».

وقد كان لافتًا أن مدير «مؤسسة الغذاء والدواء التابعة لوزارة الصحة الإيرانية»، محمد رضا شانة ساز، خرج في ذلك التوقيت ليؤكد أن «الحصار المفروض على إيران لم يؤثر على إنتاج الأدوية والتجهيزات الطبية فيها»، وتفاخر في خضم الأزمة بأن إيران «هي البلد الأول في المنطقة في مجال الصيدلة وصناعة الأدوية».

بيدَ أن المحاولات الإيرانية المبكرة لتوفير بدائل أثارت سخرية وكالة «رويترز» التي نقلت في تقريرٍ نشر بتاريخ 5 ديسمبر (كانون الأول) 2012 أن «حبوب منع الحمل الصينية لا تعمل»، مستشهدة بالعديد من النساء الإيرانيات اللواتي حملن رغم تعاطي هذه العقاقير.

«الاقتصاد المقاوم».. من الكارثة الصحية إلى الاكتفاء الذاتي

خلال سنواتٍ قليلة تبدَّل المشهد الدوائي وأصبحت وسائل الإعلام الإيرانية تفيض بأنباء الإنجازات التي تحققها الجمهورية الإسلامية في مجال تصنيع الدواء، حتى صرَّح مساعد الرئيس الإيراني للشؤون العلمية، سورنا ستاري، لمراسل وكالة «فارس» مطلع أغسطس (آب) الجاري، بأن بلاده استطاعت تصنيع 97% من احتياجاتها الدوائية محليًا، وتسعى باتجاه تحقيق الاكتفاء الذاتي بشكل كامل. 

وبعدما كانت إيران تستورد 70% من احتياجاتها الدوائية، أصبحت الآن تصدّر الفائض إلى الخارج، لتحتل بذلكالمرتبة 11 عالميًا في تصنيع الدواء، والمرتبة الأولى على مستوى الشرق الأوسط في إنتاج اللقاحات والأمصال.

وتخصص إيران كل عام مبلغ 250 مليون دولار لإنتاج الأدوية، بما في ذلك استيراد المواد الخام والتعبئة والتغليف، وتستورد الأدوية المتبقية التي لا تستطيع إنتاجها، ومعظمها تستخدم في علاج أمراض خطيرة مثل السرطان، بما يزيد على 450 مليون دولار. ولمَّا كانت إيران تنتج حاليًا 2200 دواء مختلفًا، فقد أصبحت تستورد فقط حوالي 690 دواء، بحسب البيانات التي أعلن عنها شهريار إسلامى طبار، المدير العام للشؤون القانونية في «إدارة الغذاء والدواء الإيرانية»، في يناير (كانون الثاني) 2017. 

بموازاة هذه الطفرة، انخفض الإنفاق على الواردات التي لها بديل في قطاع الأدوية المحلي من 600 مليون دولار في عام 2012 إلى 200 مليون دولار في عام 2015، بهدف دعم الإنتاج المحلي. يعين على ذلك أن صناعة الأدوية الإيرانية التي يبلغ عمرها 100 عام متطورة نسبيًا بالنسبة لدولة نامية، إلى جانب القاعدة العشبية المتقدمة نسبيًا بفضل الموارد الإيرانية الوفيرة من النباتات الطبية.

ونتيجة تطور التقنية الحيوية في إيران خلال السنوات الماضية، يوجد اليوم 146 مستحضرًا دوائيًا، يتوفر منها 20 نوع في السوق الإيراني. كما وضعت إيران برنامجًا لتصنيع 61 مستحضرًا دوائيًا في المستقبل، بحسب الدكتور مصطفى قانعي، أمين «مركز تطوير التكنولوجيا الحيوية» في «المديرية العلمية والتقنية لرئاسة الجمهورية» ورئيس معهد «باستير».

وتعمل الشركات الإيرانية حاليًا على إنتاج 29 مستحضر دوائي جديد، ستطرح في السوق خلال خمس سنوات كحد أقصى، ما سيرفع ترتيب طهران من المرتبة الرابعة في مجال التكنولوجية الحيوية في قطاع الصناعات الدوائية إقليميًا إلى المركز الثالث خلال سنوات، بحسب وكالة «مهر».

ولمنع استيراد الأدوية التي لها بديل محلي، أنشأت إيران مجلسًا خاصًا في أغسطس 2015 تحت رعاية «إدارة الغذاء والدواء»، ويضم مؤسسات التأمين والممارسين الطبيين والخبراء والباحثين في مختلف المجالات الصحية، لتحديد الأدوية التي يمكن استيرادها.

وبتدشين خط إنتاج هرمون النمو البشري في شركة «داروبخش»، حققت إيران الاكتفاء الذاتي من هذا الهورمون الذي تنتجه فقط أربع دول في العالم: الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والدنمارك وكوريا الجنوبية؛ ما يعني توفير 800 مليار ريال سنويًا نتيجة عدم استيراده من الخارج.

 

كما حققت إيران الاكتفاء الذاتي من معدات التعقيم والضمادات والسيطرة على العدوى في المستشفيات، وأصبح بمقدور الشركات المحلية توفير المنتجات بثلث السعر الذي كانت إيران تستورده بها من ألمانيا، وسويسرا، وفرنسا.

على الجانب الآخر من الاختراقات التي حققتها إيران، ثمة إشكاليات من نوع آخر.  فمنذ العقوبات الأمريكية، ارتفع ثمن الأدوية المستوردة بأكثر من ثلاثة أضعاف؛ لأن الشركات الطبية اضطرت إلى دفع مبالغ باهظة للوسطاء من أجل تأمين الإمدادات. وكانت النتيجة أن تلقى المرضى وعائلاتهم ضربة مضاعفة؛ بسبب الانخفاض الحاد في قيمة العملة الإيرانية؛ ما جعلهم يرزحون تحت ثقل فواتير طبية فلكية.

كما أن الدعم السخي الذي تقدمه الحكومة لصناعة الأدوية، من أجل تشجيع أنشطة الإنتاج وتخفيف أعباء الاستيراد، يغري بالإتجار غير المشروع؛ ما يشكل تحديًا مضاعفًا في ظل العقوبات الغربية الصارمة. وهناك أيضًا أزمة السيولة التي تعاني منها صناعة الأدوية، باعتراف وزير الصحة الإيراني حسن هاشمي، الذي كشف قبل عامٍ أن مَن يعملون في هذا القطاع لم يحصلوا على مستحقاتهم منذ 12 شهرًا.

كما أن هناك تفاوت ملحوظ في المؤشرات الصحية في إيران، على سبيل المثال، يصل فارق متوسط ​​العمر المتوقع بين المحافظات إلى 24 سنة. وينطبق التفاوت ذاته على جميع المؤشرات الصحية تقريبًا، باستثناء توافر اللقاحات والرعاية الصحية الأولية التي تغطي أكثر من 90% من المواطنين. 

المشهد الصحي في إيران ما بعد الثورة

في أعقاب ثورة 1979 التي أطاحت بحكم الشاه المدعوم من الولايات المتحدة، وسعت الحكومة الإيرانية الجديدة مظلة الرعاية الصحية لتشمل 23 مليون شخص لم يسبق للعديد منهم أن عُرِضوا على طبيب. وحاز البرنامج على ثناء «منظمة الصحة العالمية»، وكان مسؤولًا إلى حد كبير عن خفض معدل وفيات الرضع في الريف بنسبة 75%.

ومنذ الثمانينات حققت الحكومة أيضًا «أكبر وأسرع انخفاض في (معدل المواليد) المسجلين على الإطلاق من خلال تدابير صحية مثل التوزيع المجاني لوسائل منع الحمل المصنعة محليًا، وهي الصناعة التي تطورت على مدى عقود وحققت الاكتفاء الذاتي للاستهلاك المحلي إلى حد كبير.

 

قبل الثورة الإسلامية، كان إجمالي الوفيات في صفوف الأمهات أكثر من 5 آلاف حالة في السنة، عندما كان عدد السكان 35 مليون نسمة وعدد المواليد 500 ألف سنويًا. وبحلول عام 2013، أصبح إجمالي الوفيات في صفوف الأمهات أقل من 300 حالة سنويًا، من بين 1.2 مليون ولادة سنويًا تقريبًا. وبموازاة ذلك انخفض معدل وفيات الأطفال حديثي الولادة في بعض المقاطعات بنسبة تصل إلى 40%.

وبشكل عام تغير المشهد الصحي في إيران من بلد يستقبل أكثر من 3 آلاف طبيب أجنبي عامل في عام 1983، إلى بلد يلبي جميع احتياجاته من التخصصات الصحية والطبية في التعليم العالي. 

وخلال ثلاث سنوات فقط استطاعت إيران زيادة تغطية لقاح الأطفال حديثي الولادة من 33% إلى أكثر من 90% على الصعيد الوطني. وفحوصات مرض السكري، وارتفاع ضغط الدم، تغطي الآن تقريبًا جميع سكان المدن التي تضم أقل من 20 ألف نسمة، وجميع المناطق الريفية. 

الدواء الإيراني الرخيص «يغازل» سوريا ولبنان

تقلّ أسعار غالبية الأدوية المُنتجة في إيران عن أسعار الأدوية المنتجة في بقية الدول المُصنّعة بنسبة 90%، بحسب مسؤولين في وزارة الصحة الإيرانية. وانخفاض كلفة إنتاج الدواء يعود إلى اعتماد إيران على تصنيع الدواء الجينيريك البديل للدواء التجاري، وامتلاكها أحد أغنى مصادر الأعشاب الطبية التي لا تنمو في أي منطقة أخرى من العالم. 

ورغم الحصار الاقتصادي القاسي تمكّنت الجمهورية الإسلامية من تسجيل إنجاز لافت في مجال صناعة الأدوية، وتحرص وسائل الإعلام الإيرانية دوريًا على نشر أخبار الإنجازات التي يحرزها الباحثون الإيرانيون في المجال الطبي.

ومع وصول حزب الله إلى وزارة الصحة في لبنان بموجب التشكيل الوزاري الأخير ثارت تساؤلات حول قدرة الحزب على استغلال نفوذه لفتح الأسواق اللبنانية أمام الأدوية الإيرانية بأسعار مخفّضة، عبر إنشاء مؤسسة خاصة للتعامل مع إيران في مجال الأدوية.

لكن نقيب مستوردي الأدوية في لبنان، أرمان فارس، أوضح لموقع «العربية» أن لبنان لا يستورد أصلًا الدواء من إيران، حتى قبل فرض العقوبات عليها. وعزا غياب الدواء الإيراني عن السوق اللبناني إلى «عدم إمكانية مصانع الأدوية تسجيل ملف للدواء المصنّع في إيران يكون ملائمًا للأسس المعتمدة في لبنان».

كما «قذفت إيران بطوق نجاة لتأمين متطلبات سوق الدواء السوري من المواد الأولية، وبعض أصناف الأدوية، لتهدئة روع السوق المأزوم بخضّة العقوبات. لكنّ المشكلة المحسوسة بقيت تتوغّل في الواقع، وكان كافيًا أن يعلن نقيب صيادلة سوريا عن فقدان 32 صنفًا دوائيًا تخصّ الأمراض المزمنة، وعلى رأسها السرطان، وبدائلها أيضًا، ليجسّد بذلك جانبًا من المشكلة الشائكة».