الأحد 22 أيلول 2019

أخبار عربية ودولية

فورين بوليسي: 3 سيناريوهات تحدد مستقبل آسيا.. تعرف إليها

فورين بوليسي: 3 سيناريوهات تحدد مستقبل آسيا.. تعرف إليها

ساسة

التاريخ ,

تشهد آسيا العديد من القضايا البارزة في الأيام الحالية: حربًا تجارية متصاعدة بين الولايات المتحدة والصين، وترسانة كوريا الجنوبية النووية المتنامية، وقدرات الصواريخ المُحَسَّنة، والعلاقات المتردية بين كوريا الجنوبية واليابان، والتعاون المتزايد بين الولايات المتحدة ورابطة دول جنوب شرق آسيا، بالإضافة إلى محادثات السلام المتوترة في أفغانستان، وتدابير الهند الصارمة في كشمير.

هذا ما رصده ستيفن إم والت، الأستاذ بمركز روبرت ورينيه بيلفر، التابع لقسم العلاقات الدولية بجامعة هارفارد، في مقال نشرته مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية، في مستهل استعراضه لثلاثة سيناريوهات محتملة بشأن مستقبل قارة آسيا.

أوضح والت أن أهم العوامل التي يجب أخذها في الاعتبار، بالنسبة لشخص واقعي مثله، هي: أولًا؛ ميزان القوى بين الولايات المتحدة والصين، وثانيًا؛ رد الفعل الذي يُرَجَّح أن تتخذه الدول الآسيوية الأخرى تجاه أي تغيير ملحوظ يحدث لهذا الميزان. هذان العنصران ليسا كل ما يهم، بالطبع، ولكن القدرات النسبية للدولتين الأكثر قوة في العالم – إحداهما تقع في آسيا- لا بد وأن تلقي بظلال ثقيلة على الدول الأخرى في المنطقة.

السيناريو الأول: الصين تتقدم على أمريكا

في السيناريو الأول، تستمر الصين في النهوض بسرعة، بينما تتعثر الولايات المتحدة، وذلك إما بسبب السياسات المحلية سيئة التوجيه (مثل مسألة التخفيضات الضريبية غير الحكيمة وسيئة التصوُّر، ونقص الاستثمار في التعليم، وعدم كفاية اللوائح المالية، والجمود السياسي… إلخ)، وإما بسبب الورطات والمشتتات الخارجية المكلفة.

 

بتحفظات معينة، وُلِد هذا السيناريو في مخيلة المحللين مارتن جاكس، أرفيند سوبرامانيان (وآخرين)، اللذين يعتقدون أنه من المقدر للصين أن تحل محل الولايات المتحدة في نهاية المطاف بوصفها القوة المهيمنة على العالم. وبالطبع فإن هذا الخوف من الهيمنة الصينية هو ما يدفع جهود إدارة ترامب الحالية إلى إبطاء الصين.

وإذا حدثت تلك النتيجة – ليس في الوقت الراهن، ولكن في العقود القادمة- فمن الصعب تخيل أن تتمكن الولايات المتحدة من الحفاظ على وضعها الأمني الحالي في آسيا. ويمكن لصين أكبر وأكثر ثراء أن تتفوق على الولايات المتحدة في سباق التسلُّح، وربما تُمَكِّنها قدراتها التكنولوجية دائمة التطوُّر من امتلاك أسلحة ميدانية مساوية لأنظمة الأسلحة الأمريكية أو متفوقة عليها. 

وبذلك ستواجه الولايات المتحدة القرار الحرج ذاته الذي واجهته بريطانيا في مطلع القرن العشرين – حين سعت واشنطن بنشاط لإخراجها من نصف الكرة الأرضية الغربي- وربما ستقرر تصفية دورها في آسيا وستسمح للصين بتأسيس مجال نفوذ هناك.

من المحتمل أن يتكاتف جيران الصين من أجل تحقيق التوازن ضد بكين، حتى إذا لم يعد الدعم الأمريكي متاحًا – كما قد تتنبأ نظرية توازن القوى البسيطة- ولكن هناك أسبابًا تدعو للتساؤل. وما لم تتمكن الهند بطريقة ما من أن تواكب الصين، سيظل التحالف المتوازن المحصور في آسيا أضعف من التحالف الصيني الافتراضي العملاق، وسيواجه المعضلات المعتادة للعمل الجماعي.

ويضيف والت: «هذه الرؤية المستقبلية بلا شك هي الأفضل بالنسبة لبكين، كما أن الرئيس الصيني شي جين بينج اقترحها بكثرة في الماضي. ذلك أن إبعاد الولايات المتحدة عن آسيا، وجعل جيرانها المباشرين خاضعين للتفضيلات الصينية؛ سيضاعف الأمن الصيني، بينما سيصبح من السهل بالنسبة لبكين إظهار القوة في مناطق أخرى، ربما تكون ذات أهمية بالغة، كالخليج العربي (يصفه المقال بالفارسي). 

ولهذا السبب، يمكنك المراهنة على أن المخططين الاستراتيجيين الصينيين يأملون في أن تواصل الولايات المتحدة تورطها في صراعات عديمة الجدوى، في دول ذات أهمية استراتيجية هامشية، يقودها أشخاص تتشكل قراراتهم على حسب نزواتهم ورغباتهم، أكثر من الإحساس الواعي بالمصالح والاستراتيجية».

السيناريو الثاني: الولايات المتحدة تظل في الصدارة

السيناريو المظلم (من منظور الولايات المتحدة) المرسوم أعلاه ليس حتميًّا. في الحقيقة، يعتقد بعض العلماء – وبالأخص مايكل بيكلي من جامعة تافتس- أن الرؤية المستقبلية المعاكسة هي الأكثر ترجيحًا. في تلك الرؤية، إنها الصين التي ستتعثر، بينما تتحدى الولايات المتحدة آخر تنبؤات التردي الحتمي.

 

كان المتنبئون بتردي الولايات المتحدة مخطئين في الثمانينات، وربما هم مخطئون اليوم؛ إذ تواجه الصين عددًا من العقبات (شيخوخة السكان، والتدهور البيئي، ونقص الإمدادات الكافية من المياه، والقيود الجغرافية السياسية، والأقليات المضطربة، والاختلالات المالية… إلخ)، بينما تحتفظ الولايات المتحدة ببعض نقاط القوة المهمة، كالموقع الجغرافي الملائم للغاية، والموارد الطبيعية الوفيرة، والاقتصاد دائم الابتكار.

وإذا تحقق هذا المستقبل، ستظل الولايات المتحدة في وضع مثالي لقيادة تحالف متوازن في آسيا، وفقًا لوالت. ذلك أن الولايات المتحدة لديها بالفعل علاقات ثنائية قوية مع البلدان الرئيسية في آسيا (اليابان، وآسيا، وكوريا الجنوبية، وسنغافورة… إلخ)، كما تتحسن علاقاتها بالهند، وبرابطة دول جنوب شرق آسيا. سيكون الغرض من تلك التحالفات دفاعيًّا في الأساس وهو منع الصين من ترهيب جيرانها، أو توسيع نفوذها توسعًا مفرطًا. 

وتقتضي الحصافة ألا تحاول الولايات المتحدة وشركاؤها إفقار الصين أو تقويض الحزب الشيوعي الصيني؛ لأن هذه السياسة ستدق جرس إنذار لدى حلفاء أمريكا الآسيويين، وستزيد من خطر الحرب. سيتعين على واشنطن التعامل مع المشكلات المعتادة المتمثلة في الحلفاء الذين لا يريدون تحمل الأعباء (مشكلة الحليف/ الراكب المجاني) والسعي جاهدة للتخفيف من حدة الاختلافات بين مختلف شركائها، بيد أن دورها المركزي سيمنحها الكثير من الأدوات لإنجاز تلك المهام.

في هذا العالم، ما ستفعله دول آسيا واضح تمامًا. ستظل الولايات المتحدة أقوى دولة في النظام العالمي، ولكن تقارب الصين من جيرانها سيجعلها أكثر تهديدًا بالنسبة لهم. وبناء على ذلك، ستصبح غالبية الدول الآسيوية «موازنًا إقليميًّا» وستسعى للحفاظ على شراكة وثيقة مع الولايات المتحدة. وربما تتلاشى الحاجة إلى حماية الولايات المتحدة تمامًا إذا شهدت القوة الصينية انخفاضًا حادًّا، ولكن هذا من المستبعد حدوثه، وربما تفضل بعض الدول الحفاظ على تواصل أمني مع واشنطن تحسبًا لحالة انعدام اليقين.

السيناريو الثالث: تنافس واستقطاب مستمران

ربما يكون السيناريو الثاني أفضل من منظور الولايات المتحدة، لكن السيناريو الثالث سيكون الأكثر ترجيحًا؛ وهو يفتِرض استمرار الصين في النمو، لكن مع استمرار الولايات المتحدة في مواكبة ذلك. وقد تتقلص الفجوة الحالية بين الدولتين بصورة ما، لكن دون أن تتخطى الصين الولايات المتحدة وتؤسس قيادة واضحة. 

وسينتهى المطاف بالعالم إما إلى حالة من الاستقطاب الثنائي (كما حدث إبان الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي) أو إلى شكل غير متوازن تمامًا من تعددية الأقطاب، مع تقدم الولايات المتحدة والصين على قوى أكثر ضعفًا مثل روسيا والهند.

 

وتابع والت: «ليس من الواضح كيف ستستجيب باقي دول آسيا في حالة تكشّف المستقبل على هذا النسق، ولكن النظرية الواقعية تشير إلى أن معظمهم سيظل يفضل تحقيق توازن مع الولايات المتحدة. ولن يكون خيار الحياد أمرًا سهلًا لأي منهم؛ لأن كلًّا من الولايات المتحدة والصين من المرجح أن يضغطا على المحايدين المحتملين، للتخلي عن المشاهدة والانحياز إلى جانب. 

ربما تبدو مواكبة الصين مغرية للوهلة الأولى، لكن فعل ذلك يعني القبول بوضعية المرؤوس والإذعان لنزوات الصين، الأمر الذي قد يعرض تلك الدول للخطر في حال أصبحت النوايا الصينية أكثر افتراسًا. على النقيض من ذلك، سيساعد تحقيق توازن مع الولايات المتحدة في إبعاد الصين، وسيتعين على واشنطن إيلاء الاهتمام الواجب لأمنيات حلفائها؛ لأنها لن تتمكن من الحفاظ على وضعها في آسيا دونهم. وإذا ظلت الولايات المتحدة والصين متساويتين تقريبًا – أو واصلت الولايات المتحدة الريادة، ولكن بهامش أقل- فإن تحقيق التوازن مع الولايات المتحدة هو المسعى الأذكى لليابان وكوريا الجنوبية، ومعظم القوى الأخرى في آسيا.»

وهذا لا يعني أن تلك النتيجة مؤكدة. فبحسب الكاتب، ليست إدارة تحالف متوازن في آسيا أمرًا سهلًا، ويعزى ذلك إلى المسافات الهائلة المتضمنة، وإغراءات التهرب من المسئولية أو الانتفاع المجاني التي لا مفر منها، والمفاضلات الاقتصادية المشمولة، والعلاقات الحساسة بين بعض الدول الآسيوية (أبرزها كوريا الجنوبية واليابان). وإذا كان هناك أي منطقة في العالم في حاجة إلى قيادة تحالف يقظة وفطنة وماهرة، فهي آسيا.

وأرجع والت أداء إدارة ترامب المحبط والمقلق للغاية إلى هذا السبب. فبدلًا من الاعتماد على جهود الرئيس السابق باراك أوباما لإعادة التوازن، ودفع الشراكة عبر المحيط الهادئ من خلال مجلس الشيوخ، الذي يهيمن عليه الجمهوريون، مزقها الرئيس دونالد ترامب في يومه الثالث في المنصب. وبدلًا من الاصطفاف مع اليابان وكوريا الجنوبية، والاتحاد الأوروبي واقتصادات كبرى أخرى لمواجهة الصين بسبب ممارساتها التجارية غير العادلة، اختار ترامب خوض معارك تجارية مع الجميع تقريبًا، وبالتالي تُركت الولايات المتحدة لمواجهة الصين بمفردها. 

وبدلًا من اتباع نهج ثابت ومتطور بشأن البرامج النووية والصاروخية لكوريا الشمالية، اختار ترامب انتهاز الفرص لالتقاط الصور وتوظيف جاذبيته الشخصية لحشد الدعم، وهو ما لم يُفضِ إلى شيء يُذكَر، مما أثار شكوكًا جديدة حول موثوقية واشنطن وفطنتها الاستراتيجية. وبدلًا من التركيز على أدق تفاصيل ميزان القوى الآسيوي – الذي سيتمخض عن تأثيرات عميقة على السياسة العالمية لسنوات عديدة قادمة- ما يزال ترامب غارقًا في أفغانستان، ويسعى خلف الهاجس المدمر المسمى بممارسة أقصى قدر من الضغط على إيران، وهي استراتيجية ستدفع إيران نحو بكين أكثر من أي وقت مضى، وتجعل سعيها الأحادي التفكير لخيار نووي قابل للاستمرار، أكثر ترجيحًا.

ويكمل الكاتب: لم يصل الموقف بعد إلى مرحلة تعذُّر الإصلاح، لكن إنقاذه سيتطلب وجود فريق سياسة خارجية أمريكي يرى الصورة الكاملة، ويعرف كيف يحدد الأولويات، ويتحلى بالبراعة في تجنيد دعم الحلفاء، ويرفض أن تشتت انتباهه الأشياء اللامعة التي تنثرها الدول العميلة المبالغ في تقدير قيمتها في المناطق الأقل أهمية. وإذا استمرت الحماقات الحالية؛ فقد ننظر إلى الوراء بعد 25 عامًا ونتساءل: كيف نجحت الصين في إخراج الولايات المتحدة من آسيا لتصبح القوة المهيمنة الإقليمية الثانية في العالم.  

وأشار والت في ختام مقاله إلى ما كتبه فيما يخص هذا الشأن عام 2005: «إذا انتهى الأمر بالولايات المتحدة بتسريع زوال شراكاتها الحالية وإحداث ترتيبات جديدة هدفها الرئيسي هو احتواؤنا، فلن نلوم إلا أنفسنا».