السبت 19 تشرين أول 2019

مقالات

الأمل بالله شمس لا تغيب

الأمل بالله شمس لا تغيب

خاص- lampress

التاريخ ,

الأمل بالله شمس لا تغيب


كتبه: المفتي الشيخ أحمد نصار

أراد الله سبحانه لهذه الدنيا أن تكون جامعةً للضدين والنوعين والفريقين، والرأيين والمسارين؛ الخير والشر، الصلاح والفساد، السرور والحزن. فقال تعالى: (وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً، وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ)، قال ابن عباس رضي الله عنه في تفسيرها: "نبتليكم بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية، والهدى والضلالة، وإلينا يردّون فيجازون بأعمالهم، حسنها وسيئها". وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالم ومتعلم)؛ فالدنيا مكان الابتلاء، وكل ما فيها ملعون حين يكون مسببا في   البعد عن الله ورحمته ومحبته، ولا ينجو من ذلك الا ما كان سببا في التقرب من الله ومعينا على طاعته ورحمته ومحبته. ثم سيصفو الخيرُ كلُّه والصلاح والسرور في الجنة، ويُجمع الشرُّ كلّه والفساد والحزن في النار.


فلا بد أن نعيش واقعنا الدنيوي بعيداً عن الخيال، ولا بد أن نطوّع أنفسنا أننا نعيش بين أهل شر وأهل خير، وقد يكون الخير والشر مختلطاً في ذات الشخص أو الجماعة أو العمل أو المقصد. فكم من المصائب نزلت على من سلك مسار الحق الذي يعتقده وصبر عليه، فإن كنت قد رفضت مساومة على دينك وأمانتك أو واجهت جماعة مشبوهة أو كتبت تصويباً لمفهوم خاطئ أو فعل شاذ، وغير ذلك من أنواع المجاهدة للباطل مما يغضب أهل الضلال والأهواء والتبعية للماسونية أو العمالة الأجنبية، وتحملت ضررهم في تشويه سمعتك، أو محاولة توقيفك وسجنك، وصبرت على سفاهة طالتك، وافتراءات سلطت عليك ...، فاعلم أنك لست وحدك المصاب، وأن مصابك بالنسبة لغيرك قليل، فكم من أسير بيد العدو يُعذّب، وكم من أسرة مرابطة في فلسطين تجوّع، وكم من جريح في ميادين الجهاد والمقاومة يتألم، وكم من معوّق فقد عضوا أو حاسة بسبب عدوان صهيوني أو إرهابي أو من ظلمة ومجرمين يتحسر، وكم من مريض على سريره منذ أعوام يئن ألماً ويسمعه أهله الفقراء وهم يتألمون بألمه لعجزهم عن مساعدته، وكم وكم وكم، فأين مصابك من مصابهم!
والله يدعوك إلى الصبر والاقتداء بالأنبياء بقوله: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ)، وسيد الأنبياء والأنام محمد صلى الله عليه وسلم لنا فيه القدوة الحسنة، فقد وُضعت النجاسة على رأسه أثناء الصلاة، ورُمي بالحجارة حتى دميت قدماه، وتعرّض للاغتيال أكثر من مرة، وشجّ رأسه وكسرت ثنيته، وحوصر مع أهله وعشيرته في الشِعب ومنع عنهم الطعام حتى أكلوا ورق الأشجار، وطُرد من بلده مكّة، ورُميَ عِرض زوجته الشريف، وقُتل الكثير من أصحابه، وفقد أولاده في حياته إلا الزهراء رضي الله عنها، واتُّهم أنه شاعر وساحر وكاهن ومجنون وكذاب... والفئة المؤمنة التي تؤمن بالله وتجاهد في سبيله هي أيضاً معرضة للابتلاء بكل أنواعه، فالابتلاء سنّة الله في الأرض، ولابد أن يتعرض لها الإنسان بصورة أو بأخرى، فبهذا الابتلاء وذلك التمحيص تظهر الأحوال وتُختبر على حقيقتها، ويُعرف الصادقون من غيرهم، قال تعالى: (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ).


فآن لك أن تتعزى بهؤلاء، وأن تعلم علم اليقين أن هذه الحياة سجن للمؤمن ودار للأحزان والنكبات، ومع ذلك فيها من الجمال مايؤنس وما يُعين على الصبر والطاعة، فقال صلى الله عليه وسلم: (الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون)، ففيها لك أسرة مجتمعة، وصحبة طيبة، ومكان للسجود والعلم والذكر، وجمال طبيعة، وغيرها مما يُسكن النفس ويشحذ الهمّة ويقوي القلب ويقرب إلى الله. وأما المجرمون المعتدون والظالمون؛ فهم وإن سكنوا القصور فهم مضطربون قلقون، بيوتهم خاوية من العاطفة الصادقة، والعفة الطيبة، ولو ظن الناس عَمارها، وعلاقاتهم حتى الأسرية منها مليئة بالخصومات والعداوات، لايجمعهم إلا المصالح المادية، لا تعني لهم الروابط ولا الضوابط الأخلاقية، قلوبهم ماتت ودفنت مع ضمائرهم، لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس...، قال تعالى: (...وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ * وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ * فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ، إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَام).


فإذا داهمك الخوف وطوقك الحزن وأخذ الهم بتلابيبك فقم إلى الذكر والصلاة قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) وقال سبحانه: (أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)، وفوّض الأمر كله لله، وتوكل عليه وثق بوعده والرضا بصنيعه وحسن الظن به وانتظر الفرج منه جلّ في علاه، فإنّ الأمل بالله شمس لا تغيب، قال تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَأُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ).