السبت 19 تشرين أول 2019

مقالات

بوليسية العهد لن تمنع تبدّد رصيده

بوليسية العهد لن تمنع تبدّد رصيده

النهار

التاريخ ,

بدل أن يعود رئيس الجمهورية ميشال عون الى البلاد من رحلته النيويوركية الباهتة، ويواجه المناخ الداخلي المتوتر اقتصاديا واجتماعيا بالعمل الجدي والصامت، وبمخاطبة اللبنانيين بأسلوب الرؤساء الذين يواجهون الازمات بمحاولة إقناع الناس حتى عندما تغلبهم الشكوك حيال كل شيء، عمد الى محاولة استخدام عصا غليظة، مهددا ومتوعدا باستخدام القضاء والأجهزة الأمنية مرة جديدة لإسكات الناس بأسلوب بوليسي، وقد نسي أن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي بلغت القعر، وهو لم يكمل منتصف ولايته الرئاسية “القوية”، أوصلت الرأي العام الى حالة من اللاخوف من عهد قيل في بدايته انه سيأتي بالمنّ والسلوى بعد طول معاناة منذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري على يد حلفاء الجنرال عون. فما فعله الرئيس عون في مطلع ولايته من ملاحقات لناشطين ومغردين وأصحاب رأي في البلد، ما أسكت الناس، وخصوصا ان رصيد العهد نفد تماما، وقد تجلّى ذلك من خلال حالة الاعتراض الكبيرة التي واجهت نمط تنقلات الرئيس الخارجية في زمن القلة، وفي زمن أيقن اللبنانيون أن عون يواجه عزلة حقيقية في الخارج، أكان عربيا أم دوليا.

 

ارتكب رئيس الجمهورية عندما تنصل من الازمة القائمة، محاولا نفض يديه منها، والتغطية على أسلوب أداء بطانته المتفرغة لخوض المعارك الضيقة الأفق، ومراكمة مكاسب صغيرة في الزمان والمكان والنوعية. ولعل أكثر ما أخطأ فيه رئيس الجمهورية عندما حاول رسم صورة الازمة في لبنان بالجانب التقني الاقتصادي، رافضا رؤية الآثار المدمرة التي خلفها ويخلفها وضع البلاد تحت سيطرة “حزب الله” شبه التامة، حيث تحولت الدولة برمتها واجهة لحكم إيران للبنان بواسطة الحزب المشار اليه. فلقد أخذوا المكاسب الصغيرة والآنية من “حزب الله” وأعطوه البلاد بقرارها السيادي والمصيري! فـ”التسوية الرئاسية” كانت بمثابة صك الاستسلام، من خلال تسليم الرئاسة الأولى لحليف “حزب الله”، وبالتالي إطاحة التوازن الهش الذي كان قائما. هنا ليس عون وحده المسؤول، فلقد كان ولا يزال جزءا من التحالف الذي تقوده إيران إقليميا، و”حزب الله” محليا، وما تغير شيء منذ انتخابه. إنما هذا موضوع آخر.

 

بالعودة الى هذا النفس البوليسي الذي تريد بطانة عون من خلاله مواجهة السخط الشعبي، وكمّ الافواه، ومنع الاعتراض على الإدارة الصوتية للازمة، نقول إن الرئاسة الأولى ومعها الحكومة في أزمة كبيرة، وهي أزمة ثقة. وللتذكير، فقد أطلق على الحكومة الأولى في ولاية عون الرئاسية اسم “حكومة استعادة الثقة”، وما عادت الثقة، لا بل تبددت البقية الباقية منها. ثم سميت الحكومة الثانية التي أتت بعد الانتخابات السيئة الذكر “حكومة الى العمل”، فما لمس الناس الكثير من العمل المجدي، وأغرقت محاولات رئيس الحكومة (“سيدر-١”) لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في بحر من الخلافات التي فجرتها بطانة الرئيس عون في كل اتجاه، فضلا عن شبق السلطة والتسلط بمعناهما الضيق، فأصابت صورة العهد بمقتل.

 

في الخلاصة، كما ان الفقر لا يواجه بإطلاق النار، فإن مواجهة تبدد الرصيد لا تواجه بإطلاق النار على عقول الناس ونفوسهم، بل بمقاربة جديدة ومختلفة عما حصل خلال النصف الأول من الولاية!